من الواجب الذي يمليه واقع العصر الذي نعيش فيه ولو أننا قد نكون أهل هوامشه لا ساكني صلبه، التذكير وإعادة التذكير بموضوع جوهري هو بالقطع الأمل العربي للخروج من نفق التأخر نحو بداية وضع لبنات نهضة سليمة الأركان. البحث العلمي الذي يطاله ظلم الميزانيات الحكومية السنوية والمهمل بين أسوار الجامعات العربية والغائب في أحلام الشباب التعليمية ورؤيتهم المستقبلية، هو بالقطع أحد مداخل التغيير الحقيقي وأهمها على الإطلاق.

فالسباق الحقيقي الذي يعيشه العالم هو تنافس بالأساس معرفي، يقود الاقتصاد بمنتجات جديدة ويحسم القوة الديبلوماسية بتطبيقاته العسكرية، بل يؤسس حكامة سياسية قائمة على تحليلات علمية للأرقام والإحصاءات وصياغة توقعات مع تحديد إحتمالات انحرافها بدقة. في حين لازالت المنطقة العربية تكتفي باستهلاك المنتج العلمي وتركز كل اهتماماتها على الإصلاح السياسي الذي يمكن تداركه في أي وقت إذا توفرت الظروف والإرادة لذلك، والذي لا قبل له بسد الفراغ العلمي الذي تتسع هوته مع العالم المتقدم كل يوم.

التاريخ الإنساني يعج بصور تدافع الحضارات، ولكنه لم يشهد يومًا نفس الفرق على المستوى المعرفي كما نعيشه اليوم بين مكونات العالم. وهذا ما يفسر تأخر أي عودة لمن تخلف عن الركب، وغياب الأمل في أي توجه نحو البناء إن لم يكن قائمًا على الاستثمار في اقتصاد المعرفة أولًا. من هذا المنطلق، العالم العربي مطالب بالتوجه بكل الجهود وفي سرعة قصوى نحو تطوير وتشجيع البحث العلمي وجعله في قلب الهوية العربية. تحقيق ذلك يتطلب الإرادة وسخاء التمويل الذي يستحقه العلم كونه استثمارًا تنعدم احتمالات خسارته ومخططًا استعجاليًا، وربما تغييرًا دستوريًا يضع البحث العلمي في مقدمة المقدسات الوطنية.

على مستوى العالم، ما يميز البحث العلمي هو توفر الشق المعرفي الأساسي للجميع، فالمقالات العلمية بكل ما تحمله من أفكار تتجدد بشكل مخيف السرعة، متاحة للجميع. ومشاريع التعاون العلمي يفرضها المضمون لا الهوية أو المكان. كما باتت النجاحات الصناعية قائمة بالأساس على تطبيقات مباشرة لأفكار منتجها البحث العلمي. وهذه العلاقة بين الصناعي والعلمي تضمن للبحث الجامعي سبل تمويل هائلة يتسابق القطاع الخاص على الظفر بشراكاته قصد التملك الضمني للمنتج الفكري وبراءات الاختراعات.

الاستثمار في المعرفة لا يعني استقطاب جامعات كبرى غالبًا ما تجد في المنطقة العربية موردًا لأرباح تدرها شهاداتها فقط، بل يتم على الأقل بفرض إنتاج علمي عليها، فلا يعقل أن يظل دكاترة الجامعة العربية طاقة تدريس دون إنتاج علمي، هم مطالبون بتجديد المضمون حتى يتماشى مع متطلبات العصر وواقع سوق العمل، وهذا يجعل غياب بحث علمي حقيقي أساس أزمة التباعد بين مضمون التكوين وانتظارات الشركات الكبرى في المنطقة العربية.

البحث العلمي ورفيقه التعليم العالي قطاع ينتمي لفئة المهن القائمة على الموهبة وتنميتها، وهو تمامًا ككرة القدم مثلًا، بطولاته الكبرى تبنى على قدرة الجامعات على استقطاب أهم العلماء، وحجم الأهداف تترجمه كمية المقالات العلمية وعدد براءات الاختراع، وهو يحمل في تفاصيله قطاعًا إنتاجيًا حقيقيًا عصبه المجهود الفكري، أنبل منتج إنساني، يجب أن يتقدم طموحات الطلاب العرب ويثير اهتمامهم. وهنا وجب التركيز بالخصوص على الشقّ التجريبي للعلوم لقدرته على فرض استقلاليته عن الأوضاع المجتمعية والسياسة من حيث المنتج، دون إهمال العلوم الإنسانية التي يوكل على عاتقها ترميم أيديولوجيات المجتمع على المستوى المتوسط.

العقول التي حولت مناطق عربية صحراوية إلى جنان وصرح إبداعي حقيقي عمرانًا وشكلًا، قادرة على أن تصبح منارة عربية علمية، تحتوي كل العقول والمبدعين العرب، وتعيد صناعة المجد العلمي العربي الذي سقط مع غرناطة عربيًا، ومع العثمانيين إسلاميًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد