من الغريب أن لا أحد –من المقدّسين للعلوم- تستثيره هذه المعضلة الجديدة

رحلة الشك العلمي في التصور العلمي للكون والوجود قادتنا إلى الشك في وجود الفراغ الكوني، وقلنا إن ذلك قد يفتح باب التشكيك بحشد من الإجابات العلمية للأسئلة المصيرية، وقد يؤدي إلى انهيار ذلك التصور العلمي الذي يرى أن الأرض كُرة تائهة في بحر من الفراغ الفسيح، وحصل صدفة أن أحاط بها هذا الغلاف الجوي الذي نحس به.

وكنا قد أبرزنا في المقال السابق المعضلة العلمية التي دارت حول سؤال: ما الذي يحجب الغلاف الجوي عن التدفق للفراغ استجابة لقوانين ميكانيكا الموائع؟ وهنا نكمل الموضوع بسؤال هندسي آخر: لماذا لم تنتشر غازات الأرض نحو الفراغ الكوني حسب قانون الانتشار (diffusion) الذي تقرره الديناميكا الحرارية وانتقال المادة؟

قبل الإجابة، نذكّر أن الغلاف الجوي حسب التصور العلمي[i] (ليس متجانسًا فيزيائيًا بل ينطوي على تباين بالغ في درجة الحرارة والضغط بالنسبة للارتفاع)، وثمة طبقات متباينة تشمل طبقة التروبوسفير حتى مسافة 12 كم عن سطح الأرض، ثم بعدها طبقة الستراتوسفير حتى مسافة 50 كم، ثم تليها طبقتا الميزوسفير، وطبقة الثيرموسفير. وبعد ذلك يكون الفراغ!

وحيث إن المكوّنات الغازية والكثافة تختلف عبر هذه الطبقات وفي الفراغ، فإن علم الديناميكا الحرارية -للغازات متعددة المكونات مثل الهواء- يُفضي إلى وجوب انتشار تلك الغازات من مناطق التركيز الأعلى إلى مناطق التركيز الأقل، ثم انتشاره نحو الفراغ (حيث يكون التركيز صفرا)… ومن الغريب أن لا أحد –من المقدّسين للعلوم- تستثيره هذه المعضلة الجديدة!

وتفسير العلم لذلك الانتقال أن الجزئيات في الغلاف الجوي تتحرك بعشوائية في كل الاتجاهات نتيجة طاقتها الحركية، وتتصادم فيما بينها. وتلك الحركة هي حركة داخلية لا تنتج حركة في المائع ككل، بل إن حركة الجزئيات تلك موجودة حتى في الغاز الساكن المحصور ضمن إناء مغلق. ومن ثم تقود الاحتمالية الإحصائية لحركة الجزئيات إلى محصّلة انتقالها الانتقائي أو انتشارها (Diffusion) من مناطق التركيز الأعلى إلى مناطق التركيز الأقل. وتحليل هذا الانتشار يجري حسب قوانين انتقال المادة (mass transfer) لا قوانين ميكانيكا الموائع.

لذلك فلو صح التصور العلمي للفراغ الكوني، لتوجب -حسب قانون الانتشار هذا- الانتقالُ الانتقائي الدائم للغازات (مثل النيتروجين المكون الأكبر للهواء) من المناطق الأعلى تركيزًا إلى المناطق الأقل تركيزًا، في عملية مستمرة حتى يحدث التعادل في التركيز لكل مُكون للهواء: وإذا كان الكون المحيط بالأرض فسيحًا وفارغًا (أي أن تركيز النتروجين فيه يساوي صفرًا)، فإن الغازات يجب أن تنتشر من الغلاف الجوي إلى الفراغ المحيط بها، ثم تتبدد. وظاهرة الانتشار الانتقائي هذه مشاهدة محسوسة فيما يحيط بالإنسان، حيث إن جزئيات العطور تنتشر في هواء الغرفة الساكن، وكذلك البخور، دون تدفق كتلي للهواء.

وهذه الآلية لتهريب الغازات -حسب فرق التركيز- تختلف عن تهريب الغلاف الجوي بالتدفق الكتلي -الناتج عن فرق الضغط التي ذكرناها في المقال السابق- من حيث القوانين الحاكمة… وإن كان ثمة تشابه في الآليات على المستوى الدقيق (analogy)، إلا أن المائع يمكن أن يحصل فيه انتشار انتقائي رغم أنه ساكن ككتلة، ويمكن أن يتدفق ككتلة مع أنه لا يحدث فيه انتشار انتقائي داخلي، وذلك كله حسب توفر ونوع القوى الدافعة: إحداهما أو كليهما (فرق الضغط وفرق التركيز)… وفي حالة الغلاف الجوي، فإن الآليتين معًا (التدفق الكتلي والانتشار)، يجب أن تفرضا على غازات الغلاف الجوي التدفق نحو الفراغ؟!

وقد برز مؤخرًا في ديسمبر (كانون الأول) 2017 حديث علمي عن هروب الغازات الخفيفة من الغلاف الجوي نحو الفضاء، ونقلت «روسيا اليوم» عن العالمة أنجالي تريباثي، من مركز هارفارد سميثونيان للفيزياء الفلكية أنه «كل دقيقة يهرب حوالي 181 كيلوغراما من الهيدروجين ونحو ثلاثة كيلوجرامات من الهيليوم من الغلاف الجوي للأرض إلى الفضاء الخارجي»، ووصفت هذه العملية بهروب الغلاف الجوي، واعتبرت العالمة أن هذا الهروب يُمكن أن يؤدي يومًا ما إلى نهاية الحياة على كوكبنا[ii].

وفي السياق ذاته، نشر موقع «ناسا بالعربي» موضوعًا علميًّا حديثًا ذا صلة أكتوبر (تشرين الأول) 2016، جاء فيه: «اكتشف باحثون أن الأكسجين يرشح ببطء شديد خارج الغلاف الجوي للأرض، وهم ليسوا متأكدين من السبب حتى الآن، لكن لا داعي للذعر!»[iii].

وقد ذكرتُ في المقال السابق قيامي بالتواصل العلمي مع موقع (ناسا بالعربي)، حيث كتبت لهم بتاريخ 9 يونيو (حزيران) 2018: أبحث لماذا لا يتدفق الغلاف الجوي نحو الفراغ الكوني مستندا إلى أسس ميكانيكا الموائع، فردّ الموقع في 23 يونيو 2018، «تم نقل رسالتك للإدارة وسيتم الرد في اقرب فرصة ممكنة»، ثم في3 يوليو (تموز) 2018 تلقيت منهم اعتذارًا عن التأخر بالرد، مع توضيح: «سنزودك بروابط بعض المقالات ونأمل أن تكون ذات نفع»… ثم أرسلوا 14 مقالًا لا يتناول أيّ منها السؤال، وإنما كل واحد منها يتحدث عن فكرة (علمية) من التي يظنّ المُجيب أنها يمكن أن تكون ذات صلة بالموضوع، من مثل «الزمكان» وكونه مشابهًا للمائع، والمادة المضادة، وبلازما الغلوون-الكوارك، والموائع المغناطيسية، والبلازما والغلاف المغناطيسي والغلاف الأيوني للأرض، وموجات ألفن الحركية، وأن الفضاء يحتوي على فقاعات غامضة من البلازما، وأنها كتل من المادة المظلمة… إلخ.

إن ما أرسلته لي إدارة (ناسا بالعربي) من موضوعات –ردودًا- هي عينات من الموضوعات ذات الصبغة التعقيدية، التي تتميز بها العلوم الزائفة التي بيّناها في مقال سابق، مثل التصديق بوجود الزمكان، والمادة المضادة، والمادة المظلمة. وهذا نموذج من الهالة (التعقيدية) التي يحرس بها العلماء تصوراتهم الهشة من الدحض عبر التفكير السليم بالمحسوسات.

وبغض النظر، فإن تلك المقالات المرسلة من «ناسا بالعربي»، تبتعد عن سياق طرح السؤال، لذلك رددت عليهم في 5 يوليو 2018، شاكرًا إرسال المقالات، وعلّقت أنها لا تجيب عن السؤال ولا تربطه به، وأنها تطرح تصورات علمية مبنية على فرضيات، أما حقيقة تدفّق الموائع فمبينة على المحسوسات… وذكرت لهم أنني وجدت أن ثمة من يطرح تفسير الجاذبية، وأني اعتبره سطحيًّا، لأن الهواء ليس كتلة متماسكة أو محصورة ضمن إناء، وختمت بالقول : «لذلك أرى أن السؤال جاد في تصور مشهد الكون… والجواب غائب». ثم استأذنتهم بالإشارة إلى طبيعة ردهم ضمن سلسلة مقالاتي، فردوا في نفس اليوم، بما يشبه الرد الأوتوماتيكي، بدعوتي للبحث في موقعهم. ولكنهم عادوا لاحقًا فكتبوا لي: يُرجعون الأمر إلى فكرة الجاذبية، وتحدثوا عن سرعة الإفلات من الجاذبية (escape velocity).

وإذا ادّعى البعض بوجود تأثير للجاذبية على التدفق الكتلي (موضوع المقال السابق)، فلا أحد في العلم يدّعي أن لها تأثيرًا في قانون الانتشار موضوع هذا المقال، ولذلك فإنّي أرى أن العلماء يهربُون من التعاطي مع هذا السؤال الكوني الجاد، وهو سؤال يتحدى تصور العلم للكون، وقد ينسفه.

وقد أقّرت إدارة (ناسا بالعربي) أن جزءًا من الغازات يهرب إلى الفضاء، مثل الهيدروجين، ولكنهم اعتبروه يسيرا… وأكّدوا أن ذلك يرجع لحجم الأرض. ومن الغريب عندي أن إجابتهم قد تحولت هنا عن الاتجاهات التي تضمنتها المقالات الأربعة عشرة الأولى (فيما عدا موضوع الغلاف المغناطيسي)! ومن الأكيد عندي أن الإجابة لا تردّ على المعضلة التي تطرحها قوانين ميكانيكا الموائع، ولا تلك التي تطرحها قوانين انتقال المادة.

وها أنا ذا أضع التناقضات بين يديّ القارئ (وبين أيدي المهندسين الذين يدرسون تلك العلوم الهندسية)، ولكل مفكّر حقّ تحديد مستوى القناعة بذلك التصور العلمي.

ومرة أخرى أتساءل: لماذا لا نلاحظ أن المهندسين وحملة الدكتوراه بل وأساتذة العلوم الهندسية لا يطرحون مثل هذه الأسئلة الجوهرية بل المصيرية ولا يمارسون التفكير الناقد للتحقق من صحة المشهد العلمي لواقع الكون والفضاء وتأمّل سياق السماء في الكتب السماوية! ومن الأشد الغرابة أن بعضهم صار يستبيح تأويل الآيات القرآنية –وحرفها عن ظاهرها- لتتلاقى مع تلك الأطروحات العلمية، وكأنّ العلم عندهم حَكَم على القرآن!

ونختم بدعوة علمية متجددة لعدم تغييب تلك التساؤلات العلمية الجادة، وعدم الإصرار على العيش داخل ذلك الصندوق أو التسليم بالرواية العلمية الغربية أو الخضوع أو التقزّم العلمي أمام الغرب!

وحتى يجيب العلم عن هذه المعضلة خارج تفسير الجاذبية الهشّ، فإن الشك بصحة مشهد الفراغ الكوني يبقى قائمًا على قوانين علمية، ويتبعه الشك بكل رواية علمية متفرعة عن ذلك المشهد الفراغي في تفسير الوجود، ثم بالصور الزرقاء للأرض الملتقطة من الفراغ الموهوم… وهنا نجدّد التأكيد على الطمأنينة العقدية عند تدبر قول الله تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ)، (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا)، موقنين بعلم الله الذي لا تعلو عليه علوم البشر، وندعو لفهم علم السماوات والأرض في تأصيل النبييّن، ولو ناقد علم الفراغ الكوني في تأصيل الملحدين.

وللموضوع بقية…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد