في الفترة التي تلت النجاح التجاري «المدويّ» للجزء الثاني من الفيلم المصري «الفيل الأزرق»، والإيرادات التاريخية التي حققها فى السينمات، ظهر الحديث بقوةٍ عن انشغال الكاتب المصري الشهير أحمد مراد بـ«السيناريو» على حساب كتابة الرواية؛ بل إنّ جزءًا عريضًا من جمهور «مراد» كان ينتظر أول إنتاجٍ أدبي له بعد هذا النجاح الكبير؛ للتأكد من كذب أو حقيقة هذه الفرضية.

ربما يُفسر هذا الأمر الحملة الدعائية الضخمة التي سبقت صدور الرواية الجديدة لـ«مراد» والتي حملت اسم: «لوكاندة بير الوطاويط»، عن «دار الشروق»، وهي الحملة المستمرة حتى الآن على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر.

يأتي هذا في الوقت الذي تُقابل فيه أعمال «مراد» بهجومٍ شديدٍ، لدرجة اعتبار أنّ ما يقدمه ليس «أدبًا»، لكن كل هذا الهجوم لا ينفي أنّ هذا الكاتب الشاب أصبح «ظاهرةً»؛ بل إنه أشهر كاتبٍ مصري حاليًا، فيكفي صدور عملٍ جديدٍ له حتى يتسبب في «قلب» الوسط الثقافي المصري، ويُثير نقاشًا حادًا بين مؤيدٍ ومعارضٍ لمنتج «مراد» الجديد، وهذا الأمر بالطبع أمرٌ صحي في المجتمع.

في آخر «لايف» ظهر فيه الكاتب أحمد مراد؛ احتفالًا بروايته الجديدة «لوكاندة بير الوطاويط»، وجهت له سؤالًا عن قصة تأثير انشغاله بـ«السيناريو» على إنتاجه الأدبي، فرد قائلًا: «إن السيناريو أفاده كثيرًا في كتابة الرواية».

ربما تكون هذه الإجابة مقنعةً جدًا لا سيما في حالة «مراد»، الكاتب المهتم بالوصف، والتصوير السينمائي، والذي تعد أي روايةٍ له الآن مجرد تمهيدٍ لتحويلها عملًا سينمائيًا؛ خاصةً مع الإيرادات الضخمة التي تحققها أعماله، وانتظار الجمهور لآخر تلك الأعمال «كيرة والجن»، المأخوذ عن رواية «1919»، بتوقيع المخرج المصري مروان حامد.

في رأيي، فإنّ انشغال «مراد» بتحويل رواياته لأفلامٍ سينمائيةٍ يبدو أنّه بالفعل ترك تأثيرًا – ولو محدودًا – عليه؛ فالرواية الجديدة «لوكاندة بير الوطاويط» لم تكن على المستوى المتوقع، بل إنّ استمرار القراءة فيها كان «فعلًا ثقيلًا»، وشعرت بـ«القفلة منها» منذ أول 10 صفحات، والحقيقة أنّ ما أكتبه الآن ليس مراجعةً أو نقدًا أدبيًا لهذه الرواية؛ فعشرات المراجعات كُتبت ونُشرت عنها سواء على مواقع التواصل الاجتماعي، أو على «يوتيوب».

غاب الكاتب أحمد مراد لمدة «3» سنواتٍ منذ صدور آخر رواياته «موسم صيد الغزلان»، ليعود بمنتجٍ أدبي بالطبع ليس أفضل أعماله الروائية، ولكنه يقع فى المنطقة الآمنة؛ فطبعات هذه الرواية نفدت من المكتبات في وقتٍ قياسي، لدرجة أن «دار الشروق»، أكبر وأهم دار نشر في مصر، أصدرت الطبعة الثالثة من الرواية أثناء كتابة هذه السطور.

لا أنكر أنني كنت متحمسًا جدًا لهذه الرواية قبل صدورها، لأنني بالفعل كنت أريد معرفة تأثير انشغال «مراد» بالكتابة السينمائية على إنتاجه الروائي، وثانيًا أن حديثه عن الرواية فى آخر «لايف» له كان يبشر بعملٍ ضخمٍ؛ فالكاتبُ المصري الشهير أكدّ أنّه استغرق عامين في كتابة هذا العمل الأدبي الجديد، مؤكدًا أنه «تعب فيه»، ثم فوجئنًا بهذا العمل الأدبي، بل إن رواياتٍ قديمةً لـ«مراد» أفضل كثيرًا من «لوكاندة بير الوطاويط».

في روايته الجديدة، يتمسك «مراد» بخلطةٍ روائيةٍ أصبحت عاملًا مشتركًا في أغلب كتاباته؛ وهي تلك المتعلقة بالاهتمام بالاستعانة بأحداثٍ تاريخيةٍ، والجرائم الغامضة، والإغراق في المشاهد الجنسية، وما يُصاحب ذلك من كلماتٍ ومصطلحاتٍ خارجةٍ، لكن حتى الإثارة التي قيل إنّها ستكون موجودةً في «لوكاندة بير الوطاويط»، فإنّ هذا العمل خلى منها تمامًا (في رأيي طبعًا)، حتى في متابعة رحلة سليمان أفندي السيوفي، بطل الرواية، ومصور الموتى، الذي يكشف أسرار الجرائم فى الرواية.

قد تكون هذه الخلطة أهم عوامل نجاح «مراد»، ووصوله إلى قطاعاتٍ عريضةٍ جدًا من القراء، لا سيما الشباب منهم، في حين تتسبب هذه المواصفات فى كتابته الروائية في هجومٍ شرسٍ عليه ظهر جليًا بعد أيامٍ قليلةٍ من صدور روايته الجديدة «لوكاندة بير الوطاويط»، وهو أمرٌ اعتاد عليه «مراد»، لدرجة أنه أصبح سيناريو متكررًا.

على «ضهرية» الرواية، كُتب كلامًا قد يجذب القارئ، ويجعله على موعدٍ مع رحلةٍ جديدةٍ من الإثارة والمتعة، جاء فيها: «في عام 2019 وأثناء ترميم لوكاندة بير الوطاويط المجاورة لمسجد أحمد ابن طولون بحي السيدة زينب، تم العثور على يوميات تعود إلى سنة 1865م، مدفونة وراء حائط الغرفة رقم سبعة بالطابق الثالث بمبنى اللوكاندة، ومحفوظة بشكل جيد».

نقرأ أيضًا: «يضم هذا الكتاب اليوميات من نمرة «34» إلى «53» دون حذف أو تنقيح، وهي اليوميات الوحيدة التي تصلح للنشر، أرّخ فيها مصوّر الموتى «سليمان أفندي السيوفي» في سنوات ما قبل إنشاء جهاز بوليس منظم، حين تم تكليفه بتقصي الحقيقة حول مصرع أحد الباشوات بطريقة شنيعة، وبخبرته الموروثة في تحليل مسرح الجريمة، يكتشف أن الوفاة وراءها قتل عمد، وفاعل ترك مع ضحيته تذكارًا، قبل أن يكتشف أن تلك الجريمة، ليست سوى الجريمة الأولى في سلسلة من الاغتيالات، أدرك دون مجهود، أنها ستنتهي به».

فى الرواية، وأثناء قراءة يوميات سليمان أفندي السيوفي، ستجد نفسك تائهًا بين كثيرٍ من الأحداث التي لو حُذف كثير منها، فلن تترك تأثيرًا، فضلًا عن الإغراق في وصف المشاهد الجنسية، الأمر الذي يُثير دائمًا تساؤلات القراء فى اللقاءات مع أحمد مراد، والذي رد عن هذه الجزئية فى آخر «لايف» له قائلًا: «إن فائدة الجنس فى الروايات، هي نفس فائدة الجنس فى الحياة»… وهنا لا تعرف هل يقصد كاتبنا الشاب «المتعة»، أم استمرار هذا النوع من الروايات الذي يقدمه؟!

غلاف رواية «لوكاندة بير الوطاويط» كان غريبًا جدًا؛ بل إنّ الأغلفة الدعائية على مواقع «السوشيال ميديا» كانت أكثر قوةً وجذبًا للقارئ، وتعبيرًا عن الفترة الزمنية التي تدور فيها أحداث الرواية، وحالة الغموض التي قيلت إنها ستكون موجودةً في الرواية.

هل يعني هذا أنّ الرواية لا يوجد فيها مميزات مثلًا؟.. بالطبع فإنني لا أفضل القول عن عملٍ لم يعجبني إنّه «سيئ»؛ ففي النهاية هناك كاتب اجتهد، حاول، تعب، فى عمله الروائي، ولكن قد يكون هناك انقسام بشأن تقييم هذا العمل، ومع ذلك فإنّ الجزئية التي أحبها فى أعمال «مراد» أنّه يجعلك تعيش الفترة الزمنية التي تدور خلالها الرواية، بألفاظها، مصطلحاتها، مقتنياتها، أجوائها، ما يشير إلى أنّه «يُذاكر» جيدًا الفترة الزمنية التي يكتب عنها.

في رواية «لوكاندة بير الوطاويط»، ستجد كميةً كبيرةً من الأمثال الشعبية – الصادمة أحيانًا – وهذه الجزئية تفسر لك مدى تأثر أحمد مراد بكتابة «الحوار السينمائي»؛ فكثير من كُتاب السيناريو يهتمون جدًا بالاستعانة بالأمثال الشعبية في أعمالهم الفنية؛ لا سيما المسلسلات؛ لإضفاء مزيدٍ من الواقعية والإقناع على الأحداث.

المثال الأبرز على ذلك كاتب السيناريو المصري الشهير مصطفى محرم، مؤلف «لن أعيش في جلباب أبي»، «عائلة الحاج متولي»، «ريا وسكينة»، «زهرة وأزواجها الخمسة»، وغيرها من الأعمال الخالدة، والذي يهتم بتطعيم الحوار بين الشخصيات بكثيرٍ من الأمثال الشعبية.

الحقيقة أنّ جزءًا من نجاح أحمد مراد أنه يلعب فى منطقةٍ مختلفةٍ، عوالم مدهشةٍ بالنسبة لقطاعٍ عريضٍ من قرائه ومتابعيه، هذا الكاتب قد يأخذك فى رحلةٍ للتاريخ ليقدم لك عملًا أدبيًا، يجد استحسان البعض، بينما يتهمه البعض الآخر بالابتذال، الركاكة، التشويه، التزييف، لدرجة وصف ما يقدمه على أنّه «أدب فشار» للتسلية، وتزجية الوقت.

ومع ذلك فإن الروائي أحمد مراد لا يهتم كثيرًا بالنقد، ينطلق مثل «القطار السريع» في أعماله الروائية والسينمائية، يحقق نجاحاتٍ تجاريةً، يُقابل بهجومٍ جديدٍ، واتهامات بـ«النحت»، السرقة، الاقتباس، لكن «الحالة» التي يصنعها هذا الكاتب المصري الشهير تظل متواجدةً، بل وتزداد مع الأيام.

النقطة الإيجابية التي تتعلق بـ«مراد» أيضًا هى «الرواج» الذي يمكن أن يُحدثه في مبيعات الكتب؛ فتخيل مثلًا أن قارئًا اشترى عملًا لهذا الكاتب الشاب، بالطبع سيمد يده لشراء كتاب آخر، لك أن تتخيل أن مبيعات روايات أحمد مراد تصل الآن إلى مئات الآلاف؛ وتتجاوز المليون بالطبع للعمل الواحد، لو حسبنا «النسخ المضروبة» التي تُباع للجمهور بسعر أقلٍ من سعر الكتاب الأصلي.

وأحمد مراد، روائي مصري شهير من مواليد القاهرة 1978، قدّم حتى الآن «7» رواياتٍ هى: «فيرتيجو»، «تراب الماس»، «الفيل الأزرق»، «1919»، «أرض الإله»، «موسم صيد الغزلان»، وأخيرًا «لوكاندة بير الوطاويط».

درس «مراد» في المعهد العالي للسينما، وتُرجمت أعماله إلى عدةٍ لغاتٍ أجنبية، وحصل على عدة جوائز محلية ودولية، وتحقق أعماله السينمائية نجاحاتٍ تجاريةً ضخمةً.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد