كلنا نعلم أن الكمال لله وحده، ومهما فعلنا لن نصل إلى الكمال، ومع ذلك نسعى إليه، جميل أن نحاول أن نصل لأقرب الكمال، لكن أحيانًا ينقلب هذا ضددنا عندما نجهل أو ننسى ما بداخلنا، إن الكمال لله فقط.

فكل شخص منا يبحث عن الكمال في من حوله دون قصد، ولا يقبل أخطاء الآخرين، ولا يدرك أنهم بشر مثلهم مثله، ليس من السيئ أن يحاول كل شخص أن يجعل من يحبه أفضل وأفضل، وأن يجعله أقرب إلى الكمال، والأفضل بين الناس، لكن أيضًا لا يجب أن نغفل عن الحقيقة وننسى أنه مهما فعلنا يجب أن يكون هناك شيء ناقص.

فمثلًا معظم الآباء والأمهات يحاولون أن يجعلوا أبناءهم الأفضل إلى درجة التحكم في حياتهم واختيارتهم بدرجة قد تأذيهم، ولا يدركون نتيجة ذلك.

مثل أب يجبر ابنه على دراسة شيء لا يحبه، ويمنعه من تحقيق ذاته في المجال الذي يحبه لمجرد نظرته أن هذا الأفضل لابنه، وذلك سيجعله الأفضل.

لا يمكن إنكار أنه يفعل ذلك من شدة حبه لابنه، ولأنه يرى أن من الممكن أن يجعل ابنه شخصًا كاملًا بهذا الاختيار، ولا يدرك أن بأي اختيار لن يصل ابنه إلى الكمال.

أو مثلًا ابن ينتقد أهله وتصرفاتهم ويشعرهم دائمًا بالنقص والاحتياج وأنهم غير قادرين على إسعاده، وهذا في الغالب يجرحهم ويجعلهم يائسين، لأن كل أب وأم يسعون طوال حياتهم ليجعلوا حياة أبنائهم أفضل، وأن يصلوا للمستوى المادي والفكري والاجتماعي الذي يليق بأبنائهم.

حتى إن لم يستطيعوا أن يجعلوا كل شيء مثاليًّا لأن لا يوجد في الدنيا شيء مثالي، فسوف يستمرون في المحاولة لآخر يوم في حياتهم، وبعد كل ذلك لا يجدون غير الانتقادات والاتهامات لأن أغلب الأبناء يريدون من أهلهم أن يكونوا الأفضل.

وهذا أيضًا يؤثر في العلاقات العاطفية والزواج، فكل شخص يريد أن يجد شريك حياته بلا عيوب وينسى أنه به عيوب، فالرجل يبحث دائمًا عن المرأة الكاملة في الأخلاق والشكل والجسد والشخصية ولا يقبل بأي خطأ بها حتى و لو بسيط، وينسى كم عيب به ويتجاهل تغيير نفسه من أجلها حتى تجد هي شيئًا تغير نفسها من أجله.

والمرأة تتهم الرجل دائمًا بأنه سيئ لخيانته لها أو زواجه من أخرى، وفي الأغلب تكون هي سبب تلك الخيانة أو الزواج، حتى و لو كان الزواج من أخرى شيئًا شرعيًّا يحلله الله، ولكنها ترفضه من داخلها لأن الغرور النفسي يجعلها تعتقد أنها المرأة المثالية الكاملة، وتأخذ الثقة بنفسها إلى حد الاستهتار، فتُهمل شكلها وجسدها وزوجها وفي النهاية تلومه على أفعاله.

وإن الفعل ليس دفاعًا عن خيانته لها لكن هي من أوصلته إلى ذلك وبعد تلك الأفعال تقول: «ماذا فعلت له كي يخونني وأنه مهما فعل لن يجد مثلي». وهذا دليل على غرورها الذي أوصلها وأوصله إلى تلك المرحلة.

ولذلك نرى الكثير من النساء يتأخرن في الزواج ويقولن: «أنا عنست ليه؟».

وعندما نبحث في ذلك نجد أن معظمهن يقضين طيلة حياتهن في البحث عن الشخص الكامل لمشاركته حياتهن، لأنها لم تنظر إلى نفسها، فهل ترى نفسها كاملةً لتستحق زوجًا كاملًا؟ لو كان كامل فلماذا يحتاج للزواج منك!

وهذا الكلام ليس شاملًا كل حالات الخيانة والفشل والتحكم، لكن هذه أمثلة نراها في حياتنا ولها أسباب كثيرة لكني أرى أن ذلك من أكبر الأسباب.

ومشكلة الكمال ليست مرتبطة بالحب والزواج والأهل فقط، بل في كل شيء مثل العمل. فالعمل في بلدنا معظمه بالإجبار ولا أحد يعمل ما يحُب، فمثلًا شخص مبدع في الكتابة وتضعه الظروف أن يعمل في الحسابات، وينتظر منه الجميع أن يبدع في عمله، ويحاسبه مديره الذي عينه منذ البداية في منصب لا يشمل مهاراته.

فكل شخص قادر على الإبداع في أشياء محدودة، لا يوجد شخص قادر على فعل كل شيء، فهذا الشخص أعطاه الله قدرةً في الكتابة أو حبًّا لها، وأعطى لغيره قدرةً أكبر في الحسابات تجلعه يبدع في عمله ومكانه، لذلك يجب علينا إدراك ذلك أن كلنا بشر، ولا أحد سيصل إلى الكمال، وأن الله خلقنا لنكمل بعض.

ولو كان جميعنا كاملين فلماذا نحتاج إلى بعض؟

لقد خلقنا الله لنعبده ونحاول أن نصلح من أنفسنا ومن مَن حولنا، لكن يجب علينا عدم استخدام ذلك في أشياء خاطئة ممكن أن تجعلنا نصل إلى الغرور، وننسى أن الله السبب في كل النعم التي نملكها، وأن نتعالى على من حولنا وننسى ما بنا، وننسى أن الله خلقنا كلنا متساوين.

فلو أخذ من عبد الجمال أعطاه الرزق، ولو أخذ الرزق أعطى الصحة وراحة البال، فلا تنظر لأحد بنظرة فخر لأنك مثلك مثله، فيجب أن نسعى للكمال دون أن ننسى أننا بشر.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد