غريبٌ أن يبلغ العاشرة طفلٌ ولد في “إنجلترا” قبل أن يحفظ كأنما يحفظ نصًا من الإنجيل أسطورة البحَّار “جون” الذي انطلق من سواحل الجزر البريطانية ليوزع المدنية على كل الشعوب الهمجية في الأرض! جميلٌ أن يلتف كل تجمع بشري يعيش داخل إطار جغرافي معين حول أساطيره الخاصة، وجميلٌ، بنفس القدر، أن يسخر الآخرون من سخافة بعض تلك الأساطير، كأسطورة البحار “جون”! فهو رمزٌ صناعيٌّ يرمي إلى خلق دلالة تضخم في ذاكرة الإنجليز فقط دور وطنهم في مسيرة الإنسانية نحو الرقيِّ!

 

والحقيقة، أن الإنجليز بشكل خاص، لم يوزعوا على الآخرين سوى القبح! مع ذلك، هذه الأسطورة تقوم على أطلال قوية لشخصية البحَّار الإيطالي “جون كابوت”!

كان قد استوطن مدينة “بريستول” الإنجليزية، وكان يعيش هناك عندما اكتشف “كولومبوس” عام “1492” العالم الجديد!

 

في “مايو” العام “1497”، قام “جون” بأول رحلة بحرية من “بريستول” إلى “أمريكا الشمالية”، وهو، ربما، عندما رأى اليابسة في نهاية “يونيو”، كان قد اكتشف جزيرة “نيو فاوند لاند” في “كندا”، أو اكتشف جزيرة “كيب بريتون” ربما، واستولى على الأرض لصالح “إنجلترا”! عندما عاد في أغسطس أعلن خطأ أنه وصل إلى “آسيا” فلقبه الإنجليز بـ “الأميرال العظيم”! وهو، بتلك الرحلة، ورحلة أخرى في العام التالي لم يعد منها أبدًا، منح “بريطانيا” صكًا قانونيًا بملكية مساحات شاسعة من الأراضي الجديدة!

 

لقد ضاع في البحر، وصار مصيره من أشهر نقاط الاختلاف التاريخية، لذلك، كان ضياعه رحمًا صالحًا لولادة أسطورة؛ لقد أصبح الشخص الذي لا يطاله الموت ولا يطويه الزمن، تمامًا، كـ “الخضر” في تراث المسلمين!

 

ليس من الصعب أن يصنع بلدٌ من حدثٍ صغير رمزًا. ومن الفراغ أحيانًا! لكن، أن يصنع حدثٌ صغيرٌ بلدًا فهذا تمامًا ما حدث من “شبكة الجزيرة” مع “قطر”! لقد كانت ولادة “الجزيرة” حدثًا أخذ “قطر” إلى مرتفعات لم تبلغها قط، كما جعل “حمد بن خليفة” المحور الذي تدور حوله المنطقة!

أكره الذين لا يضعون عواطفهم جانبًا أثناء الكتابة، لذلك، أختلف مع الذين يروجون لأن عُمر “قطر” لا يتجاوز “44” عامًا، المقاس الشعبي لأحذية العرب، وأن أقدم ما في متحفها هو هاتف “نوكيا 82″، فإن لها في التاريخ نبضًا، حتى أن “هيرودوت” لمس اسمها في كتاباته، وفي التاريخ الحديث عوض!

عام “1850” أحكم “محمد آل ثاني” السيطرة على الأراضي التي هي الآن “قطر”، وأسس لعرش أسرته الذي يسكنه الآن “تميم”! لنسب “آل ثاني” صدى في اسم “تميم”، فهم من “بني تميم”، شوكة العرب، حتى دفع الغرور شاعرهم الكبير “جرير” إلى أن قال: إذا غضبتْ عليك بنو تميم ٍ/ حسبتَ الناسَ كلَّهم غضابا

من الثابت أيضًا أنهم في الجاهلية انتهكوا الكعبة وسرقوا محتوياتها فطردوا من “مكة”! كما كانوا يضربون المثل في الوفاء بسيدها “حاجب بن زرارة”!

كان قد ذهب، بعدما ضربت القبيلة مجاعةٌ؛ إلى”خسرو”- لا كسرى فهو خطأ شائع -، وسأله الإذن بأن يسكنوا بلاده، خشي “خسرو” من غدر العرب برعيته فطلب منه ضمانًا بأن يغادروا عندما ينتهي القحط فأعطاه قوسه، وأوفى بوعده. ولقد أفرط الشعراء في الضغط على تلك الحادثة، لعل بيت “المطراني” كان أجمل ما قيل فيها: تزهى علينا بـ “قوس حاجبها” / زهوَ تميم ٍ بـ “قوس ِ حاجبها”

وربما كان انتشار المجوسية في قبيلة “بني تميم” هو ذكرى لتلك المرحلة! والآن، ما هي أوسمة دولة في حجم قرص الأسبرين مثل “قطر” لتلعب ذاك الدور المفصليَّ الذي الآن ينحسر؟

ليس المال فقط، ذلك أن “الكويت” أشد ثراءً! كذلك، ليس إيمان “قطر” بالحرية كقيمة، فهي واحدة من دول القبيلة بكل تجلياتها، كما أن “الكويت” أكثر منها تبجيلًا للديمقراطية، وبكثير. وأزعم أن شاعرًا مثل “محمد بن الذيب” ما كان ليسجن لو كان كويتيًا، أو لما مرَّ سجنه دون أن ينبه نظرية لدى كويتيين كثر!

 

وليس وجود “قاعدة السيلية” هناك، فالدول العربية مزدحمة بالقواعد الأمريكية! لكن، الإجابة هي، بالإضافة إلى كل ما سبق، وإلى تلك العلاقة الوطيدة بين حكام “قطر” وبين “البنائين الأحرار”: شبكة “الجزيرة”! لقد كان إطلاق “الجزيرة” حجرًا كبيرًا ألقيَ في المياه الآسنة فهيَّج بعد شهور قليلة كل سواحل الوطن الراكدة!

 

كانت كالبحار “جون”!  ولقد لعبت دورًا لا ينكره منصفٌ في تغيير الخريطة السياسية! تلك النغمة المنعزلة، واللهجة التي من المستحيل مواكبتها بالنسبة لحناجر الإعلام المسكونة بصوت أبينا الذي في المخابرات، جعل منها هدفًا مشروعًا للكراهية، كراهية حقيقية لا ذهنية! بين كل ما قرأت لا أجد كلامًا يعكس سبب نقمة إعلام البلاط على “الجزيرة” سوى مسرحية روسية بعيدة في الذاكرة:

 

لقد مرَّ جيشٌ بقرية في غيبة رجالها، فاغتصب الجنود كل نساء القرية إلا واحدة قاومت بالقدر الذي كان كافيًا جدًا ليغادر الجيش القرية وهي ما زالت عذراء، وهذا كان كافيًا أيضًا ليتآمر عليها كل نساء القرية ويمزقن بأصابعهن غشاء بكارتها!

 

“شبكة الجزيرة” أيضًا، بإغلاق “الجزيرة مباشر مصر”؛ فقدت عذريتها! لقد ارتكبت “قطر” أكبر حماقاتها على الإطلاق بذلك القرار! وهو قرار أفقدها أهم أوراق اتزانها القديم في قلب اللعبة السياسية وانزلقت في الشرخ الذي يلائم جغرافيتها. المشكلة أن ذلك القرار قد اتخذ في لحظة سياسية شديدة الحرج، وهذا لا ينم عن وفاء! المشكلة الأكبر أن ذلك القرار سوف يتجاوز لاحقًا مضمونه! فسوف لا يصدق الآن أحدٌ استقلالية الشبكة عن القرار السياسي، وهذه ذريعة لائقة لإغلاق حدود أخرى في وجهها.

ولأن الخطأ الناقص هو أكبر الأخطاء على الإطلاق، أتمنى أن تغلق “قطر” كل نوافذ “الجزيرة” إلى الأبد! أو.. أن تتراجع عن قرارها المأساويِّ إستراتيجيًا، وأن ترمِّم ما نجم عنه من شروخ تنمو الآن بصوت مسموع في امتنان الكثيرين لـ “قطر”!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد