لا يخفى على الكثير منا وخاصة طلبة العلم والباحثين في العلوم الشرعية والتراث الإسلامي قدر ومكانة علماء المغرب العربي ودورهم في البناء الحضاري العلمي للتراث الإسلامي، ويشهد الكثيرون لعلماء الدين في المغرب بالتمكن وغزارة العلم الشرعي حيث يَفْضُلون في أحيان كثيرة علماءَ المشرق العربي ممارسة وتأليفًا وحفظًا وتحفيظًا، وقدرتهم على حفظ المتون والتصنيفات لا يماثلها في البسيطة مكان.

رغم كل هذا إلا أنهم غير معروفين وغير مشهورين كعلماء المشرق، وكأن لهم نصيبًا من مكانهم “المغرب”، مثلًا الشيخ الآية العلامة “محمد بوخبزة” أعلم أهل الأرض بالمخطوطات، حتى إن الألباني – رحمه الله- عندما كان يستشكل شيئًا معه كان يسأله، والعلامة “ابن عاشور” صاحب “التحرير والتنوير” و”ابن عبد البر” و”القاضي بن عياض”، و”عبد الله بن إبراهيم الأصيل” في الحديث الذي تعد رواية البخاري عنه من أصح روايات الجامع الصحيح، وابن سعدون الفاسي.

والتاريخ العلمائي لعلماء المسلمين لا يخلو من أسود المغرب العربي ورجاله، وللتاريخ الجهادي والنضالي نصيب الأسد من علماء المغرب ودعاته كالأمير عبد الكريم الخطابي الداعية المجاهد، والشيخ محمد الخضر حسين التونسي، والعلامة محمد البشير الإبراهيمي الجزائري، والمجاهد العالم والمفكر علال الفاسي، والشيخ العلامة “محمد تقى الدين الهلالي”، وقد لاحظ “ابن حزم” من – فقهاء المغرب- في أبياته ذلك القصور في شهرة علماء المغرب – وهو منهم- وقال في أبياته:

أنا الشمـس في جو العلـوم مـنـيرة .. ولكن عيبــــي أن مطلعــي الـغـــرب
ولو أنني من جانب الشـرق طـالـع .. لجد علي ما ضــــاع من ذكـري النهب
ولي نحـــو أكنـاف العــــــراق صـبـابة .. ولا غرو أن يستوحـــش الكلف الصب
فإن ينــــزل الرحمــن رحلي بـينـهـم .. فحينئذ يبـــــــدو التـأسف والـكـــــرب

 

ورغم تاريخ علماء المغرب العربي الرائع إلا أن علماء المغرب العربي المعاصرين فقدوا بوصلة تاريخ شيخوهم وعلمائهم على ثلاثة مستويات: المحلي “الداخلي”، والإقليمي “الخارجي”، والجهادي “النضالي”.

ولعل ابن خلدون حين قال: “في المغرب لا تستغرب” كان يعبر عن حقيقة ماثلة أمام الأجيال، والمتابع لشؤون المغرب العربي وعلمائه يلحظ بوضوح هذه الهوة الكبيرة بين علماء المغرب العربي وشعوبهم، هوة تزداد وتتسع رغم كثرة العلماء وتنوعهم وانتشارهم في الحضر والقرى، لكن انفصالهم واضح عن واقع شعوبهم وقضاياهم الاجتماعية وآلامهم الحياتية وآمالهم.

وباستثناء بعض العلماء وهم ندر- كالريسوني والدودو والشنقيطي وغيرهم- يعيش جل علماء المغرب العربي في عزلة نصية وفقهية وواقعية مع المواطن ومجتمعه ونظامه الحاكم وإقليميه بل وأمته، فالمواطن ومشاكله وهمومه واستفساراته في وادٍ وعلماء المغرب العربي في وادٍ آخر.

والمغرب يعرف صنفين من العلماء:

الأول رسمي، وظيفته حراسة الأمن الروحي، والعمل داخل إطار الدولة، والثاني يعارض وينتقد السياسة الدينية الرسمية للبلاد دون المساس بجوهر الحكم، يقول إدريس الكتاني، رئيس النادي الفكري الإسلامي – على موقع هسبريس- إن واقع العلماء خاضع للسلطة، مما يؤثر على ضعف الإنتاج الفكري والإسلامي لديهم، وبأن العلماء أبعدوا منذ مطلع الاستقلال من الخوض في السياسة، بحيث لم يعد لهم أي تأثير على القضايا المجتمعية.

 

وأشار أيضًا إلى أن التواصل بين العلماء ومختلف شرائح المجتمع ظل غائبًا وغامضًا، ويؤكد محمد السحابي – عالم في القراءات القرآنية- أن المجالس العلمية بالمغرب غائبة، ولا تقدم شيئًا لأن العلماء الذين من المفروض أن يكونوا في واجهة مختلف النقاشات المجتمعية، لا يرقون إلى المستوى الذي يخولهم حمل صفة العلماء.

إن تدين الدولة في المغرب، هو تدين اعتقادي وطقوسي – كما يقول حسام تمام “رحمه الله” – لا يفرض مظهرًا أو سلوكًا معينًا عليها، فالدين في الدولة المغربية هو نص أصيل في الدستور، وهو لا يتحول إلى سلوك إلا في لحظات معينة غالبًا ما تكون تلك التي تتصل بسؤال الإيمان والكفر، هو اعتقاد بالأساس، ثم عبادة أكثر منه سلوكيات تملأ الفضاءات الاجتماعية بالضرورة، ودون ذلك فالحياة مفتوحة أمام سلوكيات ومظاهر مختلفة.

وصدق من قال:
“لك الأضرحة والبخور، وصناديق النذور
لك المصاحف الذهبية، والآيات الخشب
لك كل ما تريد
إلا ما نحن نريد
الصولجان وقبة البرلمان
وقاعات الدرس وحيث يجري المال
هي أشياء إن فزنا بها
قلنا هذا هو الدين المجيد
وإن فزت أنت بها
صحنا إرهابي يغضب الرب الجديد”.

ولا يتطرق علماء المغرب العربي لحياة المواطن المغربي العادية واستفساراته فقط، لكن أيضًا لا تشغلهم أنظمة الحكم في الدول التي ينتمون إليها، ولا يأتي ببالهم حياة الأمة ودورها المنشود وسبيل نهضتها والقيام من كبوتها، فهم صامتون على الديكتاتوريات العسكرية والملكية المقيتة والتي تتحكم في مقدرات الشعوب وخيراتها، بل وينعتونهم بـ”ولى الأمر” أو “أمير المؤمنين” ويتركون لهم الشعوب تركع لهم وتسجد، وهم يسبحون بحمدهم ليلًا ونهارًا ويمجدون حتى أحفادهم الذين لم يبلغوا الحلم، ويقبلون أيديهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد