«موسم الظلّ» رواية للكاميرونية ليونورا ميانو، من سلسلة إبداعات عالمية عن المجلس الوطني للثقافة والآداب في الكويت، وقد ترجمها للمرة الأولى إلى العربية الباحث والكاتب المغربي سعيد بوكرامي.
وتعدّ الرواية من الأدب الأفريقيّ المكتوب باللغة الفرنسية، ولها طبيعة اسثنائية تميّزها، كنوع من الأدب الجمالي والإنساني السامق الذي يتطرق إلى قضايا العبودية والحريّة، والكاتبة تقدم هذا المفهوم وتتعمّق فيه إلى أن تجعل نصّها الروائي مستغرقًا في الخصوصية الأفريقية البحتة، وتلك اللحظات التراجيدية لشعوب عانت من الاستبعاد والاجتثاث من أراضيها وثقافتها وجذورها.
 لقد كشفت عن تجارة الرقيق وتواطؤ بعض القبائل الأفريقية (بما يعبر عنهم بالنخاسين) مع المستعمر الأوروبي القادم عبر السواحل لتُجسّد ذلك العالم العدواني المليء بالشرّ والكراهية، فتنبثق جوارح كثيفة تحيلنا إلى زمن الملاحم.

قبيلة آل المولونغو

تدور أحداث الرواية في منطقة تسكنها قبيلة المولونغو بالقرب من المحيط الأطلسي، وهم سكان جنوب الصحراء الكبرى، حين تهبّ الفاجعة على القرية لتهتك أمنها مقتلعة طمأنينتها إلى الأبد، بعد اندلاع حريق بفعل فاعل، وتبين على أثره اختفاء 10 فتيان وحكيمين، إنها الكارثة التي نزلت على قبيلة آل المولونغو، فأين المخطوفون؟ وما نوع المسؤولية التي تتحملها الأمهات؟
لقد عانت النسوة ألم فقد الأبناء، فتتهيأ لهن رؤيتهم في الحلم إلى درجة أن الحلم تحول إلى ضباب؛ ليندلع موسم الظلّ كتوظيف للموت الذي جاء موافقًا للأحداث التي صاغتها الكاتبة، ثم داخلت مسام أرواحهن المضمخة بوجع الفراق والألم القاهر، وهن معزولات عن الحياة ومنبوذات من قبل القبيلة.
إن آل البويلي هم من نصبوا شباكهم لأسر الذكور من آل المولانغو المختفين من القبيلة، ليتمّ احتجازهم في ملاجىء الأدغال التي أقاموها على طول المسارات المؤدية من منطقة واحدة من أراضيهم إلى البلد الساحلي، وهناك تمّ تسليم رجال المولانغو إلى أمير الساحل الذي سلمهم بدوره إلى الأجانب القادمين عبر البحر داخل سفنهم الضخمة. (هكذا أصبح آل البويلي أهم وسطاء الساحلين في تجارة البشر).

فلسفة الرحلة

لقد قدمت ميانو تفاصيل دقيقة و هي تسرد ما حدث منذ القرن الخامس عشر على يد القوى الاستعمارية الأوروبية، حيث تروي كيف اختطف البشر وسلبت حاجياتهم، وتصور المجازر المريعة بحق الذين يقاومون، (فرغم ضراوة الطبيعة و عدوانية البيئة، لا يوجد حيوان بين الأكثر ضراوة في الأدغال يمكنه أن يلتهم 10 فتيان ورجلين راشدين)، كما عبرت عنه باصطياد البشر للبشر.
إنه ذلك التداخل بين الحياة والموت في رحلة البحث، بدءًا من وجيه قبيلة المولانغو  موتانغو  الذي يعتبر أن المجتمعات لا تمتلك مشاعر، وإنما لديها مصالح، و هو يخوض الرحلة الأصعب للبحث عن المخطوفين ليكتشف انهم أسرى في أرض الماء. ثم يتبعه شقيقه موكانو زعيم القبيلة مع حرسه المقربين في بحث لمعرفة مصير المختفين، لكنهم لاقوا حتفهم في المستنقعات، أما نساء القبيلة مثل إيابي وإيبيزي فقد كابدت كل منهما هول الطريق والتيه بين مسالك الماء.. إنه حبّ الأمهات لأبنائهن حين يلتحم بأنفاسهن، ويلتحم بالأمكنة والطبيعة كنبض للحياة ويكون الدافع الوحيد للغوص في الأرض الموحلة.

جزالة اللغة السردية

تجتمع الرواية مع الرحلة و التاريخ دون الأخذ بالاعتبار لتفاصيل أو شخصيات معينة، فقط هي تصور ذلك الصراع بين القبائل الأفريقية وتلك العدوانية الطافحة بينهم.
 والنظر في فعل السرد من جانب أول، وفي التوسل باللغة من جانب ثان بتقنيات النثر و المجاز.
ولا شك أن لكل رواية متميزة طبيعة استثنائية تجعلها مختلفة لتدور أحداثها في مدارات يوحّدها الروائي في قالب سردي تنتظم عناصرها وفق قوانين جاذبة جامعة. وتعتمد بنية الرواية على البحث و التقصّي فكانت الأحداث مثيرة جدًا، وبإمكانها أن تُعرّي جانبًا من التراجيديا، وتلك الاستعادات الذهنية لأبطالها، وهي تطلق العنان للأصوات المكتومة في صراعها بين الموت و الحياة، وحتى ذلك الدنّو من فكرة الموت المُروعة.
من الجدير بالذكر أيضًا أن الكاتبة اعتمدت الحبكة النفسية بطريقة فلسفية و وجودية، متأرجحة بين الحسّي و الروحي، كما اختلطت الأوهام بالحقيقة والتاريخي بالمتخيل، وأنسنة الطبيعة، ذلك الأثر الطاغي في النص الروائي.
وفي هذا النص الذي تتشعب فيه اللغة لتعبر عن أحداث متداخلة يظهر التحاور بين الأزمان أيضًا في استقطاب لمعاناة إنسانية على مرّ التاريخ. كما يغترف من اللغة الأصلية والمستخدمة في جنوب الصحراء الكبرى كتراث شفهي أفريقي كما حافظت ليونوا على عدد من المصطلحات دون ترجمة فرنسية.

شخصيات الرواية

المتأمل في الرواية يستنتج أنه لا وجود لشخصية اساسية تحتل دورًا محوريًا، فالكاتبة تأنقت باضطلاعها بمهمة الراوية و المُوكّلة بحمل تلك الأحداث المتعاقبة إلى القارئ وهي التي تُحّملها تلك الحبكة التي صاغتها بحرفية و سلاسة ملائمة لجوّ المكابدات والصراع، مع نفحة إنسانية تدغدغ شتى المشاعر. وبالتالي فالشخصيات الوافدة على الحبكة الدرامية للرواية تتأثر بالأحداث وتتطور وفقها، إذ تبدأ كل شخصية رحلتها بكثير من الهواجس التي انبثقت من الفقد والمعاناة، لكنها منصهرة بالطقوس والمعتقدات الأفريقية وذاكرة متخنة بالمرارة بين شعوب مسالمة وأخرى عدوانية.
ثمة شخصيات تطلّ في مساحة النصّ مساهمة في تشكيل القصة، كما تستحضر ميانو شخصيات أخرى لترفد النص بأجواء السحر والقداسة وتمثل روح العشيرة وذاكرة الأسلاف.
بقي أن أشير إلى أن الرواية حاضرة بقوة في المشهد الثقافي العربي والعالمي، وقد فازت بجائزة فيمينا. واعتبرها رواية شيّقة ومتميزة صاغتها ليونورا بسلاسة تجعلك تقرأ النص وتتفاعل معه، كما أن الترجمة أظهرت بشكل مباشر ثيمة تلك العوالم المدهشة ومتانة النصّ، ولا غبار على اللغة شكلًا وبناءً، إضافة إلى قدرة هائلة للكاتبة في توثيق شتى التحولات التي خاضها المجتمع  الأفريقي مع نفحة إنسانية سابحة في عوالم النص السحرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد