إذا كنت من ساكني العاصمة, فمن المؤكد أنك شاهدت هذا التنبيه من قبل، إما في قطارات المترو، أو وسائل المواصلات العامة، لكنه تماما ينطبق على مقاعد السلطة وكراسي الحكم لدينا في أرض المحروسة !

 

مهلا، لا تنفعل، لست أسب أو أتهم، هم كذلك أو يزيد، وواقعنا مليء بما يصدق دعواي! فماذا تقول في دولة لم تسمع بها يوما عن شاب ثلاثيني أو حتى أربعيني في سلم الوزارات؟

 
بل إنها قد كلفت واحدا ممن تجاوزوا السبعين برئاسة الوزراء، هذا بعدما ترك الوزارة قرابة العشرين عاما، وأبقت على وزراء لخمس حكومات متتالية، رغم أن أيا منهم لم يحقق نجاحا، وكلفت رئيس الوزراء المقال على إثر تورط حكومته بقضايا فساد فاضحة، كلفته بإدارة أزمة الأمطار بالإسكندرية!

 

ماذا تنتظر من دولة زعيمها بهذا العته والبلاهة، كلما خطى خطوة جر علينا سيلا من الانتقاد والسخرية، من الطبيعي أن ينتقي من هم أشد منه عتها وبلاهة في كل موقع مسئولية؛ حتى لا يفتضح أمره بينهم.

 

 

بالطبع هناك كبار سن أصحاب كفاءة ونظافة يد؛ وهؤلاء لا يشملهم ما نقول وإن قلّوا، غير أنهم ليس مرحب بهم في بلادنا علي أية حال؛ ولا ندعو لتقديم الشباب لمجرد أنهم شباب؛ بل الشباب الكفء، وهم كثر.

 

من الجدير بالذكر هنا أيضا؛ أن أصغر وزراء شغلوا مقاعد في حكومة المحروسة، كانا يحيى حامد وباسم عودة في عهد الرئيس المعتقل مرسي، والأخير قد حقق نجاحا كبيرا فشكر له الناس جهده، وحفظوا له حقه وأنصفوه دون حزبه، حتى لقبوه بوزير الغلابة!

 

إذن هذه دولة كبار سن، فإذا اجتمع إلى هذا الفساد والطغيان؛ صاروا كبار سن وذوي احتياجات خاصة!

 
وللحق؛ لا يتوقف الأمر عند هذا الحد المخزي؛ بل يمتد ليشمل كل كيان في الدولة، من أحزاب سياسية ومنظمات مدنية، وحتى حركات إسلامية، فكثير ممن قصوا علينا ليل نهار، أساطيرمحمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية وهو ابن اثنين وعشرين عاما، وأسامة بن زيد الذي قاد جيش المسلمين وعمره ثمانية عشر ربيعا؛ وكيف كانوا على صغر سنهم سادة، هم هم من ظلوا على رأس حركاتهم عشرات السنين بنمطية مقيتة وروتين ممل؛ حتى وإن اختلفوا مع غيرهم في نظافة اليد وبذل الغالي والنفيس لأجل أوطانهم وأفكارهم؛ إلا إنهم فيما نتناوله الآن متقاربين، فهم لم يحسنوا تأهيل من يخلفهم؛ بل لم يسمح بعضهم به أحياناً.

 

وكذلك كثير من منظمات المجتمع، وزعماء الأحزاب “الورقية” أو حتى التي ظلت منها تحت التأسيس حتى اندثرت، خطبوا فينا عن تمكين الشباب؛ فقط، لما تجاوزوا الستين !

 

 

هذه الظاهرة قد عبرت عن نفسها بقوة فيما سمي بـ “الانتخابات البرلمانية”؛ هذا إن جاز وصفها كذلك؛ فالانتخابات كما هو معلوم، عملية ذات ركنين رئيسيين؛ ناخبين ومرشحين؛ أما أن يكون المرشحون أكثر من الناخبين فهذه إحدى النكات الساخرة، هذا فضلا عن كم المؤاخذات علي السادة المرشحين خاصة، والعملية برمتها بشكل عام؛ الأمر الذي يجعل رصد الإيجابيات أيسر بكثير !

 

ذوو الاحتياجات الخاصة هم من تقدموا بأوراق ترشحهم وغاية ما يرجونه، رصف الطرق وتسليك المجاري، غير مبالين بأن هناك ثورة لم تكتمل – أو ربما لم يعرفوا – وآلاف الشهداء قد سقطوا، وعشرات الآلاف من الشباب البريء لا زالوا رهن الاعتقال بزيهم الأبيض للعام الثالث !

 

وأن من قام بهذا كله، وأشرف عليه باسمه ورسمه، هو من سمح لهم بهذه المهزلة، وهذا عن نظيف اليد فيهم؛ فما بالكم بمن تقدم لينال حصانة تحميه من فساده، أو من أنفق الملايين على حملته ليختلس عشرات أضعافها؛ وهم كثر.

 

أتساءل بصدق؛ لماذا يتسود علينا مثل هؤلاء؟

لماذا يتقدمون كفاءات في زهرة أعمارهم؟

هل عقمت نساؤنا عن إنجاب قادة شباب أكفاء؟

بالطبع لا؛ فمصر رغم ما حل بها من بلاء، لا تخلوا من قمم وكفاءات جديرة بنقلها لمصاف الكبار؛ إلا أنهم قد غُيبوا عنها عمدا وقهرا؛ ليتمكن هؤلاء من تصدر المشهد.

 

 

في قطارات المترو ووسائل المواصلات العامة يكون من الأدب أن يخلي الشباب كراسي “كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، “عند وقوف أحد هؤلاء الذين خصصت لهم؛ لكن الأمر يختلف تماماً إذا ما كان عكسيا، فهؤلاء “الكبار” يندهشون إذا ما فكر شاب، فضلا أن يتقدم بأوراقه؛ ليشغل مكانه بإحدى مقاعد المسئولية في مكان ما؛ ببساطة لأنهم يرون لأنفسهم كامل الحق في شغل مقاعد الحكم وكراسي السلطة دون غيرهم، بل إن كثيرا منهم يرى لنفسه حق توريثها لمن يخلفه!

 

وكأن كراسيهم منقوش عليها: عفوا؛ هذه المقاعد مخصصة لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد