حينما رأته أمامها وهو يدخل مجلس الشعب في أبهة وعظمة ومدافع تُضرب وموسيقى تُعزف ونشيد يُصدح، لم تصدق عينيها؛ فصرخت بكل قوة صوتها الواهن:

«ارحم ابني. ارحم ابني».

كان اليأس من علاج ابنها وقيام الدولة بالتكفل بذلك قد نشب براثنه في نفسها فأنبت العجز والإحباط واليأس، فلما رأت الرئيس وهو يختال في زينته؛ صرخت بكل قوتها لكي يتدخل ويأمر بالعلاج.

وكانت هناك صرخة أخرى لامرأة اعتُقل ابنها، وكان الفشل من تحرير ذلك الابن من قبضة السجن القاسية، يضرب بمخالبه في جنبات نفسها ويفرخ اليأس والقنوط والإحباط والفشل والعجز وكل شيء سيء.

كانت نفسها قد أصابها العجز واليأس والإحباط من وجود القضاء العادل الذي ينصف ابنها ويحرره من القضايا الملفقة له.

كانت نفسها تعتصر بالمرارة والحزن حينما تحاول أن تزور ابنها في المعتقل وتنجح في مرة وتفشل في مرات بسبب تعنت إدارة السجن معها ومع غيرها من أهل المعتقلين.

لم تكونا هما المرأتان الوحيدتان اللتين تصرخان في بر المحروسة، إنما كل يوم صرخات في كل ربوعها:

ارحم ابني من سجونك. ارحم أمي من معتقلاتك. ارحم أبي من زبانية تعذيبك. ارحم أختي من براثن زبانيتك. ارحم أخي من إخفائك القسري. ارحمنا من قضاياك الملفقة لأبنائنا وأهلنا. ارحمنا وحرر أقاربنا من غياهب سجونك. ارحمنا وأفرج عن عائلنا الوحيد. ارحمنا من الفقر الذي قطعنا ومزقنا وسحقنا بنابه الأزرق بعدما اختطفتَ عائلنا ومصدر رزقنا الوحيد. ارحمنا من جبروتك وطغيانك وديكتاتوريتك وسفكك للدماء بطريقة غير مسبوقة في تاريخ مصر كله…

ارحمنا من غلاء الأسعار والذي أنت وراءه.

ألم تلغِ الدعم على الوقود؟

ألم ترفع أسعار فواتير الكهرباء والمياه والخضار وكل شيء؟!

حتى زيت التموين وأرزه غير موجوديْن.

حتى الخبز لا نجده إلا ببطاقة التموين، والملايين الفقراء من غير الموظفين الحكوميين لا يستطيعون استخراج تلك البطاقة…

كان عبد الناصر الديكتاتور يشعر بالفقير والمحتاج، وكان السادات غير الديمقراطي يحس بألم الفقير، وحتى مبارك الاستبدادي لم يجرؤ أن يقترب من دعم الوقود وقوت الفقير ووفر الكثير من الشقق المتوسطة السعر في المدن السكنية الجديدة التي بناها، ومرسي حاول أن نكتفي من القمح ولا نُذل باستيراده، أما أنت فلا تشعر بنا ولا تحس بمعاناتنا ولا حاجتنا ولا فقرنا الذي استفحل في عهدك المشؤوم!

كل الزعماء الذين حكموا مصر حافظوا على حصة مصر من المياه وحافظوا على نهر النيل شريان الحياة لنا ولأحفادنا إلى يوم الدين، أما أنت فقد وقعت على اتفاقية غامضة لا نعرف عنها شيئا، ولكن ما يبدو أنك ضيعت حصة مصر من المياه، وإلا فأخبرنا بنود هذه الاتفاقية النحس؟!

لقد وقعت على اتفاقية مشبوهة مع إثيوبيا لكي تشتري شرعيتك الكاذبة، ولقد اشتريت «شوية» طائرات «رافال» من فرنسا لكي تشتري شرعية كاذبة، وأتيت بشركة بريطانية – تساعد على تبديد ميزانية بلدنا وتقلل سيادة الدولة – لكي تدير أمن مطاراتنا ولكي تشتري بها شرعية كاذبة من دول الغرب!

أنت تريد أن تبقى على كرسي العرش أكبر وقت ممكن فتقوم بإعادة فتح سفارة الكيان الصهيوني بعدما أغلقتها ثورة يناير 2011 المجيدة، وتُهجر أهلنا في سيناء وتحاصر غزة وتهتف بشجاعة وحنكة وزعامة نتنياهو الذي سفك دم الآلاف في غزة لكي ترضى عنك العدوة الصهيونية اللدودة، وترغب أن تظل على عرش مصر مدى الحياة تحقيقًا لأحلامك وساعتك الأوميجا فتقوم بسفك دماء الأبرياء معارضين لك أو غير معارضين مناهضين لانقلابك أو غير مناهضين.

أنت وجنودك الآثمين قمتم بمجزرة رابعة والنهضة وغيرهما منذ ثورة يناير 2011 وحتى الآن لكي تبرق كارت إرهاب لكل الشعب المصري الحر حتى لا يقوم بثورة ثانية، وهيهات هيهات.

ارحمنا بعدما دمرتَ السياحة وخاصة بعدما صدحت آلتك الإعلامية الكذابة أنك تحارب الإرهاب ليلا ونهارا!

أنت وقادة جيشك تعيشون وترتعون وتنعمون في أقصى متع الحياة المرفهة، وقصوركم ونواديكم ومستشفياتكم في قمة العظمة والفخامة والأبهة. أنت لا تشعر بنا ولا بمآسينا والتي أنت وراؤها. أنت لا تحس بالفقراء والمساكين الذين باعوا ما لديهم لكي يعيشوا. أنت لن ترى الذين يأكلون من صناديق القمامة. أنت تعيش في برج عاج عال وتسير بسيارتك الفخمة في موكبك الفخم على سجادة في قمة الأبهة طولها كيلومتران. أنت لن تحس بنا أبدًا مهما طالت فترة حكمك. أنت تذل الشعب وتجعله يدور في فلك المعاناة من الحياة الذليلة في كل بر مصر. أنت تطبق القاعدة الشهيرة: «عايز تذل شعبا جوعه».

حتى الإرهاب في سيناء استفحل ولم تستطع أن تفعل شيئا سوى قتل الأبرياء وتهديم بيوتهم وتجريف أغلى أرض في مصرنا الحبيبة!

أتريد أن يتبرع كل مصري بجنيه كل صباح؟!

يتبرع الشعب المكلوم الكادح لكي تزيد مرتبات الجيش القضاة والشرطة لخامس مرة، وليذهب باقي الشعب إلى الجحيم!

أين الخمسين مليار الدولار التي أتتك من دول الخليج؟

أين المليون شقة؟ أين المليون فدان؟ أين جهاز «كوفتة» عبد العاطي؟

لقد قلت بأنك «ستنسف كل منْ يتعرض لمصر بسوء»، فلماذا لا تنسف سد إثيوبيا الذي سيفقرنا أكثر وسيدمرنا ويدمر الأجيال التالية لنا؟ وحينئذ، سيرفعك الشعب فوق الأعناق.

أم تقصد أن منْ يقترب من كرسي العرش ستنسفه نسفا؟!

لقد أظهرت وجهك الديكتاتوري الشرس بأوضح صورة!

«ارحم ابني. ارحم ابني».


وصعدت الصرخات في سماء مصرنا الحبيبة لتتحد في سماء فلسطين المحتلة مع صرخات أَخواتنا هناك مع قتل الجنود الصهاينة لإخواننا وأَخواتنا في انتفاضة السكاكين الحرة وبان كي مون ومنظمته الدولية بل وكل المنظمات الدولية أصابهم العمى والخرس.

وارتفعت الصرخات من فلسطين المحتلة لتتشابك في سماء سوريا الجريحة مع صرخات النساء والمسنين والأطفال مع التدمير المنهمر على بيوتهم ومدارسهم وكل يوم منذ ثورة سوريا الحرة منذ منتصف مارس 2011 وحتى الآن، ولا حياة للأمة العربية والإسلامية، ولا وجود لنظام دولي ولا أمم متحدة.

ووسط صمت دولي مريب، صعدت الصرخات من سوريا الجريحة لتلتئم مع أنات وصرخات الجرحى والمعذبين والمعتقلين والأطفال والنساء وأهل القتلى في الفلوجة وكل تجمع للسنة في العراق المحتل على يد الجيش العراقي «الطائفي» وميليشيات الحشد الشعبي «الشيعية الطائفية» وكل أذناب إيران الحاقدة على دين الإسلام نفسه الذي دمر إمبراطورية المجوس عبدة النار.

وانداحت الصرخات من العراق المحتل لكي تلتحم مع صرخات المعذبين والثكالى وأهل القتلى والمدفونين أحياء في بورما على يد البوذيين الحاقدين والمنسلخين من كل صفة تنتمي إلى الإنسانية وسط ذات الصمت الدولي المريب!

وصعدت الصرخات وصداها من بورما النازفة لكي تجاور صرخات المسلمين المعذبين والمضطهدين في تركستان الشرقية المحتلة «شينجيانج» ذات الأغلبية المسلمة على يد براثن جيش جمهورية الصين الشعبية وسط الصمت الدولي المريب ذاته.

وعرجت الصرخات من تركستان الشرقية لكي تعانق صرخات المسلمين في مجازر أفريقيا الوسطى على يد المليشيات الإرهابية المسيحية «أنتي بلاكا» والتي تقوم بذبح المسلمين وتقطيعهم إربا إربا وتغتصب نساءهم وتبقر بطونهن وترمي الكل في خزانات للوقود لكي يموتوا حرقا مع ذات الصمت الدولي المريب والغامض عينيه عن كل إرهاب سوى إرهاب داعش!

ولقد صرخت امرأة في الأسابيع الماضية في ساحة المسجد الأقصى حينما دنسته قوات الاحتلال الصهيوني، وكانت انتفاضة السكاكين تلبية لصرخاتها، وفي ذات الوقت، لا نجد أي استجابة من الأنظمة العربية والإسلامية لذلك الدنس وتلك الصرخات، ولا حياة للنظام الدولي الساكت عن الحق!


فيما مضى، تعرضت امرأة عربية للأذى في عمورية فهتفت «وامعتصماه»؛ فلبى المعتصم نداءها وجيش لها الجيوش التي روعت الجيوش الرومية وسحقتها في معركة عمورية الشهيرة، وقال فيها أبو تمام قصيدته الشهيرة:

السيف أصدق أنباء من الكتب … في حدّه الحد بين الجد واللعب

بيض الصفائح لا سود الصحائف في … متونهن جلاء الشك والريب

فيما مضى حاول تجار يهود بني قينقاع أن يكشفوا وجه امرأة مسلمة فرفضت بعزة وإباء الإسلام؛ فربط أحد اليهود طرف ثوبها برأسها دون أن تشعر بذلك، فلما وقفت وانكشفت عورتها، صرخت «وامحمـــــداه»، فلبى نداءها رجل من الصحابة الأجلاء – وكلّهم أجلاء – وقتل اليهودي الذي عرى المسلمة، فاجتمع اليهود وقتلوا المسلم الشجاع، فوصل الأمر إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قائد الدولة فجهز جيشا وحاصر بني قينقاع حتى أجلاهم عن المدينة.

لقد جهز الرسول ‹ص› جيش الدولة من أجل امرأة صرخت للنجدة!

أما الآن فقد صرخت المرأة «ارحم ابني. ارحم ابني…»، ولم يلتفت المنادى إليها، ولم يعِرها اهتماما، ولم يرد عليها ولو على سبيل المجاملة، ولم يأمر أي وزير أو مسؤول أو حتى غفير لينظر في مشكلتها ونحيبها وألمها ومعاناتها!

كانت المرأة تريد أن تهتف «واسيسياه»، ولكن لا سيسياه لمن تنادي، وكيف سيلبي نداءها وهو السبب في كل الفشل السياسي المزري والاقتصادي المخيف والاعتقالات والمجازر والمآسي المرعبة في مصرنا الأسيرة والتي تحولت إلى جمهورية الخوف!

وصرخت الملايين من المسلمين في بقاع نازفة من العالم، وتبخرت الصرخات في الهواء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد