عندما كنت حدثًا صغيرًا، كنت أتساءل لماذا جُعل البلاء؟ وكنت أحسب إنما البلاء إذا ما طرق الأبواب فما هو إلا نقمة و عذاب! وكنت أتعجب لماذا كُتب على البشر أن يقاسوا من الآلام والمشاق ألوانًا شتى كلٌ على حسب حاله، ولما كبرت وبلغت من العقل مبلغًا وصارت لي في الحياة سابقة بلاء، أيقنت أني إنما كنت قاصر النظر في ذلك العهد البعيد من الزمان، وعلمت أن البلاء إنما هو قاعدة الحياة وأساس الدنيا!

أجل! إنما البلاء قاعدة الحياة، وأساس الدنيا! وهل خُلقنا إلا لأجل البلاء! ومن ثم كيف لنا أن ننكر حقيقة أقرتها آي القرآن من أن الإنسان خلق في مشقة وكبد؟!

وهب يا صاحبي أن الحياة كانت راغدة هنيئة! وهب أن أمر الأبرار ساد وأن عهد الفجار باد، وهب أن الدنيا ملئت خيرًا وعدلًا، فلماذا إذن خلقت الجنة والنار؟! ولماذا هناك حساب وميزان! فلا بد أن يكون هناك خير وشر، ومن ثم يكون صراع حق وباطل، ومن ثم ينقسم الناس إلى أبرار وفجار، فليس من المعقول أن تمتلئ الأرض رغدًا ونعيمًا، وليس من الوارد أن يكون الكل صالحًا، ومن هنا كان البلاء سنة حياة!

ومن أشكال الابتلاء أن يتسلط قوم من الطالحين على فئة من الصالحين فلا يزال الأمر سجالًا بينهما، فلا تدري أيهما حق وأيهما باطل، وقد يتسلط الطالحون على الصالحين حتى إذا ضاقت الأرض على الصالحين وعظم البلاء وحينها يتمثل الابتلاء في صورة واضحة وجلية «قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا»، ومن ثم لا يلبث أن يظهر الحق ويزهق الباطل، ومن ثم تعود الكرة مرة أخرى فيعود الصراع والنزال! وتلك الحياة!

وأيقنت كذلك أني كنت مخطئًا عندما حدثتني نفسي أن البلاء ما هو إلا عذاب يتجرعه المرء في حياته الدنيا، فلا يجني على أثره شيئًا غير المشقة والتعب، وثم علمت أن ذلك محض افتراء وكذب، فإنما يبتلى المرء على قدر دينه، وأن أكثر الناس مجابهة للبلاء الأنبياء، وأن الابتلاء سبيل الصالحين والمصلحين في هذه الحياة، وأنه «ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب- مرض- ولا هم ولا حزن ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه». (رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة)

وخلاصة الأمر ومفاده أن الحياة بحر أمواج يخوض الإنسان فيه ما يخوض من الفتن والابتلاءات فيصبر أو يجزع كلٌ على حسب ما قُدر له، أو بمعنى آخر إما أن يغرق في لججها، أو أن يقف صامدًا صمود الجبال الرواسي لا تهزه مصيبة ولا تنال منه نازلة وذاك شأن المؤمنين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن كمثل الزرع، لا تزال الريح تميله ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد» رواه مسلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تأملات, رأي, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد