هل الوعي يكتسب من بيئة المنطق والمعقول؟ أم يكتسب من تحجر سفاهة العقول؟ السؤال الذي يطرح نفسه بجدية في واقعنا الفلسطيني الراهن، هل التاريخ يعيد نفسه؟
فدلائل الأمور ومجريات الأحداث تشير بالمدلول بأن حماس تمثل ماضي منظمة التحرير بواقعها المرير لما وصلت إليه من انتكاسات بتتويج الحلول على أثر إفرازات أوسلو بالتخطيط الملعون وتمرير خط سيرها ضمن مخططات تسريع النضوج بانتفاضة 1987 بنقل انتصار تحريرها الموهوم بترحيلها من آخر معاقلها بانتهاء وجودها المسلح بأسطورة معركة بيروت عام 1982 وما آلت إليه استحقاق تخطيط المرحلة بالسقوط من تصفية رموز عملها العسكري أمثال أبي إياد وأبي الهول بالتحضير لإنجاز مرحلة أوهام التحرير من فوق أرض الجزائر، بإطلاق ياسر عرفات إعلان إقامة دولة فلسطين واستقلالها في الهواء.

فتوالت مفردات الأحداث بدخول منظمة التحرير بمتاهات دهاليز السياسة لفرض واقع سياسي استحقاقًا لمرحلة تنازلت الحلول لعقد مؤتمر مدريد عام 1991 وإفرازاته السياسية لاحتفال دولي بولادة مولود أوسلو المشوه تحت ضمانات وصاية اليهود باحتفالات العودة الميمونة إلى أرض الوطن برفع شعار غزة أريحا أولًا بإفرازات تأسيس السلطة الوطنية على أرض الضفة الغربية وقطاع غزة تحت متاريس احتلال إسرائيل.

فحركة حماس واكبت الحدث وعايشته بمشاركتها الفعالة لإطلاق شرارة تأسيسها لانتفاضة عام 1987 ومعايشتها لترسيخ السلطة الوطنية بأجهزتها الأمنية عبر بوابات اتفاق أوسلو وإفرازات البعد الأمني بالتنسيق لحماية أمن إسرائيل بالدرجة الأولي بنص شروط وبنود الاتفاق فتعرضت حماس للاعتقال والتنكيل من أجهزة السلطة الأمنية لمقاومتها المستمرة بعملياتها المتكررة ضد الأهداف الإسرائيلية داخل القطاع قبل جلاء قوات الاحتلال ورحيلها من القطاع وما تلاها من ضربات حماس العسكرية داخل الكيان بعملياتها النوعية والاستشهادية في المدن الإسرائيلية وعلى أثر ذلك دفعت حماس ضمن مقاومتها لاحتلال بتصفية رموز سطرها الأول صناع القرار فتكرار المشهد يؤكد التاريخ إعادة نفسه بسحق الرموز للدخول في منحي الرضوخ والتنازلات فاغتيال الشيخ أحمد ياسين وسبقه اغتيال ياسر عرفات بنفس التاريخ بالشهر والسنة لإيجاد البديل المرسوم بفرضه مسبقًا وترسيمه في أواخر مرحلة المرحوم كرئيس وزراء، أولًا وتلاها مباشرة بإحلاله وتعميده رئيس للسلطة الوطنية لمعالجة الأمور وصولًا لتعقيد الحلول خصيصًا لمعالجة تسييس حركة حماس لاستنزاف وقودها بسياسات التوريط ودهاليز متاهات الإخضاع والتكبيل.

فالتاريخ يعيد نفسه بخلق الرموز في مراحل الانحطاط والسقوط، فحماس دخلت منحنى الانحدار السياسي وسقوط أرصدة صعود الماضي ما بعد تصفية سطرها الأول، وكبح جماح عملياتها العسكرية في العمق الإسرائيلي، وفي جميع المحاور والحدود. فالمتتبع لتوالي الأحداث وتدحرج مخطط السياسات لفترة رئاسة محمود عباس مهندس ومعلم الاتفاق بتفعيله تمرير المخطط وقيامه بنصب مسرح أفخاخ الانتخابات بالاستهداف، وليس هناك خيار لمنحنى الانحراف كبديل لحماس.
فصريح العبارة تقول: الرقص في حجته الأولى دحلان، وفي آخره تضحيات بالمجان، فأبو مازن هو المخطط الأول بتفعيل انقلاب حماس، واتخاذه قرار بحشد جميع أطياف الشعب والأجهزة الأمنية للتصويت على الانتخابات لتعرية أرصدة وأسهم حماس تحقيقًا لهدف فوزها الكاسح والساحق المفتعل لتوليتها وتنصيبها لمصيدة الحكم المزيف المشبوه وتشكيل حكومتها العاشرة المزعومة بنصب حقول الألغام لإفشالها وعدم تمكينها من إدارة المؤسسات والوزارات والضغط عليها للتنازل بادعاء عدم شرعنتها إقليميًا ودوليًا بالاعتراف والولاء.
فالتخطيط متقن وهدف المؤامرة واضح كل الوضوح لإجبار حماس وجرها للانقلاب المشئوم وهيمنتها بحكم القطاع، وما آلت إليه الأمور تلقائيا بنشأة وتصنيع حكومة حماس لتسيير الأحوال وتفعيل حصارها اقتصاديًا لاستنزاف قوتها بخوضها لثلاث حروب على مدى 10 سنوات وسقوط الآلاف الضحايا من شهداء وجرحى وتدمير بيوت، وإكمالًا بالدخول في معادلة المتاهات تحميل المسئولية المتبادلة لشقي الخلاف بالتراشق الإعلامي والاتهام بالخيانات لما يحدث من مأساة ومعاناة واتهام حماس بعدم الانصياع للحلول والتسليم بواقع الحال بالاعتراف.
فهدف المخطط حصار حماس بانقلابها وتفعيل أدوات الحصار من الجانب الإسرائيلي والمصري بمنافذ القطاع وإجبار حماس بإفساح المجال أمامها لحفر الأنفاق على الحدود المصرية لتلبية أبسط مقومات عناصر المعيشة وفتات الحياة وصولًا لهدف تحميلها مسئولية الشعب وهمومه بإلقاء العبء على كاهلها بإدارة المؤسسات والوزارات بإدخالها معترك السياسة كوجه آخر للحركة لتمثيلها ولتعاطيها مع بروفات سياسات الحلول تأهيلها مستقبلًا بالتدجين السياسي المفروض لتسهيل تحويلها لحزب سياسي لما بعد مرحلة استنزاف جهازها العسكري بالحروب على مدى من أكثر من 10 سنوات، ومازال من خلال تصعيدها العسكري لحفرها الأنفاق الأمنية على حدود إسرائيل، وتصنيع الصواريخ وإطلاقها لعمق مدن الاحتلال وتسجيلها الانتصار الإعلامي اللحظي والمرحلي بدون تحقيق إنجاز على مستوى التضحيات، بل بالتراجع والانحدار.
فواقعنا الفلسطيني يتردى، ومتردٍ، ويراوح مكانه إن لم يكن بالرجوع والسقوط إلى صفر الخانات والمربعات، فشعبنا الفلسطيني باقي الوجود يدفع ضريبة الصبر والصمود بمواجهة تمرير المخططات، وحركاتنا وأحزابنا تتنافس فيما بينها لتحقيق انجاز بارتفاع مستوي الكهرباء والغاز ورفع الحصار علي درب تحرير البلاد والمقدسات. والقضية الفلسطينية أصبحت حقل تجارب وبازارات لمن يشور ويقول بالدعم المشبوه والمأجور بترويج الأفكار الوطنية والوثنية تارة والدينية تارة أخري حسب مقاييس ومعايير اتجاهات الأحلاف.
وعدونا اكتسح الأرض والعرض واستعمر النفوس وسيطر علي عرشنا وفرشنا. وقضيتنا أصبحت رهن يمين اليهود بتوظيف جاهات الرموز، وأصبح عدونا يشاركنا مآسينا وألم المعاناة بتحديد مداولات ومشاورات آثار الانقسام ويساهم بمناشدتنا بفتح المعابر والحدود، بدلًا عن التصدي له لسلب الأرض وتحرير المقدسات وفك القيود.
فالمهزلة الكبرى للأمور مطالبة اليهود بإفساح المجال بطرح الأفكار عبر الوسطاء للخروج من أزمة الوقود والزيادة في معدلات جداول الكهرباء والعمل بجهد لتوفير غاز الطهي بدلًا عن إشعال حطب الوقود.
فالتصور المنطقي والمعقول بأن حركة حماس وحكومتها تخطت مراحل المراهقات والصعاب فالناظر لخفي الأمور تبحث عن مخرج للاستقلال بانفراد الحلول ولظاهر المرئي بأنها تلوح للخروج من باب الأمان بتسليم عهدة الشبهات في زمن تبيض الوجوه بدلًا عن تبيض الأموال وتشيد البروج لرفع راية تحرير أسرى الحرية من آتون زنازين معتقلات اليهود.
وأنا أعي تمامًا وكلي ثقة وبإدراك بأن حماس مهما خاضت محطات ومواقف شرعنة الانفراد لحكم غزة، فلن تنتحر بتتويج نهاية انتحار مقاومتها وجهادها بالارتماء بمستنقعات حضن اليهود أو حتى الدخول بمعترك الشبهات وجهازها العسكري ما زال حيًا لم يمت، حماس من صلبها خرج أهل الحكمة والضمير ومعالجة القضايا والأزمات للوصول لبر الأمان لتتويج عمها الجهادي المقاوم بترك بصمات الشرف والانتماء والافتخار بخوض حروب الكرامة دفاع عن الأمة بحسن الختام والاعتزاز. فمنطق العقل يكون لكل بداية نهاية ولكل زمان حكاية، وكل جيل يسلم خلفه الراية.
فحتمية المواجهة الكبرى ترمي بظلالها بإشعال فتيل الحرب، وجميع الأنوف تشتم رائحة البارود لحسم الموقف بفرض واقع نظامي جديد، فمخطئ من يظن كبح جماح اليهود في ظل خلاف توحيد الصفوف، والسلاح الذي لا يحقق ثمار مكتسبات التضحيات، فهو حتمًا موجه لصدور لأبناء المساكين والفقراء، ومخطئ من لم يراجع حساباته؛ لكسب المواقف بتوازن حلول المعادلات، وسفيه مغفل من يتصدى للرياح العاتية والأمواج الجارفة بمعادلات سياسات التغيير.
أليس من غريب الأمور تلاقي مصالح عدونا بمصالحنا بموافقته بقبول الهدنة بشرط تقارب أصحاب القضية الواحدة طرفي الانقسام لحل الخلاف المزعوم لضمان مصالح دولته العليا وأمن مواطنيه اليهود؟ فأين نحن من مصالح الشعب بتوفير أبسط عناصر مقومات العيش والحياة؟
فدلائل المنظور القريب ستكسر حماس قيود الانقسام وتتوج الاتفاق بالانضواء تحت راية توحيد الصفوف لتخطي الأزمة في زمن أصبح فيه الحليم حيران فهذه ليست أضغاث أحلام، ولا هواجس وأمنيات، بل حتمية تأكيد لمن يمتلك عمق البصيرة وأسس الفهم وأبجديات المفهوم بعيدًا عن تعليب معلبات الأحزاب والحركات بالتعصب والتضليل والضلال.
فأشهر السنة القادمة كفيلة بإثبات فحوى المضمون استعدادًا لمواجهة إعصار السياسيات وإحداث الأمور بالمنطقة والأقاليم وهبوب رياح السموم ونشوب حروب التغيير. فصريح العبارة تقول: الحقيقة المرة والوعي بتدبرها أفضل ألف مرة من الوهم المريح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!