نحن أبناء المواسم والفصول، نُبحر دائما لكن دون اتجاه وإذا حددنا بوصلة سرعان ما غيرنا وجهتها، لذا لا نصل إلى برٍ أبدًا.

تحول كل معنى ذي قيمة في حياتنا إلى “trend” هكذا نقولها بتبسيط مُخل يجرفنا لمزيد من التيه.
تجمعنا “الحالة” والتصرفات لا “القضية” والهدف.

لم نستمر على الاهتمام بقضية واحدة – وإن كان اهتماما شكليا – سوى القضية الفلسطينية؛ فكان الغناء والإنشاد والمظاهرات وكثير من المواد الثقافية تُعنى وتهتم بها وكأنها تُرْضِي فينا خواءً لا تملؤه الاهتمامات الموسمية الطفيفة، حتى تواترت القضايا وكثرت الاهتمامات والمتابعات فتخلينا عنها جميعا بما فيها الفلسطينية. وكأن حساباتنا خالية الدسم أربكت بهذا الكم من القضايا الثقيلة واكتفينا بالقول بأن مفتاح حل القضية الفلسطينية معلق في بوابة القضايا الأخرى، ويأسٌ داخلي يتصاعد يوميا بأن تلك البوابة لن تُفتح في القريب المنظور، وقلاع وحصون تُدك في كل لحظة مهشمة لبوابات وعينا من جذورها.

وإذا تركنا القضايا الإسلامية والسياسية لثقلها واهتممنا بـ”الإنسان” انتابتنا ذات الحالة فنصفق جميعا ونهلل لاعتزال مغنٍّ من الدرجة الثانية ونتبادل “أناشيده” المؤثرة، ثم يظهر علينا معلنا عودته للغناء و”الحياة الطبيعية” فنصب عليه جام غضبنا دون إدراك منا لماذا صفقنا له في الأولى وغضبنا منه في الثانية. وحين نحاول الكشف عما وراء تصرفاتنا لا نجد إلا كلمات مبعثرة لا ترقى للتعبير والتوصيف.

 

زاد من بلة هذا الطين الفضاء الإلكتروني الواسع الذي أطلق أصلا مصطلحات تعضد من الأزمة. كـ”حالة” الفيسبوك والواتساب وصور الإنستجرام التي لا تُحفظ أو تُكبر و”تغريدة” تويتر و… مما أفضى إلى أن الحياة كلها أصبحت “عالسريع” لا مجال فيها لعمق تفكير أو امتداد مشاعر، أضف إليها الشعور بالرضا بمشاركة الآخرين نفس الاهتمام الزائف بذات الموجات العابرة، فنتفق على تغيير الصور الرمزية لحساباتنا ونختتم كلماتنا بـ”هاشتاج” موحد نتابع ترتيبه فيما بعد على مواقع الإحصاء المختصة.

تأتي مذبحة يتبعها فستانٌ يليه محرقة يلحقها يوم عالمي لأي شيء يمكن أن يخطر على البال فتغيير سياسي محدود فمعرض كتاب نتناول فيه وعنه كل شيء إلا العلم والثقافة، يتداخل مع ذلك كله المواسم الصغيرة المعتادة كيوم الجمعة من كل أسبوع أو انتصاف الليل في كل يوم، فضلا عن فناجين القهوة المجاورة للنوافذ والورود.

 

ويباغتنا موسم “ديني” كرمضان – مثلا – فنجد المصاحف لا تفارق الأيدي والأصابع تزينت بعدادات الاستغفار، والمعاصم تسورت بالسبح حتى ينقضي الشهر ولا نعود إلى ذلك إلا بعودته!
تتوفى كاتبة فنقبل على ما فاتنا من كتاباتها بالقراءة والتصوير والاقتباس حتى يمضي “موسم” الحزن عليها.

وفي نهاية كل عام، تمرر ذاكرتك على كل المواسم فلا تجد أثرا يُذكر أو تغييرًا يُلحظ – باستثناء بعض المجهودات الفردية – وكأنّ كل ما فعلناه خلال فصول العام هو ركض بحوافر الخيل على أرض ترابية تثير الغبار فتتوقع مجيء جيش جرار أو كتيبة مدربة، وما إن تهدأ الخيل وينقشع الغبار حتى ترى الحقيقة؛ السراب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد