لا يخفى علينا أنّ السياق التاريخي في العصر الحديث، ساهم في تفوّق دول على أخرى في مجال البحث العلمي، وهو الأمر الذي انعكس بصفة تدريجيّة على الرخاء الأمني، والتقدّم الاقتصادي، والسلم الاجتماعي. إنّ هذا ليس وليد اللحظة، بل جاء بفضل النهضة الأوروبيّة التي أيقظت تلك الدول من غيبوبتها، التي أظلت بظلالها قرونًا كثيرة.

هذا التطور الرهيب والمتسارع، جعلها تسبق من جاورها من الأمم الأخرى باختلافها .لم تكن مجرّد استفاقة علميّة فحسب، بل تجاوزت النظرة للبحث العلمي كمجال من مجالات الحياة إلى هدف حتميّ وقوميّ، يرافقهم ليبقوا في الطليعة، هذا ما جعل ببساطة الأمن القومي يرتبط بالبحث العلمي ارتباطًا وثيقًا، إذ يساهم في بناء المجتمعات على أسس متينة تتحدّى الصعوبات التي تعترضها. فهل وفقّنا كأمّة عربيّة دولًا وأفرادًا في فهم العلاقة بين الأمن القومي العربي والبحث العلمي؟ و ما هو المطلوب من أجل تجسيدها فعليًّا خاصّة وأنّنا في عالم مضطرب لا يعترف إلاّ بالقويّ؟

في البداية، يمكن أن نعرّف باقتضاب البحث العلمي باعتباره نشاط علمي يهدف لكشف الحقائق بالاعتماد على مناهج موضوعيّة، أمّا الأمن القومي فيعتبر مصطلحًا حديثًا جدًّا، جاء نتيجة التطوّر على مستوى المصطلحات السياسيّة يعني كلّ ما يتعلق بأمن الدولة في كل مكوناتها الشعبية والدستورية والمؤسساتية، واستقلالها اقتصاديًّا وأمنيًّا عن الدول الأخرى، أي بصيغة أخرى يمكن أن نختصر هذا المفهوم في كلمتين: الأمن الشامل الذي يهتمّ بكلّ المجالات.

لن نستطيع أن نفهم أهميّة البحث العلمي، إلاّ من خلال دراسة الظروف التي وجد فيها نموّه، حيث عملت ما تعرف بالدول المتقدّمة، رغم أنّي لا أؤمن بهذا المفهوم الذي في حد ذاته يعبّر عن غياب المساواة، التي بشّر بها روّاد الديمقراطيّة الغربيّة، يجب أن لا ننكر مساهمة البحوث العلميّة، والتشجيع على المبادرة في رسم ملامح الأسبقيّة لدول مهمّة اليوم في العالم، بل تعتلي عرش الدول التي تقود وتأثّر في الآخريـن، وتتوغل فيهم تحت مسميات عديدة، نذكر كمثال الولايات المتحّدة الأمريكيّة التي تعتبر الأضخم من حيث حجم الأموال بتخصيص433000000000 دولار للبحث العلمي والتطوير عام 2013، وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها عام 2015، إذ ساهم هذا الاهتمام المكثّف في الازدهار الكبير على مستويات عديدة كالمجال العسكري، والبنية التحتيّة، ووسائل النقل، والأبحاث المتعلّقة بالفضاء، و…

كما يجب علينا أنّ لا نغفل عن ذكر الذراع العسكريّة لأمريكا في المنطقة، ألا وهي إسرائيل، حيث جاءت في مقدمة البلدان الأكثر إنفاقًا على البحث والتطوير، لتصل نسبة إجمالي الإنفاق إلى 3.93% من إجمالي ناتجها المحلي والمقدر بـ304.2 بليون دولار.

لا شكّ أنّ هذا يساهم في خدمة مشروعها التوسعي، والحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، خاصّة أنّها لا تثق في أحد حولها. كما ذكرت بلدان أخرى كفنلندا، والسويد، وألمانيا، و… إلخ، وهو ما انعكس مباشرة على الواقع الفكري، الثقافي، العلمي، الاقتصادي… في تلك الدول عمومًا.

إنّ هذه الدول المذكورة، خاصّة إسرائيل تتمتع بوعي كبير على مستوى الأمن القومي، واعتباره خطًّا أحمر لا يقبل التفاوض. في المقابل، ما زال وعينا بهذا الأمر ضعيفًا، فيجب أنّ ندرس المشكلة من نواحٍ عديدة أبرزها: مشكلة الوعي الفردي، إذ تولّد عند الإنسان العربي ما يمكن تسميته الضغط على الجرح للإشارة للآلام، وعدم السعي لعلاجه. هذه المشكلة العويصة المرتبطة بالذات خصوصًا، لم تأت من فراغ، ولا من عجز في العقل العربي، بل في غياب أو اندثار ثقافة المبادرة الفرديّة، التي تنطلق من الشعور بالمسؤوليّة. من المفترض أن تكون المبادرة متجذرة في الطبيعة الإنسانيّة، أمّا غيابها فهو مسألة معقدّة تحتاج لوقت لكي تعود، خاصّة أنّ عالمنا العربي يزخر بأصحاب النفس العالي في الابتكار، والبحث في تقديم الجديد، الذي لم يصله حتّى من توفّرت له مقوّمات متقدّمة.

