أحدث اعتقال العالم الجليل والمجاهد الكبير الدكتور سفر الحوالي ضجةً كبيرةً بين شريحة واسعة من المسلمين، وخاصةً الشباب الذين ملوا خنوع مشايخ السلاطين وخضوعهم وخيانتهم، وتاقت نفوسهم لرؤية أولئك الأبطال الحقيقيين الذين سبقت أفعالهم أقوالهم، تاقت نفوسهم لرؤية من يقف في وجه الظالم ويرده عن ظلمه، ويصدع بالحق في وجهه، فلطالما حاول المجرمون أن يرسخوا في عقول الكثيرين من أبناء هذه الأمة، أن دور العلماء مقتصر فقط على الوعظ والخطب الرنانة، وفتاوى الشاشات، ودروس العلم وحسب، ولكن يأبى الله إلا أن يخرج جيل يرفض هذه النظرة المبتورة إلى العلماء، جيل يدرك جيدًا أن دور العلماء أكبر وأعمق من ذلك بكثير؛ فهم البوّصلة التي تحدد الطريق الصحيح للأمة عندما تضل الطريق، هم القادة الحقيقيون الذين يتقدمون الصفوف، ويقودون العامة، ويواجهون المخاطر ويتصدون للظالمين، وقد أقام الله الحجة على الخانعين والخاضعين والمتنطعين بهؤلاء الأبطال الذين سطرهم التاريخ في صفحاته، وسطر مواقفهم في نصرة الدين ومواجهة الباطل، ومن هؤلاء العلماء الحقيقيين الذين أنقذ الله بهم الدين وانتصرت بمواقفهم الأمة في محطات فاصلة عبر تاريخها:

الإمام أبو حنيفة:

إمام الفقه، وأشد العلماء على الظالمين، مواقفه في نصرة الأمة وردع الظالمين لا تحصى، ومن مواقفه العظيمة في أواخر حكم الدولة الأموية، دب في الدولة الضعف وتولى قيادتها ثلة من الضعفاء، وفي سنة 130 هجريًّا أرسل يزيد بن أبي هبيرة والي البصرة، وكان ابن هبيرة ظالمًا، إلى الإمام أبي حنيفة يطلب منه تولي القضاء؛ فقابل أبو حنيفة القرار بالرفض التام، حتى لا يكون عونًا لظالم؛ فأرسل إليه ابن هبيرة يتوعده بالعقاب الشديد، فرد عليه أبو حنيفة قائلًا: «والله لضربة بالصوت في الدنيا أسهل علي من مقامع الحديد في الآخرة، لن أفعل ما تريد ولو قتلتني». وبعد سقوط الدولة الأموية ومجيء العباسيين، لم يتغير موقف الإمام في مواجهة الجور والطغيان، بل وقف أيضًا في وجه من تجاوز من بني العباس، وأفتى بالخروج على من ظلم منهم، وأفتى بقتاله ودعم ثورة النفس الذكية.

 

الإمام البخاري:

الإمام الفقيه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري، الذي سطر التاريخ موقفه يوم ملاذ كرد رمضان 463 هجريًّا، عندما اجتمعت جحافل الروم للقضاء على دولة الإسلام، والتي كانت متمثلة آنذاك في دولة السلاجقة، وعندما رأى ألب أرسلان قائد الجيش المسلم قوات الروم التي كانت أضعاف المسلمين، اهتز من شدة الموقف وهوله، فتقدم إليه البخاري -رحمه الله- وقال له: اطمئن أيها السلطان، إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره، فلا تقلق، وبالفعل وقعت المعركة الرهيبة، وكان الشيخ في مقدمة الصفوف، وانتهت بانتصار ساحق للمسلمين.

 

تقي الدين «ابن تيمية»:

وما أدراكم ما ابن تيمية، شيخ الإسلام وحجته، عالم ومجاهد، مواقفه أعظم من أن تسعها مئات الكتب، يكفي أن أذكر منها عندما تعرضت الأمة للموجة الثانية من الهجمات التتارية، وهجم التتار والنصارى على بلاد الإسلام، وبدأوا بالشام، انطلق الشيخ إلى بلاد الإسلام المختلفة يدعو الناس للجهاد، ويحثهم على إنقاذ الأمة من خطر التتار، وكان يبيت مع الجنود يحمسهم للجهاد، ويقول لهم والله لننتصرن عليهم، فيقولون له يا إمام قل إن شاء الله، فيقول لهم إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، وكان للشيخ الفضل الكبير في قهر فلول التتار في معركة شقحب 700 هجريًّا، بل إن الشيخ قاد الصفوف بنفسه، وكان يسأل عن أكثر المواقع خطورة أثناء المعركة ليذهب إليها وينال الشهادة.

 

الشيخ أبو بكر النابلسي:

قاهر الشيعة، العالم الذي أذل الدولة العبيدية الشيعية بعد دخول الفاطميين مصر وقضائهم على الدولة الإخشيدية، جاء المعز لدين الله الفاطمي، ونقل عاصمة الفاطميين من المغرب إلى مصر، وكان أول ما قام به العبيديون في مصر العمل على اعتناق المصريين المذهب الشيعي، وبدأوا بالعلماء؛ لأنهم رأس الأمة، واستطاعوا أن يخضعوا الكثيرين، إلا أنهم وقفوا عاجزين أمام الإمام النابلسي، الذي رفض دعوتهم، وحرض الناس ضدهم، فقبضوا عليه، وقدموه أمام المعز الذي سأله: «بلغني أنك قلت لو أن معك 10 أسهم لترمين الروم بواحد، وترمينا بتسع، فقال الإمام: والله ما قلت ذلك، ولكني قلت لو أن معي 10 أسهم لأرمينكم بهم جميعًا»، فاشتد غيظ المعز، وأمر بسلخ الشيخ حيًّا، وجاء جزار يهودي ليسلخ الشيخ، والشيخ ثابت لا يهتز، حتى رق قلب الجزار فطعنه وقتله.

 

أحمد بن حنبل:

قاهر الفتن، ورادع المبتدعين، إمام المحنة الذي تكلم وثبت ولم يترخص، في الوقت الذي سكت فيه معظم أقرانه العلماء، الذي تعرض لشتى أنواع العذاب، ولم يتزعزع، عندما ظهرت فتنة خلق القرآن، وبدأ المأمون والمعتصم بتحريض من المجرم أحمد بن أبي دؤاد يختبرون الناس في أن القرآن مخلوق، قال من قال، وسكت من سكت، ولكن أحمدًا بن حنبل أعلنها مدوية أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وكان موقفه هذا سببًا في إنقاذ الأمة من فتنة عظيمة كادت أن تقضي عليها.

 

العز بن عبد السلام:

سلطان العلماء، وبائع المماليك، وهازم التتار، وهو عالم من طراز فريد عاش في الشام، وعندما رأى تخاذلًا من حاكمها في مواجهة الصليبيين، هاجمه هجومًا شديدًا، وبعد أن جاء إلى مصر طريدًا لم يترخص، ولم يهادن، بل هاجم حكام مصر عندما رأى فيهم تقصيرًا في إقامة شرع الله، ويأتي أعظم دور للشيخ عندما هجمت جحافل التتار على الشام ومصر، وحينها طالب معظم العلماء في ذلك الوقت بالاستسلام؛ لأنه لا جدوى من مواجهة التتار، ولكن الشيخ وقف كالأسد يحمس الناس، ويحثهم على الجهاد، حتى استطاع المسلمون بقيادة قطز أن يحققوا نصرًا عظيمًا في معركة عين جالوت الأسطورية، بفضل الله أولًا، ثم جهود هذا العالم الجليل.

 

آق شمس الدين:

العالم والمعلّم والمجاهد، هذا الرجل الذي ربى محمد الفاتح صاحب البشارة، وفاتح القسطنطينية. يعد الشيخ آق شمس الدين من أعظم علماء الدولة العثمانية، ويعده المؤرخون الفاتح المعنوي للقسطنطينية، فدائمًا ما كان يحمّس تلميذه ويشجّعه لفتحها. وقد كانت له -رحمه الله- مواقف عظيمة في التربية والجهاد والعلم، ويكفي أن نذكر موقفه يوم القسطنطينية، عندما حاصر المسلمون القسطنطينية ولم يستطيعوا دخولها؛ فضاقت الدنيا بالسلطان محمد الفاتح، الذي أخذ يبحث عن شيخه ليشكو له صعوبة الفتح، فإذا به يجد الشيخ آق شمس الدين ساجدًا يبكي يتذلّل لله بأن ينصر المسلمين، وقد سقطت عمامته من على رأسه؛ فاستبشر محمد الفاتح وعاد إلى جيشه، فإذا بالأخبار تأتيه بأن المسلمين قد استطاعوا اختراق أحد ثغور القسطنطينية، فكبّر السلطان وقال: والله إن فرحتي بوجود آق شمس الدين في جيش المسلمين أعظم من أي فرحة أخرى، فبأمثاله يتنزل نصر السماء.

 

الخضر حسين:

عالم جليل، وصوت من أصوات الحق المدوية، التي لم يستطع أعداء الإسلام إخراسه، ولد الشيخ الخضر في تونس 1876، وتربى تربية إسلامية صحيحة، ثم انتقل إلى الشام بعد سقوط تونس في يد الاحتلال الفرنسي والحكم عليه بالإعدام، ثم انتقل إلى مصر وعلا شأنه حتى تولى مشيخة الأزهر في أوائل 1950، ومن ومواقف الشيخ لا تعد، ومنها بعد قيام ثورة يوليو أرادوا تعديل الدستور ومساواة المرأة بالرجل؛ فثار الشيخ ثورة عظيمة وقال: إن لم يتم التراجع عن القرار سأرتدي الكفن وأنزل الشارع، وبالفعل عدلوا عن القرار. كما كان له أيضًا -رحمه الله- دور عظيم في نهضة الأزهر، وقد استقال من منصبه عندما أصر النظام على ضم القضاء الشرعي والقضاء الأهلي، وكان دائمًا يقول: إذا لم يزدد الأزهر تقدمًا على يدي فعلى الأقل لا ينقص.

 

هؤلاء هم العلماء بحق، عَلِموا وعملوا، فكانوا عزًّا لدينهم، ورفعة لأمتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تاريخ

المصادر

إحياء علوم الدين، الغزالي.
تاريخ الطبري.
أخلاق العلماء، محمد بن حسين الآجري.
بين الحكام والعلماء، عبد العزيز البدري.
عرض التعليقات
تحميل المزيد