في وسط الصراعات السياسية والأزمات الاقتصادية التي تعصف بالعالم العربي. أمن غير مستقر هنا، ومجاعات هناك، يعتبر الاهتمام بالبحث العلمي خاصةً في المجالات الطبية من الرفاهيات التي لا تقدمها معظم الدول، لكن يبقى السؤال هل الاهتمام بالبحث العلمي وتمويله حقًّا من الرفاهيات؟!

بدايةً دعونا نعرف ما هو البحث العلمي في الطب. البحث العلمي في الطب ينقسم الى نوعين: النوع الأول وهو الأبسط يكون مجرد دراسة وصفية لحالة معينة، وفي الغالب لا تحتاج إلى الكثير من المال، وتكون في أغلب الاوقات من خلال استبيانات. أما النوع الثاني فتكون دراسة تدخلية عن طريق تجربة أنواع جديدة من العلاج، أو العمليات الجراحية.

دعونا نسأل سؤالًا آخر: لماذا أنشئ من الأساس البحث العلمي وما هي أهميته؟

البحث العلمي باختصار هو الوسيلة المثلى لتطوير أي مجال، أو لحل معضلة تخص أي مؤسسة. إذا نظرنا على سبيل المثال في المجال الطبي كيف أثر البحث العلمي فيه فسنجد الكثير من الإنجازات. في نهايات القرن الماضي انتشرت نسبة العيوب الخلقية وازدادت بشكل ملحوظ عن ذي قبل، وبدأ الأطباء بعمل أبحاث عن بعض الأدوية أو العادات الخاطئة مثل إدمان الكحول التي قد تسبب مثل هذه الأمراض. على سبيل المثال تم نشر بحث في جريدة «New England Journal of Medicine»(1) حيث تم توزيع استبيان على 633 امرأة في بداية حملهم ليعرفن إن كن يتناولن الكحوليات أم لا، وأنواع الأدوية التي يتناولنها خلال فترة الحمل. وكانت النتيجة أن نسبة المتناولات للمشروبات الكحولية بإسراف 32% منهم أنجبن أطفالًا مشوهين أو أسقطن حملهن. قبل هذه الأبحاث ربما شك الأطباء في أن الإسراف في الكحوليات يؤدي إلى هذه النتيجة، لكن ما فائدة هذا الشك إن لم يقطع بدراسة علمية تثبته أو تنفيه؟

هذا بالضبط ما تفعله الأبحاث، تلقي الضوء على مشكلة ما وتظهرها لك بالأرقام والإحصاءات التي تجعلك تجزم بوجودها. وقد تريك أيضًا ما إن كان سبب ما حقيقيًّا للمشكلة أم لا، وما إن كان هذا المرض يشكل تهديدًا حقيقيًّا للدولة أم أنه مجرد حالات فردية. وهذا النوع من الأبحاث هو أبسط الأنواع، والذي بالرغم من أنه لا يعتبر مكلفًا للحكومات، إلا أنه ما زال غائبًا بشكل كبير في الوطن العربي. فعلى سبيل المثال في بعض الدول العربية مثل مصر لا يوجد في المستشفيات الحكومية نوع من الأبحاث الطبية التي تستطيع أن تحدد إن كان علاج ما أكثر فائدة من آخر، وأكثر تأثيرًا في المرضى. لا يوجد أيضًا إحصاءات لتظهر إن كان الجو العام يساعد الأطباء على الإنتاج أم لا، وما إن كانوا راضيين عن الخدمة التي تقدم للمرضى أم لا.

مبادئ البحث العلمي السليم وأخلاقياته لا تدرس في كثير من الجامعات، ولا تطبق على أرض الواقع إلا نادرًا. وفي حال عمل بحث يكون صاحبه في الغالب منظمة دولية لا محلية؛ نظرًا لقلة التمويل للبحث العلمي في بلادنا.

قد يتساءل البعض: لماذا إذًا لا نكتفي بالأبحاث الدولية التي تقام في دول أخرى عن مرض معين؟

الإجابة ببساطة أنه لا تستطيع أن تعتمد على غيرك في القيام بعمل من المفترض أن تقوم به أنت. العلاج الذي يقدم للمريض يختلف على حسب العرق، والجنس، وأحيانًا اللون.

فعلى سبيل المثال، الأنيميا المنجلية تصيب عددًا أكبر من الأمريكيين الأفارقة، أكثر مما تصيب الأمريكيين ذوي البشرة البيضاء لأسباب جينية، كما أن العلاج لمرض ارتفاع ضغط الدم يختلف أيضًا ما إن كان المريض أبيض أم أسود(2). وفي الأبحاث المتعلقة بالمرض النفسي فهي بلا شك لا يمكن أن تعتمد على أبحاث دولة أخرى، فلكل دولة بيئتها وظروفها الاقتصادية والاجتماعية، والتي تؤثر بشكل أو بآخر في مواطنيها، وتجعلهم أكثر عرضة لمشاكل نفسية أكثر من غيرها. وهناك أمراض منتشرة في الوطن العربي مع أنها اختفت من معظم دول العالم، مثل مرض فيروس سي -خاصة النوع الرابع منه- فهو منتشر بشكل مفزع في دول الشرق الأوسط، أكثر من باقي دول العالم. كل دولة من المفترض أن تقوم بأبحاثها الخاصة عن أكثر الأمراض انتشارًا لديها، وعن العلاجات وطرق الوقاية المناسبة للنوع المنتشر لديها. لكن إن انتظرنا أن تأتي دولة أخرى لتشعر بمعاناتنا وتنقذنا فنحن على أقل تقدير نضع حياة عشرات الآلاف من المرضى في خطر، إلى حين أن تمن علينا دولة تهتم بالأبحاث اللازمة وتقدمها لنا.

نحتاج لا محالة إلى تطوير دراسة البحث في جميع الجامعات دون استثناء. قد يتكلف البحث العلمي الكثير من الأموال، لكنه قد يوفر على الدولة الأموال الطائلة التي تنفق في علاج مرض ما. فبدلًا من بناء أكبر مستشفى سرطان في العالم، الأولى أن تحد من انتشاره عن طريق معرفة أسبابه وتحذير الناس منها. في وطننا العربي لدينا الكثير من العقول الفذة والطلبة المجتهدين ينتظرون فقط أن تمنح لهم الفرصة لخدمة أوطانهم.. فهل سيحظون بها؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

Adverse Effects on Offspring of Maternal Alcohol Abuse during Pregnancy
عرض التعليقات
تحميل المزيد