مصر الفرعونية، مصر العربية، مصر المستعمرة الفرنسية، مصر المستعمرة البريطانية، مصر الاشتراكية، مصر الرأسمالية، مصر الإسلامية، مصر التي ما عادت تعرف ما هي!

تجول في رأسي مشاهد الفيلم التي تظهر فيها شخصية مدام سميحة، وهى جارة البطلة عايدة، التى مازلت تعيش على ذكرى مصر فى الخمسينات وأوائل الستينات، وتتحدث الفرنسية بطلاقة، وتحتفظ ببعض من وهج الماضي في صورة عقد ألماس رقيق تضعه دومًا في عنقها وبعض من فساتينها، مع الاحتفاظ بنعرة ارستقراطية تحيا فوق أنقاض المستعمر. ثم تمر مشاهد عايدة فى مخيلتي التي لا نراها تلبس إلا تنورات أو فساتين تصل إلى ما بعد الركبة بقليل، تبحث عن نفسها في مهنة التمثيل التي أحبتها منذ الصغر، وتبحث فيها عن هويتها وانتمائها، بل تحاول أن تجد لنفسها هدفًا ومسعى.

عايدة، الفتاة التي تمثل التوجه الليبرالي في الفيلم، هي وصديقها باسم، والتي نراها في أحد المشاهد تسلم عليه، وتضع قبلة أخوية على خده تحية له، وكذلك جارها الطالب الجامعي ياسين، الذي تعرفت عليه في ظرف غريب. تجول عايدة دومًا فى الشوارع وكأنها نغمة منفردة تجابه النغم السائد، تعلن بطريقة ملبسها اليومي، التي تختلف عن عموم المصريات، وتفكيرها نحو الفن كونه رسالة لا سلعة – أنها تكره النمطية والأفكار السائدة.

لكن ثمة شك يساورها دائمًا نراه في عينيها طوال الفيلم، لا نعرف أهذا بسبب عيشتها الصعبة بعد أن قررت الهروب من قريتها، أم بسبب طريقها الذي خاضته في الفن على يد معلمها مراد، الذي تصرخ فيه في أحد المشاهد قائلة: (تركتك تفعل بى ما بدا لك)، في نقاش حاد بينهم عن الفن والحب.

ثم في منتصف الطريق تظهر صديقة قديمة لعايدة قد اعتزلت التمثيل وتزوجت من رجل غني اشترط عليها أن تبتعد عن الفن وأهله. في سيارة الصديقة التي يقودها سائق، يدور حوار بين عايدة الصديقة التي التزمت الحجاب والمنزل وتفرغت لتربية أبنائها، تقول لها فيه إنها كانت تشعر وهي تمثل أن الجميع ينظر إلى جسدها نظرة شهوانية دنيئة، ويدعونها إلى خلع المزيد من الثياب؛ كي تصعد إلى سلم النجومية باسم الحرية. تتذكر الصديقة وهي تستغفر الله عن ما قامت به من أدوار في الماضي، وتلعن الفن. تنظر إليها عايدة في ذهول وتقول: (كنت بتحبى الفن يا هند!). تدعو الصديقة لعايدة بالهداية وتودعها بـ(لا إله إلا الله)؛ فتنظر لها عايدة ولا ترد، ثم تترجل من السيارة.

نرى في مشاهد الفيلم أشخاصًا يمثلون الحقب المختلفة في مصر، يندمجون في شارع واحد، يحيا فيه الجميع وسط تناقضات بين الدين والفن والأخلاق والعادات. يبحث الجيل الجديد – متمثلًا في ياسين – عن مخرج من خلال ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، لكن الحلم يتم وأده سريعًا في مشهد رمزي يقوم فيه مخبرو أجهزة الأمن بضرب ياسين ضربًا مبرحًا كاد يفضي به إلى الموت. ياسين لم يمت، بل عاش، عاش ولا ندري إن كان الحلم سيصحو فيه مجددًا؛ لكنه بدا مصرًا.

حاول الفيلم تجسيد أزمة الهوية المصرية في وقتنا الراهن من خلال مشاهد واقعية ومشاهد رمزية حتى يتمكن من الإلمام بموضوع صعب التناول من خلال جوانب عدة في فيلم سينمائي. ويظل السؤال من نحن وماذا نريد؟ هل يصعب على المصريين تحديد هويتهم؟ هل يتسبب هذا التيه في تشرذم المصريين وعدم اتحادهم على كلمة سواء؟

هناك من يريد مصر كما في الستينات، وهناك من يريد مصر فى ثوب ليبرالي على غرار الدول الأوروبية، وهناك من يريد تطبيق الشريعة الإسلامية، وهناك من لا يهتم بهذا ولا ذاك، بل يطمح إلى الترقي الفردي في السلم الاجتماعي. في وسط الأزمات الاقتصادية الطاحنة وتدني أخلاق المجتمع، يعيش الجميع يفتش عن هويته ويتحد مع الآخر الذي يمثله وينفر من المختلف معه، وإن كان هذا النفور نفورًا خارجيًا (يظهر في التصرف)، أو نفورًا داخليًا ( في الكره الذي يكنه كل واحد للآخر في القلب)، فإن المجتمع لا يجني إلا مزيدًا من الخلاف والاختلاف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد