صادفت مؤخرًا مقالًا في أحد المواقع الإخبارية الألمانية، جرد فيه صاحبه أهم الدول التي تتسابق في إيجاد لقاح لفيروس كورونا المستجد، وقد ذكر الكاتب عدة دول قال إنها تتوفر على تكنولوجيا طبية متطورة، ما يجعلها بدون منازع الرائدة في هذا المجال، وهذه الدول هي أمريكا والصين واليابان وألمانيا وفرنسا وكندا والهند وأستراليا وإيطاليا وإسرائيل وروسيا.

لم أستغرب صراحة لوجود أي دولة من هذه الدول في القائمة، ولكن ما أثار استغرابي وزاد من حيرتي هو سر عدم وجود أي دولة عربية على القائمة، ولماذا ننتظر دائما لقاحا فعالا يأتينا من هاته الدول كلما استجد بالعالم مرض ما؟ أو لا نستحي من وجود دول ذات إمكانيات محدودة تبذل مجهودًا في هذا المنوال، فيحين نجد دولنا غائبة كليًّا عن هذا المجال، وكأن هذا الأمر لا يعنينا في شيء؟

قادني بحثي في هذا الصدد إلى الأرقام التي أعلنتها المؤسسة الوطنية الأمريكية للعلوم، حول الإنتاج العلمي العالمي سنة 2018 والتي أشارت في تقريرها المذكور إلى تربع الصين على عرش الإنتاج العلمي العالمي من حيث عدد المقالات العلمية المنتجة في السنة الواحدة، متبوعة بالولايات المتحدة والهند ثم دول أخرى كألمانيا واليابان والمملكة المتحدة وروسيا وايطاليا، وليس من باب الصدفة أن تكون هذه الدول هي نفسها التي ذكرها التقرير الصحفي الألماني أعلاه.

في نفس السياق صادفت أثناء بحثي حول هذا الموضوع، بيانات صادرة عن البنك الدولي حول حجم الإنفاق على البحث والتطوير في العالم، فلم أتفاجأ حينما وجدت دولا مثل اليابان وألمانيا والولايات المتحدة تخصص أكثر من 3 بالمائة من ناتجها المحلي الخام للبحث والتطوير، ودولا أخرى من حجم فرنسا والصين وكندا يزيد إنفاقها على البحث والتطوير عن 2 بالمئة من ناتجها المحلي الخام، هذا في الوقت الذي لم يزد فيه متوسط إنفاق الدول العربية على البحث والتطوير حاجز 0.5 بالمئة في سنة 2011، هذا في الوقت الذي يتجاوز فيه نفس المتوسط حاجز 2.2 في منطقة اليورو، وحاجز 2.5 بالمئة في منطقة شرق اسيا والمحيط الهادئ، كما أننا لسنا ببعيدين عن حجم الإنفاق على البحث والتطوير في دول أفريقيا جنوب الصحراء والذي اقترب من 0.5 بالمئة سنة 2007.

صحيح أن هناك دولًا عربية تبذل مجهودات في هذا الصدد مثل المملكة العربية السعودية التي وجهت حسب ذات التقرير 0.8 من ناتجها المحلي سنة 2018 للبحث والتطوير، ودولًا أخرى مثل المغرب والأردن ومصر التي تنفق 0.7 بالمئة من ناتجها المحلي على البحث والتطوير، إلا انه في المقابل نجد دولًا عربية أخرى في ذيل الإنفاق العالمي إذ لا تتجاوز نسبة الإنفاق بها نسبة 0.02 بالمائة وهو رقم مخجل وغير مقبول في زمن المعرفة.

وفي علاقة بالموضوع أشارت إحصائيات صادرة عن البنك الدولي حول الإنفاق على التعليم في العالم، إلى أن دولًا مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة ودول أمريكا الشمالية تنفق حوالي 5 بالمائة من ناتجها المحلي على التعليم، في حين لا يتعدى صافي إنفاق دولة مثل موريتانيا على التعليم 1.9 بالمائة سنة 2019 وهو من أقل المعدلات في العالم.

إن الدول العربية ملزمة أكثر من أي وقت مضى بإيلاء البحث العلمي ما يستحقه من اهتمام، والانفتاح على التجارب الناجحة في هذا المجال، وهذا ما يفرض زيادة العائدات الموجهة للتعليم والبحث العلمي والحد من هجرة الكفاءات العربية إلى الخارج، وتوفير ظروف البحث العلمي المناسبة لها في أوطاننا، فالاستثمار في البحث والتطوير استثمار مستدام يعود بالنفع على الأجيال الحالية والمستقبلية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد