يعد موضوع البحث العلمي من المواضيع التي يقل تناولها في المنصات الإعلامية المتخمة بالأحداث السياسية والاقتصادية وتسارعات وتقلبات الأحداث حيث لا ينال ذلك القدر من التناول بما يرقى لأهمية الموضوع، وتزامنًا مع انعقاد المؤتمر العالمي للاتصالات والتحكم والكمبيوتر وهندسة الإلكترونيات بالخرطوم والذي تنظمه الجمعية العالمية لمهندسي الكهرباء والإلكترونيات بالسودان مع شركائها، ستكون هناك عدة مقالات تنناول موضوع البحث العلمي في السودان بالكثير من التعمق، سيتناول هذا المقال الأول المشاكل التي تواجه البحث العلمي في السودان ومحيطه العربي والأفريقي.

ما هو البحث العلمي؟

من بين كل التعريفات التي تعّرف البحث العلمي يعد تعريفه بوصفه «جهدًا منظمًا للبحث في مشكلة معينة تحتاج إلى حل» تعريفًا شاملًا إلى حدٍ ما بغض النظر عن طبيعة المحيط أو الموضوع الذي يجري دراسته في البحث لما تلعبه البحوث العلمية من دور كبير في نهضة وتقدم الأمم حيث في كثير من الأحيان تتحول الأوراق العلمية التي تقدم في المؤتمرات أو تنشر في مجلات علمية متخصصة إلى مشاريع تنفذ على أرض الواقع، ومثال لذلك يقول الدكتور طارق أحمد خالد «يعد المشروع البحثي الذي قام به الباحثان سيرجي برين ولاري بايج أفضل تطبيق عملي لتحويل فكرة مشروع بحثي إلى أرض الواقع حيث تجسد ذلك في أكبر محرك للبحث على شبكة الإنترنت والذي أخذ لاحقًا الاسم جوجل» حيث أصبح الموقع من أكثر المواقع شهرة على شبكة الإنترنت على الإطلاق.

البدايات المبكرة للبحث العلمي في السودان

ترجع بداية البحث العلمي بالسودان إلى زمن بعيد حيث أنشأ البريطانيون مراكز لأبحاث القطن بمشروع الجزيرة وفي العام 1904 أنشئ مركز بحثي تحت مسمى «معمل الأبحاث البيطرية» ثم تلا ذلك إنشاء محطة البحوث الزراعية والطبية الذي تحول لاحقًا لمعمل أستاك، منذ ذلك الوقت مرورًا بفترة الاستقلال وحتى بزوغ نجم الألفية الثالثة لم يكن الاهتمام منصبًا ناحية الأبحاث العلمية نسبة لتركيز النخب الحاكمة في ذلك الوقت على المشاكل السياسية ومشكلات الحكم وتكوين الدولة حيث كان التفكير في البحث العلمي ضربًا من الرفاهية، حيث لم تتجاوز نسبة الأبحاث العلمية التي تم نشرها في مجال العلوم عشرين بحثًا ويبالغ آخرون في هذه النسبة لتصل إلى 40 بحثًا علميًا نُشرت في مجلات علمية مرموقة .

انعدام ثقافة البحث العلمي

لماذا أنشر بحثًا علميًّا؟ سؤال ظل سيفًا يشهر في وجه كل من تاه به فكره في يوم من الأيام وقادته نفسه إلى القيام بعمل بحثي أو كتابة ورقة علمية حيث تعد طبيعة المجتمعات العربية غير ميّالة لفكرة البحث العلمي وترى فيه إهدارًا لوقت ثمين لو أنفق في حل مشكلات الأكل والسكن والتفكر في علوم الدين لكان خيرًا من تبديده في القيام ببحوث علمية معقدة لا يفقه الإنسان البسيط فيها شيئًا، لذلك ونتيجة لانعدام ثقافة البحث العلمي تخلفت المجتمعات كثيرًا وفشلت باللحاق بمن سبقوها، ومثال لتأثير ثقافة البحث العلمي في تقدم المجتمعات تجربة اليابان الرائدة بعد الحرب العالمية الثانية حين كانت دولة فقيرة متهالكة تعاني من انتشار التلوث الإشعاعي بها نتيجة لتدمير أكبر مدينتين فيها إلا أنها أولت موضوع البحث العلمي الكثير من الاهتمام مع القليل من الصبر وها هي النتيجة ماثلة أمامنا في دولة تحتل الرقم واحد في التقدم التكنولوجي وتصنف من أكبر الاقتصادات في العالم .

