ما وراء الطبيعة بين الفلسفة والعلم

إلى عهد قريب كانت الكلمة الأولى في ما وراء الطبيعة للفلسفة، وإن كان للعلماء مشاركة في هذا الفرع من الفلسفة، فهي في باب الاختيارات الفلسلفية أدخل منها في باب الآراء العلمية.

ولم تكن الميتافزيقيا يومًا ما موضوعا للعلم فلا سبيل له إليها، ذلك أن العلم كما عرفة أينشتاين: (التفكير المنهجي الذي نوجهة نحو اكتشاف الارتباطات التي تنتظم وفقًا لها مختلف تجاربنا الحسية) (1).

فليس ينتظر من العلم أن يقول شيئًا فيما وراء الظواهر من حقيقة طبيعة الاشياء النهائية، يقول الفيلسوف هربرت سبنسر: (عندما نحلل المادة لا نجد شيئًا في النهاية سوى القوة، ومن سيخبرنا ما هي القوة؟ وفي التحول من العلوم الطبيعية إلى علم النفس نأتي إلى العقل والشعور، وهنا نصادف ألغازًا أشد حيرة من سابقتها، عندئذ تكون الآراء العلمية النهائية تقديمًا لحقائق لا يمكن إدراكها، فإن البحث العلمي في جميع الاتجاهات ينتهي في مواجهة الغاز وأحاجي لا يمكن حلها، فالعلم يعرف بسرعة مدى عظمة وتفاهة العقل الإنساني) (2).

ونحن نعلم أن سبنسر يعمم هذة النتيجة على العلم والفلسفة (العقل) فهو يرى أن العقل البشري، سواء توسل بالمنهج العلمي أم لم يفعل قد اُعد ليفهم ظواهر الأشياء وعندما نحاول استخدام العقل في فهم ما وراء الظواهر، فإنما نزج أنفسنا في عبث لا طائل تحته، ولكننا نختلف معة في التسوية بين قدرة الفلسفة والعلم في اكتناة حقائق المجهول؛ لأنه ثمة محددات في طبيعة العلم تجعلة قاصرًا عن معالجة ما وراء الظاهر من حقيقة على خلاف الفلسفة فليست تخضع لرقابة الاختبار.

فلا يصح أن تكون الفلسفة خادمة للعلم، وإن صح هذا وقفنا عند الظواهر أبدًا، وحرمنا من مطالعة الحقائق الكامنة وراءها، إنما يصح أن يكون العلم تابعًا للفلسفة ووسيلة من وسائلها إلى مطالعة المجهول.

أينشتاين وستيفن هوكينغ نموذجًا

بعد الفتوحات الكبرى في مختلف المجالات العلمية خيل لبعض العلماء أن العلم تكفل بكل شيء وجرت محاولات لإقامة صرح الفلسفة على العلم، وأخيرًا أعلن ستيفن هوكينغ موت الفلسفة وأنه في استطاعة العلم أن يجيب على أسئلة الوجود الكبرى، ومن ثم وقع التناقض عند العلماء وخبطوا في ذلك خبط عشواء.

خذ مثلًا أكبر علماء عصرة أينشتاين، فقد ذهب فيما وراء الطبيعة إلى وجهة نظر سبينوزا في رفض الإيمان بإله شخصاني (له شخصية)، واعتمد في مذهبة على أساسين:

1.الإحساس بذكاء سامٍ متألق ومعقولية في الكون لما نرى من تناسق في القوانين الطبيعية يقول: قل إن تجد عالمًا تعمق في العلم بدرجة كبيرة ليس له إحساسه الديني الخاص، وهذا الإحساس يختلف عن إحساس البسطاء من الناس) (3).

2.أن الايمان بإله شخصاني (له شخصية) يتعارض مع العلم، ويؤدي الى الصراع الحتمي بين العلم والدين. يقول: (على قدر تشبع المرء بفكرة الانتظام المرتب لكل ما يحدث في الطبيعة يصبح اقتناعة ثابتًا بأنه لا محل لتصور وجود أسباب ذات طبيعة أخرى بجانب هذا الناموس، مثل هذا الإنسان لن يسلم بوجود مشيئة إلهية أو إنسانية كسبب مستقل للحوادث الطبيعية) (4).

ولسنا في مقام التمحيص والنقد لهذة الادلة، ومن المعلوم أن حجة الإسلام الغزالي عالج مسألة السببية ببراعة منقطعة النظير في كتابة (تهافت الفلاسفة) قبل أن يتقدم العلم ويتشبع أينشتاين بالقوانين الطبيعية. وهي مسألة وثيقة الصلة جدًا بهذه القوانين.

ولكن سؤالنا الأهم هو: هل سار أينشتاين على الطريق الصحيح بأن اهتدى بالعلم في رؤيتة الفلسفية أم جعل من الفلسفة خادمة للعلم وضل الطريق؟

يبدو لنا أنه بدأ من العلم وانتهى به في تقرير مذهبة الفلسفي، لأنة لا يعتد بالأدلة العقلية المناقضة لأدلتة، (إن إدعاء تدخل إله شخصاني في مجرى الحوادث الطبيعية لا يمكن رفضه تمامًا بالمعنى الحقيقي؛ لأن مثل هذا الادعاء يستطيع دائمًا أن يحتمي أو أن يتحصن في أحد تلك المجالات التي لم يستطع العلم إلى اليوم أن يجد مكانًا فيها لموطئ قدمه أو أن يتناولها بوسائله، لكنني مقتنع أن سلوكًا كهذا من جانب رجال الدين ليس مزريًا فحسب، بل أثيمًا) (5).

وهذه عبارة من يرى أن الادلة العلمية هي الأدلة المعتبرة في الماورائيات، حتى أنه ليضيق ذرعًا بما سواها. وهنا يطفو إلى السطح تناقض العلماء، بينما هم يعرفون جيدًا أنه لا سبيل للعلم إلى ما وراء الطبيعة يطلبون منة العبور إليه!

وهكذا نجد العلماء ممن اتخذوا من العلم منارة في بحر الميتافيزيقيا المظلم بين من يؤمن بإله سبينوزا (وحدة الوجود)، ومن لا يعتقد بوجود الإله من الأساس مثل ستيفن هوكينغ.

وفي رأيي أن كلا الرأيين قريب من قريب، وربما كان هوكينغ مثالًا جيدًا بهذا الصدد، فقد كان يؤمن بإله سبينوزا كما يلوح غامضًا من مقابلاته وكتاباته، ثم إنتهى به الأمر إلى الانكار التام لوجود الإله. في كتابه أحلام الفيزيائيين في العثور على نظرية فيزيائية نهائية، يقول ستيفن واينبرغ الحاصل على جائزة نوبل: (أما رجال العلم وسواهم من المفكرين فيستعملون كلمة الله لتعني شيئًا مجردًا، وغير معني بشيء لدرجة أنه يصعب التمييز بينه وبين قوانين الطبيعة) (6).

ولا عجب في هذا؛ ما داموا يطلبون الجواب ممن لا يملك الإجابة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1)افكار و اراء انشتاين ص252
(2)قصة الفلسفة .ول ديورانت ص467
(3)افكار و اراء اينشتاين ص245
(4)افكار و اراء اينشتاين ص 250
(5)افكار واراء اينشتاين ص251
(6) ص،191
عرض التعليقات
تحميل المزيد