منذ أيّام كنت أتصفح صفحتي الرئيسية على فيس بوك، وشدّ انتباهي إعلان عند أحد المشاهير الذين أتابعهم، والذي يحظى بشهرة ومتابعة كبيرة، يُعلن فيه عن محاضرة مجانية له بعنوان «حدّد هدفك».

هذا العنوان من العناوين التي تجذب انتباه الكثيرين، وربما لو استخدمته عنوانًا لمقالتي لزارها الكثير ممن يراها، فالتشتت وغياب الرؤية والتوهان في الحياة مشكلة أساسية من المشكلات التي تواجه الشباب بشكل خاص، والمجتمع بشكل عام، حيث العشوائية والتخبّط هما سيدا الموقف دائمًا.

فأنت إذا لم تعرف وجهتك والطريق الذي عليك أن تسلكه فكل الطرق ستفي بالغرض؛ لأنك بالتأكيد لن تصل إلى شيء، كتائهٍ في الصحراء ليس معه بوصلة فيظن أنه يسير في طريق مستقيم، ولكن يجد نفسه يعود إلى نفس الموضع الذي بدأ منه، إلى أن ينتهي زاده فلا يجد إلّا الهلاك.

ولكن الشخص الذي يعرف هدفه ستراه يتحرك بسرعة البرق نحوه مجتازًا كل العقبات التي تواجهه في الطريق، وينتقل من هدفٍ إلى الآخر بلا كللٍ أو ملل، متفوقًا على كل أقرانه ممن لا يمتلكون هذه المهارة التي تسمى تحديد الأهداف، وإنها لمهارة مهمة حقًّا.

قد تظن من كلامي السابق أنني طالما ذكرتُ أهمية الأهداف من الحياة -بغض النظر عن الصورة الركيكة التي قلت بها ذلك فالمضمون هو الأهم- فإنك ستجد في هذا المقال توضيحًا لسمات الأهداف، أو الكيفية التي يمكنك بها أن تحدد هذه الأهداف وتسعى لتحقيقها.

ولكنني لا أحسن الحديث عن هذا، ربما يكفيك حضور محاضرة بعنوان المحاضرة التي ذكرت بالأعلى، أو قراءة كتاب أو مقال يتحدث عن نفس الموضوع، فستجد فيه بُغيتك. ولكنّي هنا سأتحدث عن شيء آخر، لفت انتباهي لحظة أن رأيت عنوان المحاضرة التي ذكرت بالأعلى مكتوبًا باللغة الإنجليزية: Define Your Life.

منذ رأيت هذا العنوان ولم أتوقف عن التساؤل عن المعنى المقصود بهذا العنوان، هل تحديد الأهداف سيوصلنا إلى تحديد حياتنا؟ وماذا يعني تحديد الحياة بالأساس؟ ولكن هذه الأسئلة الوجودية لن تعدو أن تكون سفسطة فارغة خالية من أي مضمون إذا ما قارنّاها بالتساؤل الآتي: هل يمكننا اختصار حياتنا في مجموع الأهداف التي نسعى إليها؟

مشروع الزواج هو مصطلح غاية في الشيوع بيننا عند الحديث عن الزواج، ولن أكون مخطئًا إن زعمت أنه الكلمة الأكثر تداولًا عند تعبير أحدهم عن رغبته في الإقدام على هذه الخطوة، من مشروع للخِطبة، إلى مشروع عريس أو مشروع عروسة، انتهاءً بمشروع الزواج، والذي يتمّ وصفه في النهاية بأنه مشروع ناجح أو مشروع فاشل، كسائر المشاريع التي يمكن للمرء أن ينشئها في حياته.

لا أعترض بالتأكيد على الكلمة فلا مشاحّة في الاصطلاح، ولكن اعتراضي على المعنى الذي سيتطرق إلى أذهاننا عند استخدامنا لهذه الكلمة:

هو مشروع، وطالما أنه مشروع فدخوله يعني أن علينا أن نُخضعه لحسابات المشاريع المختلفة، من العائد المتوقّع من هذا المشروع، وتكاليف الدخول فيه، والخسائر المتوقعة في حالة الفشل، وبالتأكيد الخطة البديلة في حال عدم نجاح الخطة الأولى. وبعد ذلك نتساءل عن السبب وراء انهيار مثل هذه المشاريع بسبب الاختلاف على السجّاد أو الستائر، أو نوع السيّارة التي ستقِّل العروس إلى مقرّ الشركة؛ أقصد عش الزوجية بالتأكيد!

أظن أنك الآن تتساءل عن العلاقة بين المثالين المذكورين بالأعلى، فالأول يتحدث عن صناعة الأهداف، والثاني يتحدث عن الزواج. ويا ليتني قد أنهيت أحدهما وما يتعلق به من أسئلة قبل الانتقال إلى الحديث عن الآخر. العلاقة بينهما هي نفس العلاقة بين المادة، والروح. بالتأكيد لا أريد تعقيد الأمور أكثر، ولكن تابِع معي قليلًا فربما استطعت إيجاز الفكرة ومنحها مزيدًا من التوضيح.

ما يُميّز الإنسان أنه مكوّن من جسد «مادة» وروح، كلٌّ منهما يضفي أثره بصورة ما على هذا الإنسان، فتراه يبحث عن المعنى في الدين، وينشد الراحة في الفن والموسيقى، وتراه أيضًا يجمع الأموال ويُنشئ العقارات، ويبحث عن وسائل للاستمتاع في حياته، الاستمتاع الجسدي «المادي» بالتأكيد.

ويحدث البلاء الأكبر عند إنكار هذه الثنائية التي تميّز الإنسان، وبالتأكيد تكون الروح هي محلّ الإنكار، فلا يُرى لها أي وجود أو تأثير، وبالتالي تكون المعايير المادية والأوصاف المادية فقط هي سيدة الموقف، حتى في الحديث عن الأشياء التي لا يُمكن وصفها سوى بأنها «معنى» فقط، مثل الحياة.

كلمة هدف هي أكبر ممثل للمادة، وكلمة حياة هي أكبر ممثل للروح، وعند الحديث عن هذا المعنى بالمعايير المادية يعني أننا –وعينا ذلك أم لم نعِ- نُنكر هذا الوجود الروحي، وننكر كل ما هو مُتعلق بالمعنى، وبالتالي تصير كلمة الإنسان كلمة بلا معنى، وأي حديث عنها يكون حديثًا عن الجزء المادي منها فقط، تمامًا كوصف الزواج بأنه مشروع أو صفقة، لا علاقة روحية مقدّسة وصفها القرآن بالميثاق الغليظ!

قد لا ترى مشكلة في ذلك، ولكنّك سُتدرك المشكلة الحقيقية حين ترى هؤلاء الذين حدثونا كثيرًا عن الأهداف والإنجازات وهم في حالة تيه شديد، يبحثون عن المعنى في شتّى بقاع الأرض، وشتى الوسائل الممكنة، فرائد الأعمال هذا يُحدّثك عن رحلته إلى جبال الهند، وجلسات التأمل التى ساعدته على استعادة نفسه من جديد. وتجد الآخر يهروِل بحثًا بين الأبحاث والكتب عن وجود أشياء «مادية» في تكويننا البيولوجي مسئولة عن أشياء مثل البصيرة أو الحدس، ومراكز الطاقة المختلفة، والعين الثالثة، وأشياء من هذا القبيل!

ستجد مثل هذه الأشياء كثيرًا في أحاديث من يُطلق عليهم الناجحون في الحياة، وما هي إلا محاولات يائسة للبحث عن المعنى في عالم مادي أنكر للروح وجودًا.

حاولت أن أذيّل مقالاتي بجملةٍ مُحكمة تُلخّص ما جيء فيها، ولكن عند الحديث عن المعاني الكبيرة أن يظل الكلام مفتوحًا بلا تعليق، أفضل كثيرًا من البحث عن تعليق يُقيّد هذا المعنى ويُحجّمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد