مذ أن أنشئت فرعية للمنظمة العالمية لمهندسي الكهرباء والإلكترونيات IEEE بالسودان بدأ مفهوم البحث العلمي يأخذ منحى جديدًا حيث عرفت الكثير من الأبحاث العلمية طريقها إلى النشر في الدوريات العلمية العالمية المرموقة، ترجح بدايات إنشاء الفرعية للعام 2011 بعد جهود كبيرة من كوادر علمية سودانية قابلتها ضغوط وتعنت من دول غربية ليست على وفاق مع السودان حيث رُفض في البدء أن تنشأ فرعية لهذه المنظمة تحمل اسم السودان واقتُرِح أن يتبع السودان لفرع مصر ولكن العلماء السودانيين رفضوا حتى مناقشة هذا الأمر انطلاقًا من أنه يمس بمبدأ سيادة الدولة السودانية  لتولد بعد تجاذبات عدة فرعية للـIEEE بالسودان تحمل اسم IEEE SUDAN SUBSECTION.

IEEE عرّابة البحث العلمي التقني 

قبل أن تولد فرعية للـIEEE بالسودان لم يكن مجال البحث العلمي التقني ينظر له بعين الاعتبار ولم تكن الميزانيات ترصد لتصب في معين الأبحاث حيث شكل تواجد هذا الجسم بشقه البحثي نقلة نوعية في تغيير نظرة النخب للبحوث كما عملت جامعة الخرطوم على إدراج موضوع البحث العلمي ضمن قائمة اهتماماتها باشتراطها ترّقي سلم الترقيات لأعضاء هيئة التدريس بالإنجاز البحثي تشجيعًا منها للباحثين وربط منح الدرجات العلمية بمقدار ما ينتجه الفرد من عمل بحثي  يساهم في خدمة الجنس البشري انطلاقًا من المبادئ العلمية مما ساهم كثيرًا في لفت نظر أعضاء هيئات التدريس لأهمية البحث العلمي، عملت الـIEEE على ربط الداخل السوداني باتجاهات البحث العلمي العالمية عن طريق عقد شراكات وتبادل للآراء ووجهات النظر مع مؤسسات بحثية خارج السودان، ما نتج عنه عدد من المؤتمرات والدورات التدريبية وورش العمل التي تتناول البحث العلمي كان آخرها ورشة عمل عقدتها جامعة الخرطوم لتعليم الباحثين الشباب كيفية كتابة وإعداد الأوراق العلمية كما عقدت الجمعية أيضًا ورشة عمل قبل أيام من نشر هذا المقال في هذا المجال أيضًا تحدث فيها الدكتور طارق أحمد خالد عن الأوراق العلمية وكيفية تقديمها والطرق العلمية التي يمكن من خلالها تحويل الباحثين حديثي العهد بالتخرج إلى باحثين من خلال تحويل مشاريعهم البحثية التي أعدت كمشاريع تخرج إلى أوراق بحث علمية.

مؤتمر ICCCCEE 2017

يعد المؤتمر العالمي لهندسة الاتصالات والتحكم والحوسبة والإلكترونيات إضافة حقيقية لجسد البحث العلمي النحيل حيث انعقد المؤتمر في افتتاحية هذا العام بالعاصمة الخرطوم لمناقشة قضايا علمية في مجالات التكنولوجيا والبحث العلمي بمشاركة علماء من الولايات المتحدة الأمريكية والهند والصين والسودان، حيث أقيمت منافسات علمية في مجال أوراق البحث العلمية كانت تهدف من جملة أهدافها إلى تشجيع الباحثين الشباب وحثهم على زيادة الرصيد البحثي بالبلاد وريادة هذا المجال البحثي، انطلقت المنافسة العلمية بعد أن تم قبول عدد 397 ورقة علمية من جملة الأوراق التي تقدم بها الباحثون للمشاركة في المؤتمر حيث سيتم تقييم هذه الأوراق ومن قبل لجنة تضم عددًا من المحكمين لضمان استيفائها للشروط العالمية التي تنظم كتابة الأوراق العلمية، وضمان خلوها من الاقتباسات المفرطة التي تصنف من السرقات العلمية عن طريق برامج خاصة وخبراء من الـIEEE ليتم بعدها اختيار الأوراق العلمية الفائزة لتنشر في الدورية العالمية IEEE EXPLORE، إضافة للتحفيز وامتيازات أخرى يحظى بها أصحاب الأوراق الفائزة، وقد شكل النصف الآخر من المجتمع عنصرًا فعالًا عن طريق مشاركة عدد من الباحثات بالأوراق العلمية ومنهن من اقتحمت مجال أبحاث الطيران عن طريق الورقة العلمية التي قدمت لتطوير نظام الطيار الآلي في طائرة البوينغ 747-E وقد جاءت الورقة لتعكس صفاء عقل الباحثتين السودانيتين صفاء عبد الوهاب وصفاء نجم الدين من جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، بمساعدة باحثين آخرين، هذا وقد أتى المؤتمر في وقت استبشر فيه السودانيون خيرًا بقرب رفع الحظر الاقتصادي عن البلاد.  

البحث العلمي يشكل محور اهتمام المؤسسة العسكرية 

من الملفت للنظر الاهتمام الكبير الذي توليه المؤسسة العسكرية السودانية للبحث العلمي حيث حضر وزير الدفاع السوداني بنفسه هذا المؤتمر سالف الذكر، وقد كانت جامعة كرري العسكرية الراعي الرئيسي للمؤتمر ومن المفارقات أن معظم التطبيقات الإلكترونية في مجال التكنولوجيا والتي نستخدمها اليوم كانت في السابق تطبيقات عسكرية في بادئ الأمر قبل أن تستبدل بها المؤسسات ومراكز البحث العلمي العسكرية أخرى أحدث منها وتسمح للمؤسسات المدنية باستخدامها لتدخل في مجال الاستخدامات المدنية، حتى إن مراكز البحث العلمي العسكرية لم تتوقع أن تنجح هذه التطبيقات وتلاقي رواجًا وانتشارًا كبيرًا وهو ما أكده أحد كبار القادة العسكريين الأمريكيين معبرًا عن الرواج الكبير الذي لاقته تقنية الإنترنت حيث قال إنهم لم يتوقعوا أن ينتشر الإنترنت بهذا الشكل في التطبيقات المدنية حيث كان في الماضي حكرًا فقط على الاستخدامات وتطبيقات الاتصالات العسكرية، وإذا نظرنا للأمر بمنظور أشمل فسنجد مراكز البحث العلمي العسكرية الأمريكية كانت دومًا رائدة في مجال استحداث أدوات وتطبيقات عسكرية استنادًا على البحث العلمي، وبطبيعة الحال فإن أي تطور عسكري يجب أن يسبقه تطور في مجال الأبحاث العلمية لتستخدم نتائج هذه الأبحاث لخدمة الأغراض العسكرية، لذالك ليس من المستغرب أن تيمم المؤسسة العسكرية وجهها شطر البحث العلمي متلمسة في هذا المجال تحقيق أغراض عجزت آلتهم العسكرية عن تحقيقها فتراهم يعبرون جسور العلم وصولًا لغايات عسكرية. 

مراكز البحث العلمي المحلية

يضم السودان عددًا من مراكز البحث العلمي في القطاعين العام والخاص أبرزها مجلس أعلى للبحث العلمي يرأسه رئيس الجمهورية حيث يشكل المركز القومي للبحوث الجسم المنوط به تنفيذ السياسات البحثية للبلاد، كما تعد وزارة الصناعة السودانية بذارعها البحثي مركز البحوث والاستشارات الصناعية من أهم مراكز البحث العلمي في المجالات ذات الصلة بالعملية الصناعية حيث يتبنى المركز سياسات طويلة الأمد على غرار مشروع التطوير الصناعي المستمر كما يقدم دورات تدريبية ذات صلة بالعملية الصناعية لإخراج كوادر تسهم في قيام نهضة صناعية بالبلاد، كما يمتلك القطاع الزراعي مركزًا بحثيًا ترجع بدايات تأسيسه لحقبة الاستعمار البريطاني للسودان وفي المجال التقني والتكنولوجي يمثل مركز النيل للأبحاث التقنية مركزًا بحثيًا كبيرًا إلى حدٍ ما يضم كوادر تتلقى جرعات تدريبية خارجية في دول لها باع في المجال التقني، وفي الوقت الذي تلعب فيه مراكز البحوث دورًا كبيرًا في نهضة وتقدم الأمم تظل الدول تعوّل عليها كثيرًا وتضعها نصب عينيها عند وضع سياساتها لوضعها ضمن الأهداف التي ترمي للوصول إليها، وهو ما تفتقر له الدولة موضوع البحث وكذلك الكثير من دولنا العربية ودول القارة الإفريقية متناسين أن أوروبا ما نهضت إلا بالعلم وأن أمريكا ما طغت وتجبرت إلا أنها تستند إلى نجاح عسكري واقتصادي خرج من مراكز البحث العلمي. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السودان, بحث, علمي
عرض التعليقات
تحميل المزيد