أتذكر في صباي، أنني وبينما كنت أعد بحثًا مدرسيًا حول التبغ والتدخين قرأت معلومتين عابرتين في مقال، الأولى مفادها أن الشركات المصنعة للسجائر ممنوعة من الإشهار والدعاية لها على الشاشة، أما الثانية فهي أن التبغ هو أكثر منتوج مبيع في العالم بعد البن وكوكاكولا.

لقد أدار التناقض الجامح بين هاتين المعلومتين عجلة الاستفهام لدي، فكيف يكون منتوج ممنوع من الإشهار في قمة هرم الاستهلاك خاصة وأن له سمعة سيئة – الأمر الذي يتطلب من العاملين عليه الكثير من أعمال التسويق والدعاية -.

ظل هذا السؤال يراوحني بين الفينة والأخرى وكانت الفرضيات التي أضعها لا تقنعني ولا تنطوي على أجوبة شافية لتساؤلي. لكن مع نضجي بمرور الزمن لاحظت أن معظم «الأبطال والنجوم» يدخنون، وأن جل لقطات البطولة والانتصار والانفراج لابد أن تشتمل على مشهد البطل وهو يدخن، في إيحاء  إلى العلاقة بين السيجارة والبطولة والسعادة، والتي تسجلها ذاكراتنا دون مشورتنا.

لقطة للممثل الأمريكي ميل جيبسون في دور البطل وهو يدخن، من فيلم Lethal Weapon 3.

 

صفوتُ إلى أن مشاهد كهذه لا يمكن أن تكون بريئة أو أنها مرت اعتباطًا لولا أن المخرج والممثل قد قبضا ما قبضا، وتكشف لي حينها أن لا إشهار ولا تسويق ولا دعاية يمكنها أن تَعدل الأسلوب غير المباشر الذي يخاطب لا وعينا والذي يزرع فينا في وقت نكون فيه مستقطبين، صورًا وقوالب نمطية فيغير من استحساننا للأشياء، على أنغام الموسيقى التصويرية.

إن الاستهلاك في علم الاقتصاد يقابل الإنتاج، والمنتوجات على نوعين: سلع نراها ونلمسها ونتناقلها. توازيها خدمات، أفكار، أيديولوجيات وقوالب فكرية جاهزة لا نراها بالضرورة لكننا نستهلكها.

كيف تصنع الموضة؟

قد يتساءل أحدهم، ما الذي يجعلنا نقتني بعض الأثواب التي ما كان في حسباننا أنها كانت لتروق لنا يومًا من الأيام؟ وما الذي يجعل البعض الآخر من أنماط الأثواب التي كانت بالأمس القريب «قمة التأنق» يأفل نجمها فجأة فتضحى غير مرغوب بها؟

Cristiano Ronaldo: style icon.

Geplaatst door GiveMeSport op Dinsdag 31 januari 2017

صورة شهيرة لنجم ريال مدريد «كريستيانو رونالدو» مرتديًا سروال قدم الفيل bell-bottom trouser قديم الطراز.

 

الإجابة عن هذا السؤال ربما تكون: إنه الذوق، والأذواق لا تناقش. ولكن من هنا نجد أنفسنا أمام سؤال آخر: ما الذي يجعل الأذواق الإجمالية لكافة الناس تتغير بشكل جماعي، فجأة، أو بالأحرى من الذي يوجه أذواق الناس إلى نفس الوجهة؟

product placement advertising أو embedded marketing بالعربية: حشو المنتوج أو الإشهار المضمّن أو المضمر، وهو عبارة عن تقنية أو ممارسة ترويجية يحاول من خلالها المنتجون الدعاية لمنتوجاتهم من خلال الدفع لمخرجي الأفلام، الحصص التلفزيونية، مسيري الملاعب، اليوتيوبرز، أو غيرهم من المؤثرين influencers من أجل إدراج منتوجاتهم في برامجهم بطريقة غير مباشرة ومضمرة في الغالب.

ومنذ زمان بعيد كانت هذه التقنية تستعمل للف الناس حول سلعة معينة أو تعبئتهم بأفكار يريد لها أصحابها الرواج، وأذكر من ذلك قصة الشاعر الأموي ربيعة بن عامر التميمي ويدعى أيضًا الدارمي (نسبة إلى دارم أحد أجداده)، إذ يحكى أن تاجرًا يبيع خُمُرًا (جمع خمار) من العراق قد باع جميع خُمُره إلّا السوداء منها، فلجأ إلى الدارمي المشهور بالعبادة، والتنسك، فأمره أن يذيع في الناس هذه الأبيات:

 

قُلْ للمَليحَةِ في الخِمارِ الأسودِ  *** ماذا فَعَلتِ بِزاهِدٍ مُتَعبِّدِ

 

قَد كان شَمَّرَ للصلاةِ إزارَهُ  *** حَتى قَعَدتِ لَه بِبابِ المَسجدِ

 

رُدِّي عَلَيهِ صَلاتَهُ وصيامَهُ  *** لا تَقتُليهِ بِحَقِّ دِينِ مُحَمَّدِ

 

فشاع بين الناس أن ربيعة بن عامر قد ترك الزهد، وعشق صاحبة الخمار الأسود، لذلك تنافست النساء لشراء الخُمُر السود حتى نفدت من البائع.

بنفس الطريقة تصنع الموضة، وما تفعله الشاشات اليوم ليس مختلفًا عن ما فعله الدارمي. حيث تعمل على إحداث تلك العلاقة الوجدانية بين المنتج والمستهلك لتحقيق أمثل تموضع للمنتوج في ذهن المستهلك، ما يعرف بــــproduct positioning.

Product placement at its finest.Who can tell us more about the movie?

Geplaatst door ‎Feed me a book l أطعمني كتابا‎ op Zondag 13 augustus 2017

لقطة من فيلم Cast Away الشهير الذي أبدع في الترويج المضمن لشركة FedEx.

الأعمال التلفزيونية وصناعة الرأي العام

لقد لاحظت كيف أن مزاج ومواقف وحيز اهتمامات أحد أصدقائي كانت تتقلب بتغير المسلسل الذي يشاهده: فأجده متفانيًا في متابعة أخبار السيارات ولواحقها بعد مشاهدته فيلم Fast and furious، ثم يحول شديد الاعتناء بمظهره وشديد الإقبال على الطقوم وربطات العنق إثر مشاهدته لسلسلة Suits، ثم سرعان ما يصبح كل حديثه عن المال والثراء فأستنتج أنه يشاهد سلسلة Narcos التي تصور سيرة «بابلو إسكوبار»، وألمس في حديثه طعم فكر المؤامرة والعدمية أثناء فترة متابعته Mr. Robot.

وكما أن الاستهلاك يشمل السلع، فإنه كذلك يشمل الأفكار والمواقف. فالشاشة قادرة على أن تملي علينا مواقفنا السياسية وتصوراتنا القبلية ونحوها على حين غفلة منا، خاصة وأنها تعتبر المصدر الأول للمعلومات لدى الكثيرين، ومنها تتشكل ثقافتهم.

وكثيرًا ما يستعين الساسة بالشاشة لتحضير الجماهير لاستقبال حدث ما والتعاطي معه أو تطبيعه في مخيلتهم. ففيلم «روكي» لم يكن إلا برمجة للجماهير الأمريكية (والعالمية) بتفوق العنصر الأمريكي وغلبته وسطوته على نده الروسي أثناء ما يسمى بـ«الحرب الباردة».

وعلى نفس المنوال، تُكرِس وتُسوِق أعمال أخرى لمفاهيم وقناعات من قبيل: الموقف من المثلية الجنسية، ما يحدث في الشرق الأوسط، تفوق العنصر الغربي، تلميع صور بعض الشخصيات وفتح النار على شخصيات أخرى (فيلم إدوارد سنودن مثالًا) والترويج لمصطلحات ومشاريع سياسية، بما ينفذ إلى أذهان الجماهير دون علمهم في غالب الأحيان.

أبعد من ذلك.. التسويق العصبي

بلغت أساليب تسعير نزعات المستهلك الاستهلاكية حدًا متقدمًا، إذ إن علم التسويق العصبى (في الإنكليزية Neuromarketing) الذي يعتبر أحدث أساليب التسويق الحديثة للسيطرة على دماغ المستهلك والتعرف ليس فقط على ماذا يفكر المشتري أو يشعر، بل التوصل أيضًا إلى معرفة ماذا ينوي أن يفعل أو ماذا يريد.

خطاب TEDx التالي المعنون بــ«هل هناك زر شراء داخل الدماغ؟» يشرح ذلك بإسهاب (الترجمة إلى العربية أسفل الفيديو).

وبين أفكار تتصيدها مصفاة أفكارنا وأخرى تمر دونما رقابة منا، تبقى المراجعة والتفكر الملي والدائم في المألوف والمعروف هي صمام الأمان لمن أراد أن يتحكم في نزعته الاستهلاكية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد