عجز الإنسان عن التحكم في مصيره يجعله في حالة امتحان دائم، أية نظرة من الآخرين تهدد مكانته الركيكة، واعتباره الذاتي التي يحاول الحفاظ عليها، ويصبح   نموذج التسلط والخضوع هو القانون الذي تخضع له كل العلاقات حتى علاقات الحب العلاقات الرسمية والعادية، الكل هنا يبحث عن ذاته في عيون الآخرين، وبما أن الإنسان بطبعه كائن عاطفي يستخدم وجدانه (عاطفته) أكثر من عقله، فكان الدافع الأول هو دعم شعوره العاطفي الجيد ليدفعه للعمل، وأهم هذا المشاعر هو الشعور الجيد حول نفسه، ومقدار رؤيته لنفسه، وعندما يبدأ البحث عن الذات خارج الإطار الطبيعي  تجعل الإنسان غير سوي في علاقته مع نفسه وفي  التعامل الاجتماعي بشكل عام  خاصة عند وجود مصلحة أو هدف مشترك، فالجفاف الوجداني من عدم التقدير أدى إلى تفشي مشكلة المديح وتحوله إلى نفاق ثم إلى (التعريض ) كلفظ عصري يُبين مآلات ما وصلنا إليه!

فالإنسان السوي يرد على مدح ليس من حقه (تملق وتعريض)  كما رد «طه حسين» على صاحبة رسالة  تُشبهه بأبي العلاء، رد إليها برسالة نشرها في كتاب الأحاديث كالآتي «ما إسرافك وإغراقك وتسميتك إياي بهذا الاسم الذي ليس مني ولست منه في شئ؟ لقد أحب أن أشكر للذين يحسنون إلي إحسانهم، ولكني أحب أن يكون هذا الإحسان في موضعه، وأن يكون هذا الثناء ملائمًا لمن يساق إليه».

إذن العلة ليست في الجسد، ولكن في النفوس، وطه حسين تجسيد لهذا المعني!

الكلمات المشاعة يستخدمها الناس ويرويها المؤرخون الشعبيون ويكتبون عنها وعن أصل الكلمة، ولماذا قيلت؟ وفي أية مناسبة قيلت؟ وما الهدف منها؟ فأفعالنا وكلماتنا، وحتى حروفنا سيرويها من سيأتي بعدنا، كذا الآن نأتي بكلمة أصلها تركي أو يوناني ونكتب حولها ونتفاخر أننا نعرف أصل الكلمات، فلا استهانة بأقوالنا  خصاة إذا كانت تعبر عن أفعال مشكوك في أخلاقيتها!

فعادة «التعريض» قديمة نسبية، وكان يمتهنها ويشتغل بها الشعراء مقابل المال، فالتعريض كانت مهنة، ومازالت مهنة مربحة تبذل المجهود، ولكن الذي يعمل في تلك المهنة هو «اللسان» الذي سيأتي لك بالمال والمنصب أحيانًا، فيأتي عند صاحب السلطة أو الأغنياء عمومًا ويمتدحه بما هو أهل له، وبما ليس هو أهل له أيضًا، فإن أعطاه مالًا نظير مديحه، أكمل مدحه ليحظي بالكثير من المال، وإن مدح ولم يأخذ مالًا من الممدوح؛ انقلب شعره من مديح إلى هجاء، وهو ذكر مساوئ الشخص، بل الإفتراء عليه بما ليس فيه من صفات سيئة كعقاب له على عدم إعطائه المال

فالتعريض في الكلام هو ما يقابل التصريح، وهو كلام له وجهان، أو عدة أوجه ، ولا يختلف «التعريض» عن «التعريص» في شيء إلا في (النقطة) ووقع كلمة (التعريص) التي توحي ببذاء فادحة عكس كلمة (التعريض) مخففة البذاءة ، والمشكلة الرئيسة ليست فقط في المُعرِض، بل أحيانًا ليست بالقليلة يكون هو الطريق الوحيد لذلك للحصول على حقه، بل أصبحت المعضلة الكبري في المُعرَض به (المقصود بالتعريض)  الذي أصبح يستلذ ويتمتع للحصول علي التعريضن بل يفاضل بين اثنين في تعريضهما له.

و«التعريض» لفظ قديم حقًا، وزير يخاطب السلطان الغاضب على بعض الأمراء بقوله «لا تكدر خاطرك يا مولاي، واقتل هؤلاء المعرصين»،  وفي كتاب «بدائع الزهور في وقائع الدهور» للمؤرخ «ابن إياس» يروي واقعة القبض على مجموعة من النساء «كن يعرصن على بعض النسوة لممارسة الفحشاء»، وفي التاريخ  يذكر أن رمى الخليفة المتوكل عصفورًا فلم يصده، فقال الوزير ظأحسنت! فقال الخليفة: أتهزأ بي؟! فقال الوزير: لقد أحسنت إلى العصفور يا مولاي»” وبدأ التعريض منذ ذلك الوقت!

أصبح هناك فرق ما بين «تظبيط الفلوس (الرشوة)، وتظبيط الكلام (التعريض)»، بل أصبح المُعرِض يُمتدح ويصبح قدوة لغيره وإطلاق ألقاب عليه مثل: لسانه حلو، لسانه بينقط عسل (وأي تعبير مرتبط باللسان)، وللتعبير عن مدى ارتباط الرشوة بالتعريض كنت في أحد المرات راكب تاكسي والسواق بدأ يحكي لي عن معاناته داخل إحدى المصالح الحكومية بقوله «ظبطته بكلمتين بس، كان ليه طلبات تانية، فطار وحتة حشيش، موظف حكومي بيطلب حتة حشيش»، وإذا كانت الرشوة لها أسماء دلع، مثل «الفطار، حسنة، إكرامية »، أصبح التعريض يُطلب  بأسلوب توريه  مثل  «ده أنت مابَلتش ريقنا بكلمتين حلوين»!

هؤلاء الملكيون أكثر من الملك واليد اليمني للطغيان ، هؤلاء الذين يجعلوننا أحط قدرًا من الحمير، كما يروي «توفيق الحكيم» أن حماره سأله ذات يوم عن الفرق بين معشر الحمير ومعشر الآدميين؟ وأجاب الحمار: وجدت أن الفرق الأساسي بيننا وبينكم هو أنكم تعرفون النفاق!

وللتعريض  أنواع: فالنوع الأول هو تعريض من أجل المصلحة: فالكل معذور في مجتمعاتنا لا أحد يحصل على التقدير المناسب، لا المادي، ولا المعنوي، فتتكون أنواع من الشخصيات الدونية والمعقدة والمشوشة وغير ذلك.

والتعريض  الثاني من أجل الاستثمار في الناس: فهو يستخدم التعريض كوسيلة لمعرفة الناس، وإضافة معارف كُثر في قائمة علاقاته، ويكون مبدؤه في الحياة «اللي ماتحتاجلوش النهاردة تحتاجله بكره»، وغالبًا المُعرِض يستخدم في بداية تعريضه لهؤلاء الأشخاص كلمات مثل  «مافيش مصلحة بيني وبينك ولا عاوز منك حاجة بس شهادة لله أنت كذا وكذا»، وهو يكون صادقًا في تلك اللحظة مُؤملًا نفسه أن يجني مكاسب تعريضه عند وقت الحاجة لهذا الشخص.

هذا وقد يعرض شخصان لنفس الفرد، ولكن أحدهما يكسب الآخر في التعريض، فإما باختراع جديد للتعريض، وأحيانًا وسيلة التعريض يتم الاتفاق بينها وبين المُعرِض، وهذا أطلق عليه «اللعب على المكشوف»، فتخيل الشخصيتين عندما يتقابلان؛ تجد «كرنفال» من اللا معقول تقف أمامه عاجزًا عن الكلام!

وهناك من يتقنون ما يُسمي بـ«المزدوجة»، وتلك تحتاج إلى خبرة وثقة في نفسك، هدفها الأساسي هو إقناع المقصود بالكلام أنه لا يستخدم أسلوب التعريض، وإقناع الناس من حوله أن ما يتفوه به من كلام هو الحقيقة، وبذلك يقتنع المقصود بالكلام، ويقتنع الناس أيضًا  أنه ذو ذوق، ويصبح مثالًا في الذوقيات، وبذلك فاز  ليقتنع المقصود بالكلام، وحتى لا ينتبه إلى نفاقه، وحتى لا يطلق عليه الناس لفظ مُعرِض، وهذا الشخص يكون لديه في الغالب نظرة مستقبلية وحرصًا زائدًا على سمعته، وغالبًا هذا النوع سيعاني في المستقبل من فصام شخصي، فهو لكي يصل للأسلوب (المزدوج) لا بد له من استخدام الدين والفضيلة والمثل العليا في تعريضه ونفاقه؛ فتجد كلامه يبدأ بـ«والله أنا صادق في كل كلمة»، و«أنا لساني والله عاجز عن المجاملة»، «لازم تشوف الحاجات الجميلة في كل إنسان»،  تلك يلجأ إليها عندما يكون الإنسان المقصود بالتعريض ليس محبوبًا من الناس، وعليه مآخذ سلبية  كثيرة، ويستخدمون الاحترام، والحق وباقي المُثل من أجل مصلحته، وغالبًا تكون كخطبة تمهيدية تُعمي آذان وقلوب السامعين عن الغرض الخفي وراء الكلام!

النهاية

والله ما رأيت إنسانًا يستحق الكلام الطيب ويستحق المدح، إلا واحترت بأية صفة حسنة أبدأ بها المديح، ويخرج كلامي ناقصًا لا يُوفي حقه، وما رأيت ناقصًا يطلب النفاق، إلا ووجدت الكلمات تنهمر على لساني كما يتدفق الماء على النهر لا يتوقف اللسان عن النفاق، إلا إذا طُلب منك التوقف!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التعريض
عرض التعليقات
تحميل المزيد