اقتصاد ضعيف يعني إنفاقًا أقل على البحث العلمي

الاقتصاد هو الميزان الذي توضع عليه الدول لقياس تقدمها ونموها، ولارتباط النمو الاقتصادي بالنمو في مجالات البحث العلمي يجب أن تكون العلاقة بين الاقتصاد والبحث العلمي علاقة طردية؛ أي كلما تحسن الاقتصاد تحسنت ميزانية البحث العلمي مما يؤدي لتحسن نتائج الأبحاث العلمية، وكلما تحسنت هذه النتائج فإنها تقود مباشرة لتقدم صناعي يتبعه تقدم اقتصادي والذي يفضي في النهاية إلى تقدم في كل المجالات استنادًا على أول نقطة بدأ منها هذا التقدم وهو تطور البحث العلمي، في دولة صغيرة المساحة مثل إسرائيل تبلغ نسبة الإنفاق على الأبحاث والتعليم 5% من الدخل القومي حيث يعتبر البحث العلمي من أولويات الدولة العبرية، بينما تنفق اليابان 3.4% وألمانيا 2.9% في حين تنفق السعودية مثلًا صاحبة أكبر الاقتصادات 0.2% من دخلها القومي على البحث العلمي، وتنص عدد من الدساتير العربية على مبدأين للبحث العلمي وهما تشجيع البحث العلمي وضمان حريته، وإذا أسقطنا هذا الأمر على السودان فإنه يستند على المبدأين السابقين ولكن بشكل ضعيف حيث بلغت نسبة إنفاق السودان على البحث العلمي من إحصاءات غير رسمية 0.03% من الدخل القومي وهناك جهود لرفع هذه النسبة لتصل %1.

هجرة العقول وأثرها في البحث العلمي

من المشكلات التي تواجه البحث العلمي في السودان والدول الأفريقية والعربية عمومًا موضوع الهجرات المتزايدة للباحثين والعلماء إلى أوروبا، حيث غالبًا ما يحصل الكثير منهم على منح دراسية في تلك الدول إلا أنهم لا يعودون بعد إكمال دراستهم مفضلين العيش في الصقيع الأوروبي، وكشفت إحصائيات منتدى الهجرة الذي نظمه جهاز المغتربين وشؤون السودانيين العاملين بالخارج عن هجرة 50 ألف كادر علمي وبحثي وعضو هيئة تدريس من جامعات سودانية ومراكز بحثية خلال عام واحد فقط كان نصيب جامعة الخرطوم وحدها 300 أستاذ وعالم من أعضاء هيئات التدريس، وفي العام 2012 بدأت الحكومة السودانية اتخاذ خطوات جدية عندما استشعرت خطر الهجرات المتزايدة للعلماء حيث قامت بعمل إحصاءات رسمية لرصد الأمر، وفي منتصف العام 2013 شكلت وزارتا العلوم والاتصالات والتعليم العالي والبحث العلمي لجنة لمعالجة ظاهرة هجرة العقول السودانية والحد منها، حيث كشفت الحكومة لأول مرة أنها فقدت أكثر من 34% من العاملين في المركز القومي للبحوث خلال النصف الثاني من العام نفسه، وفي ظل عدم وجود حلول ومحفزات ترغّب العلماء في البقاء في أوطانهم سيستمر هذا النزيف إلى أن يجف شريان البحث العلمي ويتوقف عن تغذية قلب الوطن .

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد