قال رسول الله في حديثه: صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس، العلماء والأمراء.

يقر أبوحامد الغزالي أن العلماء هم الأطباء، يقصد أطباء الأمة وأطباء حالها فإذا فسدوا فسدت الأمة، ففساد الأمة بفساد الملوك وفساد الملوك لا يكون إلا بفساد العلماء.

وقال السلف إذا أراد الله بالناس خيرًا جعل العلم في ملوكهم والملك في علمائهم، وكان لديهم قاعدة أنكم إذا رأيتم العلماء على أبواب الملوك فقولوا بئس الملوك وبئس العلماء وإذا رأيتم الملوك على أبواب العلماء فقولوا نعم الملوك ونعم العلماء.

عندما لاحظ سلمان الفارسي الصحابي الجليل بردة جديدة على الخليفة عمر بن الخطاب وقف أمام الناس وقال لا سمع لك ولا طاعة علينا، من أين لك بهذه البردة فنادى عمر ابنه ليخبره أنها بردته فعندئذ قال سلمان: الآن نسمع ونطيع.

وما أكثر الأمور التي استقامت على مدار قرون الإسلام الخوالي بسبب هذا التجاذب والندية بين الملوك والعلماء، وأشر الملوك من حاول أن يواجه العلماء بعلماء من صنيعته يتملقونه ويفتون بما يحب ويطربونه بالمديح والنفاق، بينما التاريخ مليء بالرجال والعلماء والعابدين والعابدات من وقفوا أمام الملوك فردوهم ونصحوهم وأقاموا الحجة وأبلغوا الشكوى وأصلحوا حال الأمة فردوا المظالم.

فقد كانت كلمة حق عند إمام جائر مهمة وفريضة على كل من حفظ كتاب الله وجمع سنة رسوله وعلم بفقه شريعته، وقال تعالى في كتابه (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ).

ولعل كلمة “أمة” بالآية ملفتة، فالطريق لمخالفة الحكام والملوك من أخطر الطرق، ولا يتشجع عليه أحد، إلا العلماء، وليس كل العلماء ذوي ضمير متيقظ صالحين، وليسوا كلهم أصحاب قلب قوي لا يخشى في الله لومة لائم، فكان هناك نفر من أمة محمد، نجوم بسماء العلم والفهم، كواكب في فضاء الحق والنضال، أولياء لله صالحون صادقون، كان الفرد منهم كأمة، وقفوا وأبطلوا البدع وأقاموا العدل وقالوا كلمة الحق عند إمام جائر فاستحقوا كل الخير في الدنيا والآخرة بإذنه.

ومن هؤلاء النفر سعيد بن المسيب وكان عالمًا زاهدًا له من العلم والصيت ما جعل عبد الملك بن مروان يتملقه ويحاول التقرب منه لدرجة أنه طلب ابنته لولده الوليد، رفض ابن المسيب تزويج ابنته لابن الخليفة وزوجها لتلميذه أبو وداعة عندما مات أهله ففي ليلتها سأله بن المسيب أن يتزوج فقال أبو وداعة وكيف الزواج ولا أملك سوى درهمين، فزوجه ابن المسيب ابنته، ذهب ابن المسيب لمنزل تلميذه فدهش من الزيارة فسعيد بأوامر الخليفة لا يتحرك كثيرًا حتى أنه يخشى على الناس أن تكلمه فيبطش بهم بن مروان، فظن التلميذ أن سعيد بن المسيب رجع في كلامه بخصوص الزواج ولكن المفاجأة أن بن المسيب لم يحب أن يبيت الليلة عازبًا ولا أهل له، فزف له ابنته وزوجها له في هذه الليلة.

طلب عبد الملك بن مروان البيعة من المسلمين لولديه الوليد وسليمان فرفض سعيد بن المسيب البيعة وهو من هو، عالم المسلمين وفقيه الإسلام، أرسل عبد الملك لوالي المدينة أن يعرض على المسيب إما أن يبايع أو يمكث بالمنزل أو يفر، فلم يقبل ابن المسيب أيهما، فضرب بالسياط وسجنوه.

وقد خلع سعيد بن جبير بيعة بني أمية وهو عالم له وزنه، فأمسك به الحجاج ودار بينهم حوار الله أعلم بصحته يوضح كيف حاول الحجاج أن يفتنه بشتى الطرق وأن يأخذ البيعة منه حتى أمر الحجاج بأن يذبح، قال سعيد بن جبير: خذها يا حجاج حتى أحاججك بها الله يوم القيامة، ودعا: اللهم لا تسلطه على قتل أحد بعدي، وبالفعل لم يقتل الحجاج أحدًا بعده ومات الحجاج وهو يتألم لقتل هذا العالم ويعذبه ضميره على ذلك ويخشى دعوته التي أصابته!

قال الإمام جعفر الصادق من عذر ظالمًا بظلمه سلط الله عليه من يظلمه، ولعل الله يسلط عليه من يظلمه بنفس ذلك العذر، لقد تعرض جعفر الصادق للمحنة أيضًا فلقد مرت بآل البيت محنة شديدة، محنة طويلة الأمد نتيجة لوقوفهم ضد الظلم بداية من الحسين إلى والد الإمام جعفر وعمه فعاش جعفر تحت رقابة العباسيين وتوجسهم منه وتعرض للدس والوقيعة بينه وبين السلطة حتى توفى، تعرض تلميذه أبو حنيفة النعمان للخليفة الأموي فسجن وضرب وللخليفة المنصور العباسي فسجن ومات مسجونًا، وتعرض مالك بن أنس إمام دار الهجرة للسياط أيضًا لأنه كان يحدث بحديث «ليس على مستكره طلاق» وروج الحديث ليس على مستكره بيعة، وكذلك ابن حنبل واجه السلطة وشلتها الفكرية وحده كان أمة، واجه بدعة المعتزلة القائلة بخلق القرآن، وابن تيمية كان أمة، وقف أمام ملوك المغول حتى أن العلماء كانوا يرفعون ثيابهم حتى لا يتلوثوا بدماء ابن تيمية لأنهم ظنوا أن الملك المغولي سيقتله عندما واجهه بقوة وبصوت عالي وبحجة بائنة ظاهرة فلم يخف ولم يتراجع بل صار قازان أمامه صاغرًا صغيرًا فقبل قازان بإطلاق أسرى المسلمين ولكن ابن تيمية لم يقبل أن يطلق المسلمين فقط دون أهل الذمة قائلًا وهو يرفع سبابته ناحية قازان: بل أهل ذمتنا قبل أهل ملتنا، وتعجب القوم المصاحبون من أن الملك لم يطلب بقطف رقبة ابن تيمية ولكن ابن تيمية قال: لا يخاف من غير الله إلا من بقلبه مرض، عندما خرج القوم تركوا ابن تيمية وظنوا أنه مقتول بينما ابن تيمية تملقه أمراء التتار يطلبون الدعاء كما طلبه ملكهم قازان وكرموا ابن تيمية غاية التكريم ولبوا كل طلباته، وعندما لم يجد أحدًا يصد المغول طلب ابن تيمية من ملك مصر الشاب قلاوون أن يتحرك وينقذ الشام ولكن كان المغول قد أسلموا فهل يقاتل المسلم مسلمًا، واجه ابن تيمية هذه الفكرة وقال يجب قتال المعتدي مهما كانت ملته، تعرض للسجن أكثر من مرة لمواجهته الفكرية ولم يتراجع عنها طالما لم يقتنع بغيرها، ومع هذا كله كان إنتاجه الفكري غزيرًا جدًّا وهذا عجيب.

قال ابن تيمية وهو في السجن: إنما جنتي بصدري فأينما كنت هي معي، مات الإمام الأمة في السجن كما عاش في السجن.

سجن أحمد بن طولون العابد أحمد بن بنان ونكل به لأنه فقط قال له اتق الله يا ابن طولون، توجه الناس للسيدة نفيسة لتواجه بن طولون، فلا ملجأ للأمة من ظلم الحكام إلا العلماء والزاهدين وآل البيت، فأرسلت السيدة نفيسة لابن طولون رسالة تقول فيها: ملكتم فأسرتم، وقدرتم فقهرتم، وخولتم فعسفتم، وردت إليكم الأرزاق فقطعتم، وقد علمت بأن سهام الأسحار نافذة غير مخطئة، لا سيما من قلوب أوجعتموها، وأكباد جوعتموها، وأجساد عريتموها! فمحال أن يموت المظلوم و يبقى الظالم. فرجع أحمد بن طولون عما كان يقترفه.

وهكذا سارت ركاب العلماء بشتى أسمائهم وأزمنتهم يقفون أمام الظالمين كل بطريقته وفهمه ولكن بقاعدة رئيسية، أن كلمة حق عند إمام جائر فريضة، وهكذا سارت ركاب أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فعندما جاء الاحتلال الفرنسي لبلادنا وجد العلماء في الصف الأول بالمواجهة وعندما جاء الاحتلال يشحذ ثورات قومية ويحيط ببغداد ويجمع العراق بدولة وجدوا العلماء بالصف الأول بالمواجهة، وبالمغرب وجدوا العلماء بالصف الأول بالمواجهة وبليبيا وجدوا العلماء والنساك الصف الأول بالمواجهة، بالشيشان وأفغانستان وجدوا الطلاب والعلماء الصف الأول بالمواجهة، ولهذا لم تستسغ الأمة إلا عندما خلت من العلماء! نعم فأين العلماء؟ وأين الأمة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حكام, علماء
عرض التعليقات
تحميل المزيد