ابحث عن وطن يحتوي شعبه، ابحث عن وطن لا يقتل ولا يجوع ولا يسجن ولا يعتقل ولا يسرق ولا يلقي بالكيماوي ولا يهدم ولا يسلب حقوقًا ولا يسلب دولة. تلك مجرد أحلام ممنوعة من العرض حتى في دور  السينما فهي تعتبر مشاهد خارجة عن المألوف. ابحث عن وطن لا يغتصب ولا يتحرش بالأطفال والنساء والرجال، ابحث عن وطن آمن، إلى متى سيظل الوضع لا يتغير لا يتحسن ما هي المصالح وراء كل هذا الوضع؟ أصبح أكبر بكثير ما كنت أتخيله وأتصوره فقد بدأنا باحتلال فلسطين والحربين العالميتين الأولى والثانية يتبعها حرب الخليج والعراق ولبنان والاستعمار الفرنسي والبريطاني وصولًا بالصمت العالمي ضد الطغيان والقتل حتى بدأ الأمر من جديد بالثورة التونسية، تتبعها المصرية فالسورية فاليمنية أو ما تسمى بثورات الربيع العربي، ولكن الأمر لم يقف بل استشهد ملايين من الأبرياء بسبب تمسك السلطات بالمقعد الرئاسي الذي يتوارثونه عبر التاريخ فأين الوطن؟

واليوم تفجيرات في مصر وكيماوي في سوريا وتدخل أمريكا من له المصلحة في القتل من له المصلحة في جميع تلك الأحداث السياسية.

«هل لدى حركات التغيير العربي – في ظل الهجمة الفكرية والسياسية والعسكرية التي تهدم بلدان المشرق، وتُسقط جغرافيتها السياسية – قدرات ومشاريع محددة لجمع الطيف الوطني واستعادة حذرة لا تكرر الأخطاء، وتضمن تعديل الموازين لربيع آخر؟»

مرة في عام 2007 أو 2008 مرّ عليّ صديق، وظللت أحدثه بحماس شديد عن قناعاتي، وبعد انتهائي قال لي «أنا رأيي إنك تصلّي على النبي وتخليك «فريش»، وأنا أنصحكم جميعًا أن تصلوا على النبي، وتخليكم «فريش»)!
هكذا، بمنتهى البساطة يُهال التراب على تاريخ جيل كامل بكلمة «فريش»!
وبغض النظر عن كينونة الإنسان الذي يتحلى بهذه الصفة (فريش)، وبغض النظر عن القناعات الحالية لهؤلاء المحترمين، ما زال السؤال يلاحقني (لماذا يتعامل هؤلاء الأصدقاء مع أي دعوة للاصطفاف بشكل (أجريسيف!) مبالغ فيه من التربص والعداء؟ لماذا لا يكونون «فريش» مع الذين يرون أن توحيد المختلفين ليس مستحيلًا. هو أمر صعب بلا شك، ولكنه ليس بمستحيل، وإذا كان هذا الأمر مستحيلًا فلماذا لا نتعامل معه بالمنطق الـ«فريش»؟
العنف الذي تمارسه الدول العربية ضد شعوبها، المستباحة تمامًا أمام وحشية جلاديها من دون أمل ومن دون حماية، يفعلون بها ما يشاؤون. جانب من هذه الاستباحة يفسره التواطؤ وغض النظر اللذين تحظى بهما هذه الدول في قمع شعوبها، خصوصًا من قِبل شقيقاتها قبل أي أحد آخر.
يبقى السؤال في ما يتعلق بالدولة العربية، كيف لنا أن نفسر كل عنف ووحشية الدولة العربية في تعاملها مع شعبها؟
من الأشياء اللافتة في هذا العنف الصلابة التي أظهرتها الجيوش العربية في مواجهة شعوبها، صلابة لم نشهدها في أي من حروبها الخارجية، التي طالما انتهت بكوارث عسكرية. فلو أظهر الجيش السوري من الصمود والجلد في مواجهة إسرائيل عُشر ما أظهره في حربه على شعبه، لما مني بتلك الهزائم. الشيء الوحيد الذي يفسر هذه الصلابة هو أن هذا الجيش يرى في شعبه عدوًا حقيقيًا وتهديدًا وجوديًا عليه، لم ير مثله في إسرائيل. الدولة العربية ترى في شعبها العدو الحقيقي وهذا ما يفسر مقدار هذا العنف، ولكن ما هذه الدولة التي ترى في شعبها عدوًا؟*

الدولة العربية، والتي أسماها ياسين الحاج صالح في دراسته لدولة الأسد بـ«الدولة السلطانية المحدثة»، هي دولة مملوكية بقدرات الدولة الحديثة، جامعة أسوأ ما في التقليدين من دون حسناتهما، لهذا يبدو عنفها منفلتًا وفريدًا. عدو العرب الأول ليس سوى دولهم.

إذن أين هي الدولة؟! وأين هو الوطن؟

*مقتبس من جريدة الحياة السعودية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد