من القصص الشعبية المعبرة في ألمانيا، قصة صغيرة تدور أحداثها حول أحد الآباء الذي يملك ولدين، أكبرهما عاقل وحكيم، والصغير غبي ومتسرع. في يوم من الأيام طلب الوالد من الابن الكبير أن يسلك طريقًا مخيفًا في وقت متأخر من الليل، إلا أن الولد رفض ذلك لأنه لا يريد أن يشعر بالقشعريرة ورجفة الخوف. كان صدى تلك الكلمات مؤثرًا في عقل ذلك الطفل الصغير الذي أصر بدوره على أن يجرب ذلك الشعور. كانت مشكلة الطفل الصغير أنه لا يشعر برجفة الخوف ولا بالقشعريرة، وأخذ يلح على والده بأن يساعده في تجربة هذا الإحساس، لكن الوالد رفض وأرسله إلى أحد الشماسين في الكنيسة لكي يعلمه ما يجب تعلمه، لكنه وبعد مرور بضعة أيام فقط، دفع ذلك الشماس من أعلى الكنيسة فتكسرت أرجله.

حاول الفتى مرة أخرى أن يشبع غرائزه التي تحثه كل يوم على البحث عن مغامرة جديدة قد تجعله يجرب ذلك الشعور في يوم من الأيام، لكن دون أي فائدة تذكر.
سمع ذلك الشاب ذات يوم بأن الملك سيزوج ابنته لمن يستطيع أن يبيت في القلعة المهجورة لمدة ثلاث ليال والعودة بالكنز المدفون داخلها. فذهب ذلك الفتى إلى الملك يستأذنه في فعل ذلك، لكن الملك أخبره بأن القلعة القديمة مسكونة بالأرواح الشريرة، والتي ما إن دخلها أحدهم إلا وقتلوه ونكلوا به ورموه خارج القلعة، لكن الفتى أصر على خوض غمار هذه التجربة.

أخذ الفتى ما يلزمه من أشياء وأدوات ودخل إلى تلك القلعة المخيفة بكل ثقة، وعاد بعد ثلاثة أيام وهو يحمل في يده ذلك الكنز المدفون في القلعة، لقد استطاع الفتى التغلب على كل تلك الأرواح الشريرة والظفر بالكنز، فقرر الملك أخيرًا أن يزوجه ابنته. لكن الفتى لم يكن راضيًا عن نفسه، لأن تلك التجربة كانت بسيطة جدًّا، ولم تكن كافية لكي يشعر بالقشعريرة والخوف، وأصبح ذلك الحلم غير قابل للتحقيق.

هنا تتدخل الخادمة الحكيمة، فتذهب إلى الجدول وتملأ دلوًا كبيرًا بالماء البارد وتسكبه على جسد ذلك الفتى، فأصبح الفتى يرتعد ويشعر بالقشعريرة من شدة ذلك الماء البارد.
تسمى هذه القصة الشعبية بـ«الفتى الباحث عن الخوف»، فلقد استطاع الألمان قديمًا أن يدركوا أن هذه الخاصية ما هي إلا وهم ينخر معتقداتك ويجعلك عرضة للاستغلال. وبإسقاط ذلك على الواقع المعاش، نجد أن الخوف جرى استغلاله من كل السلطات، سواء كانت سياسية، اقتصادية أو دينية، فالخوف بالنسبة لهذا الثالوث يمثل خاصية حتمية الوجود وجب إيجادها وغرسها في حالة غيابها.

فنجد أن السلطة السياسية تستغل الخوف الذي تغرسه في نفوس شعوبها لمصلحتها الخاصة، فتميل إلى استغلال تلك الفزاعة قصد تغيير الرأي العام وذر الرماد على العيون، فيجري تحييد الشعوب عن تقرير مصيرها والتوجه إلى حماية أنفسهم من الخوف الوهمي الذي يداهمهم.

أما بالنسبة للاقتصاد فالأمر سيان، الخوف من المجاعة، الخوف من الهجرة، الخوف من انعدام المواد الأولية، يعد بمثابة غريزة إنسانية مصبوغة، ففي أول أزمة اقتصادية تهرع الشعوب ـ غير واعية بما تفعله ـ إلى شراء وتخزين الحنطة خوفًا من انقطاعها وزوالها.

أما في الجانب الديني، فيكاد الأمر يكون كارثيًّا، فالسلطة الدينية تستغل الخوف بطريقة تجعل الشعوب كتلة من الغباء تتآمر فيما بينها خدمة للسياسة وخوفًا من الكفر، فأصبح الدين، أداة يجري تحريكها لأدلجة الدولة واتساع فوهة الخوف التي تهوي بالشعوب.

فالطفل الصغير منا ينشأ ويكبر على الخوف، وأكثر كلمة تراوده في صغره وتكبر معه :«إن الله سيحرقك»، ثم تكبر معه عقدة الخوف من الذنب، ثم يعلم أن هناك جحيمًًا وسعيرًا ولواحة للبشر عليها تسعة عشر، ثم يسمع عن عذاب القبر وسؤال المنكر والنكير، ثم يعرف بعدها أنه سينتظر ألف سنة لكي يحاسب في أرض تكون حرارتها أشد من حرارة الشمس بآلاف المرات، ويكون عليه أن يمشي على الصراط المستقيم، فان سقط فهو هالك وإن نجح في تجاوزه فهو آمن.

هنا يأتي دور السلطة الدينية التي تستغل هذا الخوف للمصالح السياسية، فتخبرهم بأن الجهاد والاستشهاد في سبيل الدولة، هو طريق مختصر سيعفيك ويكف عنك كل هذه المراحل التي سبق ذكرها. فتجده يسرع مهرولًا لقتل نفسه أو تفجير نفسه وقتل الآخرين، لا في سبيل الله وإنما في سبيل الدولة ومصالحها الداخلية أو الخارجية، وذلك قصد ردع ذلك الخوف، وقتل تلك المراحل المخيفة والذهاب مباشرة إلى جنة الخلد مع الصديقين والشهداء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد