تهت أبحث عن نفسي، وجدت نفسي أكرر نفس أفعال وكلام من هم حولي، نفس طريقة أهلي، نفس كلام أصدقائي، وجدت نفسي أكرر نفس ما فُعل بي، ولكن مع شخص غيري، يعجبني فعل شخص معين فأجدني أفعل مثله، تعجبني طريقة ارتداء إحدى صديقاتي؛ فأرتدي مثلها، حتى وأنا صغيرة كنت أقلد المطربات أو الممثلات اللاتي أحبهن، إذًا فمن أنا؟ أين شخصيتي التي ولدت بها؟ لماذا كل تصرفاتي هي انعكاس لمن حولي؟ لماذا تتأثر شخصيتي وتتغير حسب الأشخاص القريبين لي أو حسب شخصيات غيري؟ لماذا تتأثر شخصيتي بكل شخص أقابله، وبكل كتاب أقرأه، وبكل موقف أواجهه؟

تهت أبحث عن نفسي بين كتبي وأقلامي، أبحث عن روحي، أبحث بين صوري القديمة وذكرياتي، أبحث بين مواقفي ومبادئي، مبادئي التي تزعزعت والتي لم تتزعزع، أبحث وسط زحمة الناس، وسط زحمة الأصدقاء والأحباب الذين رحلوا والذين لم يرحلوا بعد، أشعر أنني تغيرت كثيرًا بعدهم.

اكتشفت إن شخصيتي هي عبارة عن خبرات تعاملي مع أناس مختلفين، فأنا مع كل شخص قابلته في حياتي أخذت شيئًا من شخصيته وأضفته إلى شخصيتي، فمثلًا كانت لي صديقة شديدة التفاؤل؛ فأصبحت أنا الأخرى شديدة التفاؤل مثلها، قد تكون هذه الإضافة لبعض الوقت فقط، وقت تكون مجرد فعل ليس صفة، فمثلًا كانت لي صديقة تضيف الفلفل الأسود لأي شئ تأكله، فأصبحت أفعل مثلها، حيث أعجبني طعمه، ولكن شاءت الظروف أن نتفرق أنا وصديقتي هذه، فأصبحت لا أهتم بالفلفل ولا بطعمه ولا أضيفه إلى أكلي!

اكتشفت بأنني آخذ الجزء الذي يعجبني من كل شخصية أقابلها، وفي نفس الوقت أنتزع جزءًا آخر لا يعجبني من صفة في شخصيتي كنت اكتسبتها من شخص آخر حتى تتجمع داخلي السمات الجميلة التي أريدها في شخصيتي، لذلك فهمت بأن الإنسان بطبيعة حاله يتغير كل فترة، فمن الممكن أن يجد نفسه بعد عدة سنوات غريبًا عما كان من قبل، واكتشفت أيضًا أن مع التجارب المختلفة يعرف الإنسان نفسه، ولذا يقول الدكتور مصطفى محمود في كتابه لغز الموت: وكلما أمسكت بحالة من حالاتي، وقلت هذا هو أنا، ما تلبث هذه الحالة أن تفلت من أصابعي وتحل محلها حالة أخرى، هي أنا أيضًا.

إن أخذ الصفات الحسنة من الناس أمر جميل، ولكن أهم شيء هو أن يعرف الإنسان أن لنفسه حقَّها، فلا يجب نسيان أن لكل إنسان شخصيته المستقلة، يجب عليه أن يحافظ على هذا الاستقلال، ويدعمه ويتعايش معه وأخيرًا يقول كارنيجي: إنك شيء فريد في هذا العالم، إنك نسيج وحدك، فلا الأرض منذ خلقت رأت شخصًا يشبهك تمام الشبه، ولا هي في العصور المقبلة، سوف ترى شخصًا يشبهك تمام الشبه.

تقليد الناس ليس إلا مرحلة أولى نكون فيها كالأطفال، نطور مهاراتنا من خلال مراقبة وتقليد من حولنا وبعدها ندخل على المرحلة الثانية وهي مرحلة اكتشاف الذات التي نبدأ فيها باتخاذ القرارات من أجل أنفسنا، لنعرف أنفسنا، ونعيها ونميز ما يمنحنا التفرّد، نجرب كثيرا ونخطئ كثيرًا، نسافر كثيرًا، نقضي الوقت برفقة أشخاص جدد، فنكتشف وجهًا آخر للحياة. إن الهدف من هذه المرحلة هو التمسك بما يفلح وترك ما يضر، ولكن أكبر خطر قد نواجه هو أن نعلق في المرحلة الأولى، نظل نكرر أفعال وصفات من حولنا إلى ما لا نهاية؛ فندرك أننا لم نعش لأجل أنفسنا!

فإذا كنت لازلت تائهًا في البحث عن نفسك، فاعلم أن كل خطوة تخطوها في حياتك تعرفك أكثر بنفسك، وأن كل إنسان تقابله تتعلم منه شيئًا. هناك دائمًا حكمة في تعرفك على الناس، إما أنك تحتاج لهم لتغير حياتك، وإما أن تكون أنت من يساعد في تغيير حياتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد