وكأنني أبحث عن إبرة في كومة قش، هكذا يبدو الزمن أمام من يحاول اصطياد فرصة تحمل في داخلها تفاصيل مشفَّرة ربما تكشف ما يخبئه الرماد المتراكم في الشوارع وعلى الجباه والعيون. هناك الكثير من أسياد الخديعة يسحقون الحكايات المتشابكة مع الاغاني والوجوه التي لن تجد في الحياة العراقية، إلا رحلة تحدي اقتفاء لمسيرة جدهم (جلجامش).

 

من السهولة أن تختفي الأدلة والقرائن لتبقى الحياة مستعارة من أسمال وشبهات على أيدي أولئك الأسياد، على أية حال سيعجز الباحثون عن الضوء في رحلتهم، إلا أنهم سيأخذون قسطًا من الراحة قبل أن يكتبوا الفصل القادم.

 

منذ فترة ليست بالقصيرة هناك أحاديث تدور بين أوساط الصحافيين والإعلاميين ــ لكنها تبقى في حدود الشائعات لا أكثر ـ حول الدور الذي يلعبه في العراق (معهد صحافة الحرب والسلام.. صحافة حقوق الإنسان)، عادة ما توصم عمله بالاستخباراتي، أكثر منه عمل صحافي، شخصيًا لا أملك دليلًا يؤكد هذا الدور المزعوم، رغم أن معظم الذين تخرجوا منه، وبينهم أسماء بارزة كانت الفرصة دائمًا أمامهم سانحة لكي يتصدروا المشهد طيلة الأعوام الخمسة عشر الماضية، وهذا بلا شك لا ينتقص من موهبتهم وقدراتهم المهنية.

 

جاء تأسيس المعهد بعد العام 2003 بدعم من السفارة البريطانية في بغداد، وانضم عديد من الشباب في دورات تدريبية أقامها حول كيفية جمع المعلومات وكتابة التقارير الصحافية تحت إشراف خبراء دوليين أجانب، تُرسل في ما بعد إلى لندن لتتحول إلى موضوعات صحافية مترجمة تدور عن الأوضاع في العراق.

 

 

وأنت تمضي في مسالك البحث محاطًا بزجاج مضبَّب يمنع عنك الرؤية بوضوح لا تستطيع أن تمر عابرًا امام المصير الذي انتهى إليه عدد من الذين تولوا مسؤولية إدارته.

عمّار الشابندر كان أول مدير لمكتب المعهد في بغداد ذهب ضحية تفجير انتحاري بسيارة مفخخة شهدتها منطقة الكرادة وسط العاصمة العراقية في شهر مايو (أيار) عام 2015.

جاكي ساتون الصحافية البريطانية ومديرة المعهد انتهت حياتها بطريقة غامضة لم تعرف تفاصيلها حتى هذه اللحظة عندما وجدت مقتولة في شهر تشرين الأول عام 2015 داخل حمام عام في مطار إسطنبول، وكأن نهايتها هذه رسمت لوحة تجريدية عن المعهد يصعب الوصول إلى تفسير لدلالاتها.

الصحافية سحر الحيدري التي سبق أن تخرجت من أولى دورات المعهد التي أقامها في بغداد بعد تأسيسه عام 2004 تم اغتيالها عام 2007 على يد جماعات إرهابية مسلحة في مدينة الموصل، وكان حدث اغتيالها بمثابة رصاصة أولى أطلقت في ساعة بدت فيها سماء البلاد تنقشع عنها بوقت مبكر غمامة الغيبوبة ليكتشف العراقيون فيها أن سقوط تمثال صدام حسين لم يكن موعدًا مؤطرًا بالشمس والأمطار والوعود الدافئة بقدر ما كان سقوطًا للحلم في لحظة عبث وجنون.


وسط ما يعصف بنا من أحداث جسام كانت ومازالت تهدد أمن وحياة العراقيين، لم يكن هذا الموضوع يأخذ منيّ حيزًا كبيرًا من الاهتمام طيلة الأعوام الماضية، إلا أن صديقًا شابًا لديه طموح كبير في أن يدخل عالم الصحافة دفعه طموحه إلى أن يطلب استشارتي حول رغبته في الدخول إلى إحدى الدورات التي يقيمها المعهد، سؤاله أيقظ في داخلي دوامة من أسئلة أخرى حول ما طرأ على المشهد العام من عناوين ولافتات لمنظمات ومؤسسات ومراكز إعلامية وصحافية كثيرة أضافت معدلات جديدة من العتمة والتعتيم إلى حلزونية أيامنا طالما لا أحد يستدل على الجهات التي تقف خلف تمويلها.

من ناحيتي لم أستطع أن أقدم لصديقي رأيًا قاطعًا؛ لأنني لا أملك معلومات دقيقة باستثناء الشائعات التي تدور حول دور المعهد وارتباطه بالخارجية البريطانية… إلخ، هذا الكلام غير المُسند بوثيقة تؤكد صحته، وهذا ما دفعني إلى البحث عن إجابة شافية تنير الطريق أمامه.


هشاشة أجهزة الدولة الأمنية واختراقها من قبل عناصر وجهات مختلفة أولها الميليشيات الطائفية التي تتلقى دعمًا من إيران وآخرها استخبارات دول الجوار، كان لهذه العوامل أثر واضح في أن تضيع المعلومة الصحيحة وسط هذه الفوضى، وأن يسقط العديد من الأبرياء من العاملين في الوسط الصحافي والإعلامي بتهم باطلة، بنفس الوقت أصبحت الفرصة متاحة في أن تتصدر واجهة المشهد أسماء يسجل عليها الكثير من علامات الاستفهام والشبهات، خاصة وأن شماعة الحرب على الإرهاب والجماعات المتطرفة الإسلاموية (السنيّة) أمست المعيار الذي يتم من خلالها تصنيف الأصوات والأقلام، ولم يكن ممكنًا في مثل هذا الظرف الملتبس الوقوف في منطقة الموضوعية، وأنت تكتب عن انتهاكات واختراقات وجرائم ترتكب هنا وهناك باسم هذه الحرب، بذلك أصبح اللون الرمادي يغلف الكلمات، ولم يكن أمرًا مدهشًا أن تتحطم اللغة بضراوتها وصراحتها لتستحيل إلى بخور وتوابل تنثرُ بخوف وإسراف حول أصنام وتماثيل لزعماء يقفون عند كل تقاطع وهُم يرفعون رايات طوائفهم.

 

منذ تاريخ صدور أول صحيفة عراقية (جورنال عراق) في السنة الأولى من حكم الوالي داود باشا عام 1816 في بغداد، لم تشهد ساحة العمل الصحافي توسعًا وانفتاحًا هائلًا بعد الذي حصل عام 2003، وقد جاء ذلك بعد عقود من هيمنة الصحافة الرسمية والحزبية التابعة للأنظمة الحاكمة. وكان لهذا المتغير دور كبير في انخراط اعداد من الشباب بسوح العمل الصحافي، الكثير منهم لم يكن يملك الموهبة، ولا الإمكانات التي تساعده في أن يكون مؤهلًا لهذه المهنة التي تحتاج إلى الكثير من العوامل الأساسية قبل أن يقتحموها، ومع ذلك أصبحنا أمام واقع جديد لامفر من التعامل معه، وبقدر ما يحمل من إشارات محبطة نتيجة شيوع المُزيَّف والمزوَّر والمحرَّف والمُفبرك، سواء في الصحافة الورقية أو المواقع الإلكترونية، إلا أنه قدم لنا مصادر مختلفة ومتنوعة للمعلومة والخبر، بنفس الوقت لم يحصل جراء ذاك التحول الكمّي ما يرفع من الصحافة العراقية إلى مراتب متقدمة يفضي بها الى تتنافس على الأقل مع ما وصلت إليه الصحافة في بعض الدول العربية.

 

دعمًا لصديقي الصحافي الشاب، ولأجل الوصول إلى المعلومة الدقيقة اتصلت بمن أعرفهم من الأصدقاء والزملاء راجيًا منهم أن يتكرموا علينا بما يملكونه من معلومات صحيحة عن المعهد حتى نصل إلى عملية فرز لكل ما يدور من أحاديث وشائعات حوله وحول الأسماء التي تعمل فيه أو التي تخرّجت منه، لكن كل ما ورد إليّ لم يكن ممكنًا أن يوضع في دائرة المؤكد، وهذا ينسجم تمامًا مع سياق المشهد العام الذي أصابه الكثير من الغموض والشائعات.

 

سيكون من الصعب على أي صحافي مهني أن يعمل في مثل هذه البيئة المحفوفة بالمخاطر، إلا إذا كان يحمل روحه على كفه، أو سيكون مضطرًا للتوقف عن العمل أو مغادرة البلاد أو الانخراط في جوقة المساهمين في سيرك التزييف.

 

إنها محنةُ بلدٍ فقد القدرة على أن يحافظ على سيادته، قبل أن تكون محنة الصحافة والصحافيين، بعد أن أصبح مثل سفينة تهرّأ شراعها، بينما تتقاذفها الأمواج العاتية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

قكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد