من الممكن أن تتفق مع الكاتب أو تختلف معه، وتحكم عليه ككاتب جيد أو سيء من حيث امتلاكه لأدواته الأدبية وفنيات عمله، سواء أكان روائيًّا أو شاعرًا أو حسبما اتفق، وذلك يسير جدا على صفحات goodreads ستجد هناك لحوم الأدباء والمفكرين ليست مسمومة بل متاحة للنهش دومًا وهي طيبة المذاق دائما ورخيصة للغاية، إذ يتراوح سعرها ما بين نجمة وخمس نجوم وما يتخلل ذلك من reviews يمكنك أن تتعدى خلالها الرواية إلى الراوي، والكتاب إلى الكاتب دون فقه الفصل بين العمل ومؤلفه، ولكن من أين نأتي بفقه جديد يجعل القارئ يتعامل مع النص بغض النظر عن كاتبه، حتى نصل في النهاية إلى التعامل مع الفكر المحمول على أكفّ اللغة المعبرة عنه بغض النظر عن مناقشة اللغة نفسها وجعلها هي الموضوع.

بضعة ألفاظ جنسية ذكرها الكاتب أحمد ناجي بألفاظها العامية في روايته “استخدام الحياة” كانت كفيلة أن تغيبه خلف القضبان لعامين كاملين لأن النيابة الميمونة رأت بما لا يدع مجالا للشك أنه “خدش الحياء العام”!.

تلك الألفاظ المنثورة في شوارعنا كأحجار الطريق، والتي نستيقظ عليها أحيانا وهي تنبعث من المارة أسفل الشرفات في الشوارع.
كلمات تئن بها طُرقات المجتمع كتوجع مريض أشرف على الموت.
كلمات يتوزعها الأصدقاء بينهم، وحلّت “بشرعية” في كلامهم منذ زمن بعيد.
كلمات أبأس منها وأكثر خدشًا وطعنًا وقتلا وفتكا بالأخلاق المزيفة في تراثنا القديم، مكتوبة بيد أجل علماء الدين دون مساس بهم من

معاصريهم ولا طعن في مروءتهم، وإن شئت يا وكيل النيابة أن أذكر لك ما بين الجاحظ والسيوطي والأصفهاني خلقًا كثيرًا، وأشعارًا في القبل والدبر ما يقتل رجالًا أجلافًا لا شعور لهم. ومع ذلك كان المجتمع أكثر انفتاحًا، مستنير الفكر، لم يكن به تشدد ولا تعنت ولا جهل ولا وكيل نيابة!

عندي مكتبة جنسية قيمة فيها الروض العاطر في نزهة الخواطر للنفزاوي، ورجوع الشيخ إلى صباه لابن كمال باشا، وشقائق الأترج في دقائق الغنج، والإيضاح في علم النكاح، ورشف الزلال من السحر الحلال، ونواضر الأيك في معرفة (لا مؤاخذة) للإمام السيوطي الذي قال عنه تلميذه عبد القادر بن محمد الشاذلي: “الأستاذ الجليل الكبير، الذي لا تكاد الأعصار تسمح له بنظير، شيخ الإسلام، وارث علوم الأنبياء عليهم السلام، فريد دهره، ووحيد عصره، مميت البدعة، ومحيي السنة، العلاَّمة البحر الفهامة، مفتي الأنام، وحسنة الليالي والأيام، جامع أشتات الفضائل والفنون، وأوحد علماء الدين، إمام المرشدين، وقامع المبتدعة والملحدين، سلطان العلماء، ولسان المتكلمين، إمام المحدِّثين في وقته وزمانه”.

لكني لن أعير منها كتابًا لوكيل النيابة الذي استأنف على حكم البراءة ليبقى كما هو.

أما تهمة (خدش الحياء) فهي تهمة مطاطية للغاية لا يمكن وضع معايير جادة لها يمكننا الفصل من خلالها في أحداث مشابهة، فمثلا إعلانات الحفاضات النسوية والتي تصور بكادر Close Up  على مؤخرة الـ Models قد تعتبر خادشة وقد لا.

والدعوة العلنية على إحدى القنوات لمشاهدة الأفلام الإباحية قد تعتبر خادشة وقد لا.

ثم براءة الممثلة من تهمة “التحريض على الفسق والفجور” وهي أعنف من “خدش الحياء” بالإضافة إلى أن التليفزيون إذا قورن بالوصول والتأثير بالرواية أو أي كتاب فلا مجال للمقارنة!

لكن إن شئت أن تعرف معنى خدش الحياء العام والخاص في أحط معانيه وصوره وأشكاله، فانظر إلى رجل يلتقط فتات الطعام من القمامة مخلوطًا ببول المارة ليأكله.
أو انظر إلى أمين شرطة يفض جمجمة سائق، أو ضابط يفقأ عين مواطن بالخرطوش وسط بهجة وتمجيدٍ لنشان الضابط المحترف.
أو انظر لرئيس مستبد أفسد الوطن ثلاثين عامًا وبُرّئ.

أو انظر لطفل في الرابعة من عمره يحكم عليه بالمؤبد، وبدلا من ارتدائه زي الروضة يرتدي زي السجون.
أو انظر لرجل امتهن المصريين وقال “نحن السادة في هذا الوطن ودوننا العبيد” ثم عُين وزيرًا للعدل.
أو انظر لرجل كوزير الزراعة أعلن عن كشفه لقضية فساد كبرى فإذا به يُقال ويقبض عليه بطريقة مهينة من الشارع ويوجه له هو تهمة الفساد.

أو انظر إلى الاقتصاد المنهار، والمجتمع الذي ينحط يوما بعد يوم، والفقر والعوز والبطالة والمرض، وأطفال الشوارع، والمتسولين الذين ملؤوا الدنيا حولنا.

أبعد كل ذلك تستهجن النيابة تلك الألفاظ والرؤى السوداوية في الروايات والأعمال الإبداعية؟
إن ذلك الوقت تحديدا هو أفضل حاضنة لتلك النوعية المنكرة من الأدب الذي نكتبه، إنه تأثير الواقع في عقل الأديب وخياله، وإن شئت فارجع إلى (أدب النكسة) إبان هزيمة 67 في الرواية والشعر.
أبعد كل ذلك هناك من يتساءل لماذا ينتحر أغلب الأدباء والمفكرين!

ربما تتفق مع عبارات الكاتب أو تختلف، ربما تأخذ قرارًا أن الكاتب المعني (قليل الأدب) ومن ثمّ لن تقرأ له مرة ثانية، لكن كل الحمق أن تهلل لسجنه وأن تفرح له، فإن ذلك عونٌ للجهل والتخلف والرجعية، فهل الفكر يواجه بالسجن إن كانت تلك الأمة تريد أن تتقدم أو تحبو على الأقل!
ما الفرق إذن بين فتوى قتل نجيب محفوظ وفرج فودة يا وكيل النيابة الميمون.

إن مثل تلك الكتابات لا تناقش في ساحات المحاكم، بل في أروقة وزارة الثقافة.

وأخيرًا، فأسوأ ما كان هو شماتة أنصاف الكتّاب فيما حدث للكاتب وتجاهل زملاء القلم له، لأن ما كتب لا يتفق مع ذائقتهم ولا أيديولوجيتهم، وفاتهم أننا لا ننتصر للفسق والفجور لو كانت الرواية كذلك، إنما ننتصر للمبدأ وحده: ألا يُقصَف قلمٌ، ولا يُحارَب فكرٌ، ولا يُسجَن رأيٌ، وذلك معنى ما قال فولتير “أخالفك الرأي لدرجة أني على استعداد لأن أدفع حياتي ثمنًا لكي تقول رأيك”.أعلى النموذج

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد