إن أول كلمة نزلت على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هي كلمة اقرأ، مفادها أن طلب العلم هو شرط من شروط عبادة الله ومفتاح من مفاتح التوحيد، ولأن العلم والإسلام وجهان لعملة واحدة فمن المستحيل أن يعبد الله جهلًا.

إن الاعتراف بوجودية الله تستلزم بحثًا معمقًا في جميع الميادين انطلاقًا من دراسة ابتدائية إلى ما يمكن أن يقطع باليقين ويشبع شهوة الفضول. وبهذا يمكن أن يُعرَّف العالِم بالعبد الموحد بالله، مُدريًا بآياته وصفاته، وإذ كلما درس وبحث وارتفعت حصيلته العلمي إلاّ وخرّ ساجدًا مغلوبًا ومعترفًا بفقره المعرفي، ومتيقنًا بأن لهذا الكون خالقًا.

أ-)علماء آمنوا بوجودية الله

الاعتراف بوحدانية الله لا تقتصر على المسلمين فقط، بل نجد بين ملفات التاريخ علماء عجم أشهدوا أن لهذا الكون مهندس مبدع ومن بينهم:

1- يوهانس كيبلر

عُرِف كيبلر بقوانينه الثلاثة الهامة بحركة الكواكب حول الشمس واهتم بالرياضيات والفيزياء وتوصل إلى اختراع طلمبة لإخراج الماء كما أن له مؤلفات علمية مهمة، إلاّ أنه كانت لديه خلفية دينية، حيث أكد أن القوانين الطبيعية ما هي إلاّ معطيات شاركها الله معنا من أجل التعرف عليه، ثم صرح قائلًا: ما أعظم الله! قوته عظيمة وحكمته لا نهائية! يا سماء ويا شمس ويا قمر ويا نجوم، امدحوه باللغة التي أعطيت لكم. ربي وخالقي! أود أن أعلن روعة عملك للناس بقدر ما يمكن لعقلي المحدود أن يفهمها.

2- إسحاق نيوتن

فتى التفاحة وصاحب النظرية الجاذبية، آمن بالربوبية كما أنه نكر عبادة المسيح كإله ولم يكن ثالوثيًا وصرح قائلًا: ما نعرفه هو قطرة، ما نتجاهله هو المحيط. إن وجود الأنظمة لا مثالية لها وانسجامها في الكون، دليل على خطط لكائن أزلي موهوب بالحكمة والقوة.

ولم يصرح نيوتن عن اعتقاده الديني بشكل مباشر إلا أنه تمكن من رؤية الله علميا وأضاف أن القوانين التي يمكن اكتشافها عن طريق الملاحظة وصياغتها رياضيًا تُمكِن للعقل البشري من خلال إتقانها أن يفسر الأحداث الكونية التي نُسبت سابقًا إلى التدخل الإلهي، وأن جمال الأنظمة وتنوعها، وفقًا لنيوتن، أدلة دامغة صُمِّمَت ونتجت من طرف خالق ذكي وقوي.

3- أندريه ماري أمبير

مؤسس القوانين الأساسية للتيارات الكهربائية، وقد كانت له أيضًا وجهة نظر قائلًا: ما أعظم الله! ما أعظم الله وإنّ معرفتنا لا تساوي شيئًا!

4- كارل لودفيج شلايش

جراح وكاتب ألماني عُرف بمساهمته في التخدير السريري، كما أنه فيلسوفً وشاعر ورسام موهوب.

اعترف بدوره بوجودية الله لدرجة أنه لُقِب بعدو العلم وقد عبر في مذكراته سنة (1920): بطريقتي الخاصة وبفضل عملي تحت المجهر والتأمل في الطبيعة، أصبحتُ مؤمنًا وأتطلع إلى القيام ما بوسعي للمساهمة في اتحاد العلم والدين. يجب على أي شخص أن يتعرف على الطبيعة… هناك الكثير من المعجزات وإحدى مهام العلم هي أن يبين أن الأشياء البسيطة تحتوي على سلسلة من الوحي والأسرار المذهلة.

وأضاف أيضًا: إنني معجب بكل المهندسين، وخاصة أعظمهم: الله.

5- غولييلمو ماركوني

كان للمخترع الإيطالي رأي يؤيد فيه وجودية الله قائلًا: أقولها بكل فخر: أنا مؤمن. أنا أؤمن بقوة الصلاة، ليس فقط كمسيحي، ولكن أيضًا كعالم.

6- ألبرت أينشتاين

كان العالم الفيزيائي يميل إلى واحِدِيّة الإله اللاشخصي وفقًا لفلسفة باروخ سبينوزا، لكنه لم يؤمن بإله شخصي يهتم بمصير وأعمال البشر والأهم من ذلك أنه أوضح قائلًا: لست ملحدًا مفضلًا أن يطلق على نفسه لا أدريا، أي أن القيم الحقيقية للقضايا الدينية أو الغيبية غير محددة ولا يمكن لأحد تحديدها وعندما سئل عما إذا كان يعتقد في الحياة الآخرة أجاب أينشتاين، لا. وحياة واحدة تكفيني.

ثم أضاف يصبح أي شخص منخرط بجدية في العلم مقتنعا بأن الروح تتجلى في قوانين الكون – وهي روح تفوق بلا حدود روح الإنسان، تجعلنا نحس بالتواضع بقوتنا الفقيرة.

ومن هنا نستنج أن هناك فئة من العلماء استطاعوا معرفة الله والاعتراف بوجوديته، لكن في المقابل نجد علماء لم يعترفوا به وأعمى العلم بصيرتهم فأضحوا شعرات تتهافت بها الطوائف الملحدة.

ب)-علماء عبدوا العلم من دون الله

1- ستيفن هوكينج

في عام 2010، كشف ستيفن هوكينج عن إلحاده في كتاب The Grand Design (شارك في كتابته زميله ليونارد ملودينو) والذي نشر في عام 2011 في فرنسا تحت عنوان هل هناك مهندس معماري عظيم؟

كتب:

نظرًا لوجود قوانين مثل الجاذبية، يجب للكون أن يخلق من لا شيء. […] الخلق التلقائي هو سبب وجود شيء بدلًا عن لا شيء، لماذا الكون موجود، لماذا نحن موجودون، ليست هناك حاجة لاستدعاء الله للضغط على زر تشغيل وبدء الكون.

2- سيغموند فرويد

الدين لدى فرويد وهم. هذا لا يعني بالنسبة له كِذبة، لكنه يطيع منطق الرغبة وليس منطق الحقيقة. وأوضح قائلًا: السكرتير الصغير الذي يحلم بالزواج من الرئيس الكبير عالق في الوهم، حتى لو كان من الممكن أن يحدث بشكل استثنائي بأن يتزوج الرئيس من موظف صغير. إن مشكلة الرغبة الدينية ليست إلى حد ما أنها لا تتحقق، ولكنها ترفض معايير الحقيقة لصالح معتقد جماعي يرضي الرغبة.

3- دكتور جيمس ديوي واتسون

تمكنت وسائل الإعلام من التقاط لقطات لواتسون خلال زيارته الاستثنائية لغرفة بائع السمك، وبجواره عمل سلفادور دالي بعنوان الحمض النووي. وقد أكد هذا الاكتشاف، وفقًا لدالي، وجود الله، بينما أظهر واتسون عكس ذلك تمامًا.

4- تشارلز داروين

يعتبر تشارلز داروين واحدًا من أعظم العلماء إلاْ أنه عارضه الكثيرون خاصة رجال الدين، لكن موقفه من وجود الله يبدو غامضًا، حيث كتب في رسالة عام 1860 إلى كراي حول نظرية التحول:

فيما يتعلق بالرأي اللاهوتي للمسألة، فهو دائمًا شيء مؤلم بالنسبة لي. أنا في حيرة. لم يكن لدي أي نية للكتابة إلحادية. لكن، أعترف بأنني لا أستطيع أن أرى بوضوح مثل الآخرين، وكما أود أن أفعل، دليل التصميم الذكي واللطف في كل ما يحيط بنا. […] من ناحية أخرى، لا يمكنني أن أكون راضيًا لرؤية هذا الكون الرائع، وخاصة الطبيعة البشرية، واستنتاج أن كل شيء هو نتيجة القوة الغاشمة. […] يؤلمني أن أقول إنه للأسف لا يمكنني أن أذهب إلى أبعد ما تستطيع فيما يتعلق بالتصميم الذكي. إنني أدرك أنني في ارتباك يائس تمامًا. لا أعتقد أن العالم، كما نراه، هو نتيجة صدفة. ومع ذلك، لا يمكنني النظر إلى كل شيء منفصل كنتيجة للتصميم الذكي. […] مرة أخرى، سأظل وسأبقى في حيرة من اليأس.

وفي أيامه الأخيرة أوضح كالآتي: لم أنكر أبدًا وجود الله. أعتقد أن نظرية التطور تتوافق تمامًا مع الإيمان بالله. من المستحيل تصور وإثبات أن الكون الرائع رائع بلا حدود، مثل الإنسان، هو نتيجة الصدفة. ويبدو لي هذه الاستحالة أفضل دليل على وجود الله.

ج-)هذا سبب تفرقتهم

كانت هذه بعض آراء العلماء الملحدين لفكرة وجودية الله، لكن السؤال الذي يحيرنا الآن لم هذه الازدواجية وكلهم علماء شهد عنهم التاريخ بإنجازاتهم المهمة في سبيل العلم والتطور، كما لا ننكر بتاتًا قدراتهم الذهنية في قوة الملاحظة والتصور وإدارة المعلومات، فكيف لهم أن يفترقوا في هذه النقطة؟

لا ننسى أن جلهم تلقوا تربية دينية في صغرهم وهذا له تأثير كبير أولًا على مستوى مسارهم الدراسي ثانيًا في طريقة تحليلهم للمظاهر الطبيعية؛ إذ هناك دائمًا خلفية ربوبية في دراستهم، فكان منهم من آمن واعترف بوجودية الله تأكيدًا لما تلقاه في صغره وهناك من رفض ذلك.

و يزعم هذا الأخير أنهم كشفوا عن حقيقة طمع الكنائس وأكاذيب لبعض رجال الدين اللذين عُرفوا بالفساد في ذلك الوقت. فوجدوا من العلم ملاذًا آمنًا للتفكر الحر متحررًا من كل قيود الفقه والزندقة ومبنيًا على المنطق والتجارب، إلى أن أصبحوا، بغير وعيهم، عابدين للعلم. فغالبًا لن تستطيع هذه الفئة أن تستمتع بجمال الطبيعة بمنظور تأملي روحاني وإنما تعيش كآلة تعبد الموضوعية… تعبد العلم.

وهناك فئة من العلماء الملحدين وسوست لهم أنفسهم واستكبروا وأبوْا أن يعترفوا برئيس يحكمهم فصرحوا الكل شيء من لا شيء. عبارة تريح نفسيتهم وتُرَوِضُ عقلهم على التفكير الرياضي المحض، ولكن لا شك أنهم علموا بقوة الله وبهندسته وبعظمته إلا أنهم استكبروا استكبارًا، استشهادًا لقول الله عز وجل وأتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين من سورة الحجر وفي آية أخرى من سورة الأعراف سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا.

واختصارًا لما أكده أينشتاين: العلم بلا دين أعرج، والدين بدون علم أعمى يؤكد لنا أن الكون كتاب أمرنا الله بقراءته اقرأ إن قرأناه دون معرفة صاحبه جهلنا قيمة الكتاب وإن عرفنا صاحبه من دون قراءة الكتاب نكون قد أسأنا عبادته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الله, علماء
عرض التعليقات
تحميل المزيد