من المشاكل التي ساهمت في التيه الذي سيطر على الكثير من الشباب، يتجلّى بالأساس في النظرة المسبقة حول احتكار البحث العلمي، وكأنّه خاص بفئة معيّنة وضيّقة. هذه النظرة الخاطئة جعلت العوائق كثيرة أمام الشبّان في الإبداع، وطبيعة لذلك أصبح هذا الشعور يسود الدولة والأفراد على حدّ سواء. فقد انحصر هذا المجال في فئة ضيّقة، جعل الأمر عندها روتينيًّا وليس إبداعيًّا. بما أنّ الآخر قد فهم المسألة كيف تركّب، فقد سعى منذ البداية لاستقطاب العقول العربيّة بحكم أنّها الأبرز في مسار الحضارة الإنسانيّة، ولقد نجح في هذا الأمر، إذ وجدت الدول الغربيّة الأرض الخصبة لنجاح هذا الاستقطاب الكبير، المتمثلة في الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمرّ بها أصحاب العقول في بيئتهم الأصليّة. رغم أنّ هذا ليس عذرًا في التخلّي عن الوطن الذي يربّي ويدرّس. المصيبة أنّ كفاءاتنا لم نعد قادرين على الاستفادة منها، بل أصبحت ملك يخصّ الغير، يحتفي بهم الكثير في الوطن العربي لمجرّد ذكر اسمهم، لكنهم ذهبوا لينفعوا الآخر، ويزيدوه مئة سنة ضوئية من التطوّر. وفي المقابل نبقى نحن أسرى لعتبة التخلّف الذي يسعى الآخر بكل قواه، كي لا نتمتّع بخيراتنا باعتبارنا أهل للعلم الحديث الذي غيّر وجه الحضارة. لقد ساهمت هجرة العقول بشكل رئيسي في ضعف مجتمعاتنا، والتضحيات الجسام للآباء والمربّين، وخسارة مجهودات الدولة التي ورغم ضعف دعمها، إلا أنّه لا يمكن إنكار دورها المهم.

إنّ صراع البحث العلمي في سبيل بناء الدول على أسس عصريّة ومتينة تتحدّى كلّ التغيّرات، صراع طويل وشاق فقدت فيه الدول الكثير، وما زالت تفقد يومًا بعد يوم. إنّنا ما زلنا ندفع ثمن التفكير والسعي إلى التطوير، سواء عن طريق حروب الخفاء، أو عن طريق العوائق التي يضعها أمامنا القاصي والداني، من أجل أن نبقى دائمًا بؤرة صراع لا مناخ للعلم والعلماء.

لهذا فالعلاقة بين البحث العلمي، والأمن القومي العربي، تجعلنا نفكّر في أبرز الخطوات التي يجب أن نقوم بها، من أجل تعزيز هذه العلاقة، وعدم إرساء العوائق بينهما.

يجدر القول إنّ أبرز المتطلبّات في الوقت الحالي، تتمثّل في وعي الدولة، ومحاولة تركيزها على دعم البحث العلمي كأولويّة، الذي بدوره سيطوّر القطاع العسكري، والمدني على حد سواء، ويعود بالنفع على الجميع دون استثناء. إضافة إلى ذلك يجب إرساء التعاون بين مؤسسات الدولة كافّة، أي الوزارات المعنيّة بكلّ قطاع والمراكز البحثيّة وإن قلّ عددها.

إنّ أيّ شيء يجب أن يتجسّد في الواقع، لا بدّ أن يمرّ بالمواطن قبل كلّ شيء، الطبيعة القاسية لها جانب إيجابيّ لأنّها تخلق الإنسان المفكّر والباحث عن حلول. لهذا يملك الكثير من النّاس، عديد الأفكار والتساؤلات التي من الممكن أن تقودنا إلى طفرة نوعيّة، وتحوّل جذري يساهم في ازدهار الأمّة العربيّة ويقودها إلى الرفاه، ممّا يضمن قوّة سياسيّة للدولة تساهم في النموّ الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي.

أقترح ككاتب عربيّ ومتسائل مثلي مثل غيري من الناس بعد تفكير عميق، أن يتمّ إنشاء مراكز للمشاركة في البحث، تحتضن كلّ من لديه فكرة علميّة مهما كانت بساطتها، يمكن أن نسمّيها مثلًا «مجلس المشاركة الاستراتيجية والتنمية»، يتمّ دراستها من قبل خبراء يتمّ تعيينهم لهذه الوظيفة. يكون هذا التجمّع موجود في كلّ إقليم، يحبّذ أن يكون في كلّ منطقة بصفة تدريجيّة حسب الإمكانات المسخرة والموجودة، على أن تترأسها المبادرة الحرّة بغير تدخّل في مضمونها، فكلّ فكرة يسخر منها الناس في البداية، تبرز عظمتها فيما بعد. هذا المشروع الذي يساهم في تطوير الحياة العامّة، وبالتالي إرساء أمن قومي صامد في وجه التحديدات.

ما يجب تأكيده بالأساس هو ضرورة توفّر الجديّة المطلقة في تناول موضوع البحث العلمي كقضيّة وطنيّة وقوميّة، فهذا الاهتمام وإن كان مبالغًا فيه كما يراه البعض، يجب أن يملأ عقولنا وقلوبنا، ليساهم في إنشاء مجتمعات منسجمة مهما كانت درجة الاختلاف فيما بينها، هذا ما يجعلنا كدول عربيّة، مؤسسات وأفراد نواجه به الإرهاب المعولم، الذي يستهدفنا على جميع الأصعدة، ويحاول تطويقنا تطويقًا شاملًا، خدمة لقوى إقليميّة لها مشاريع حاقدة منذ فجر التاريخ.

إنّ هذا التجمّع الفكري الذي ذكرته بين مكوّنات الأمّة على مستوى وطني أو إقليمي، الذي يجمع كلّ من له نفس البحث، الاستكشاف والابتكار، يهدف إلى خلق وازع نفسي قويّ ومتين، يمكّن من إرساء الثقة بين المواطن والدولة من ناحية، و بين المواطن وقدرته على المشاركة الإيجابيّة في مجتمعه من ناحية أخرى. بعيدًا عن الشعور السلبي الذي يسيطر على الإنسان العربي، وللأسف يتعايش معه إلى أن يموت، هذا الشعور يمزقه من الداخل، وفي نفس الوقت لا يحركه لفعل شيء، بل يجعله معوّلًا على الغير، أو ينتظر معونة الدول المتغطرسة التي تتربّع على عرش العالم اليوم.

لا يجب أن ننتظر دومًا الآخرين أن يكونوا هم أصحاب المبادرة، بل يجب أن نصنعها نحن، ولا يفوتني أن أذكر مثالًا على الفوارق التي تصنعها دول متطوّرة بالمقارنة مع دول أخرى، حيث يتمّ نقل تكنولوجيا معيّنة بعد سنوات وعهود من التفاوض المرير، حتى يتمّ في الأخير نقلها والآخر قد تجاوز تلك التكنولوجيا بسنوات كثيرة. ممّا يجعل التوازن منعدمًا بين الدول. لهذا أرى أنّ الأمن القومي العربي يقوى بقدر ما نفكر بعقولنا ونصنع بأيدينا لا بعقول وأيدي الآخرين الذين تختلف أولياتهم عن أولياتنا، ومصالحهم عن مصالحنا.

إنّ البحث العلمي يجب أن يكون تربية في الحياة منذ التنشئة الأولى، وهدفًا مدرسيًّا قبل أن يكون جامعيًّا، حتّى يكون للأمن القومي معنى.

إنّ الفرد يساوي عشرة أفراد أحيانًا، وعشرة أفراد لا يساوون فردًا واحدًا، تلك هي أهميّة البحث العلمي، فالعبرة بكثرة الأفكار والمقترحات المنطقيّة والعمليّة، مهما يقلّل من شأنها الكثير من الناس، ولا بكثرة الأفراد، ولا يستطيعون أحيانًا إنتاج فكرة واحدة نافعة. يجب أن نهتمّ حقيقة بالجودة لا بالكميّة، خاصّة عندما نربّي الناشئة والمجتمع عمومًا، على استحضار قصص الناجحين والصعوبات التي مرّوا بها، حتّى نبعث في نفوسهم الأمل لغد أجمل. يجب إرساء المنهج العلمي والعملي في الطّفل ليعي بأهميّة المسؤوليّة الفرديّة قبل المسؤوليّة المجتمعيّة، فلو كلّ شخص أضاء شمعة لعمّنا النور كلّنا، وقس على ذلك.

لا شكّ أنّ هذا يصبّ في مصلحة التعليم كمنظومة، والتربية كأساس تبنى عليه الأجيال لتكون مسؤولة. إنّ العلاقة الوثيقة بين البحث العلمي كمجال، والأمن القومي كهدف لا يجب أن يجعلنا نقلّل من الصراع القائم الآن بين الدول، رغم أنّ العلم والمعرفة تسبق امتلاك السلاح. فهل يأتي اليوم الذي نعي فيه حقيقة أنّ أمننا القومي في خطر لم يعرف له مثيل منذ عهود سابقة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد