تشهد العاصمة اليمنية المؤقتة عدن منذ الثاني من أغسطس الجاري حراكًا سياسيًا وثقافيًا يرمى إلى دعوات انفصال جنوب اليمن عن شماله وطرد لحكومة الشرعية من عدن تحت مزاعم الانفصاليين (بدعم من الإمارات العربية المتحدة) في حقهم بتقرير مصير جنوب اليمن.

كما قد شهدت عدن مواجهات دامية عدة بين القوات الحكومية وقوات «الحزام الأمني» المتحالفة معها، إثر مطالبة متظاهرين بإجراء تغيير حكومي، متهمين الحكومة بالفساد.

وعن أسباب هذه الدعوات للانفصال؛ قال هاني بن بريك نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي: (دعونا لهبّة شعبية من أجل إسقاط حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي وطردها من عدن وباقي المحافظات الجنوبية، وأن المقاومة الجنوبية هي الواقع العسكري ميدانيًا ولكن تم إقصاؤها تمامًا ولم يتم التعامل معها سياسيًا، ولا إشراكها في الحكومة ولا دعوتها لأي مفاوضات أو مشاورات سلام).

في حين أن المنطق والعقل يستوجب ضرورة استشعار أفراد الشعب اليمني بأهمية تكثيف الجهود من أجل تعزيز مسيرة الوحدة الوطنية في هذه الظروف العصيبة والعمل من أجل جعل الوحدة الوطنية أمرًا جاذبًا لأبناء الجنوب والحيلولة دون وقوع انفصال للجنوب والذي يعتبر جزءًا غاليًا من اليمن، وما هي المنجزات التي يمكن للجنوب الإتيان بها في ظل الانفصال ولا يمكن للجنوب الإتيان بها في ظل يمن موحد؟!

ومن الجذير بالذكر بأنه (من الناحية العلمية السياسية) لا يمكن تحت أي ظرف أن تلبي البنية التحتية المتوافرة الآن بالجنوب مسوغات قيام دولة ديمقراطية مستقلة ذات سيادة، حيث إن الجنوب يفتقر للبنية التحتية من الموارد البشرية اللازمة لمراقبة أداء الحكومة حسب المعايير العالمية للسياسة.

كما يجب التوضيح بأنه لا يحق تمسك بعض الانفصاليين بمسمى (حق تقرير المصير للجنوب!) فهو بالطبع تأويل خاطئ لحق تقرير المصير حسب نصوص اتفاقية السلام الشامل. وعدم تناول المجلس الانتقالي لقضية الانفصال بوازع من النضج السياسي فلا يوجد لديهم أي خطط مدروسة (من ذوي الاختصاص في العلوم السياسية) حول المخاطر التي تعقب هذه الدعوات بالانفصال!

ومن الخطأ سياسيًا أن يتم تأويل حق تقرير المصير بمعني (الانفصال) لأنه لا يوجد من له الحق في أن يأذن للجنوبيين بحق الانتماء لبلد ينتمون إليه أصلًا بحكم مولدهم أو الإذن لهم بنفض أياديهم عن بلد الآباء والأجداد والتخلي عنه! ولماذا ينحصر أمر حل مشكلة الجنوب في نظرية الانفصال وترك بقية وطنهم؟! ولماذا يطلب المجلس الانتقالي من الجنوبيين الذهاب بعيدًا والانطلاق من نقطة اللا شيء؟ والعيش في إرهاق سياسي وعدم استقرار سرمدي مشبع بسفك الدماء؟ ومن الذي أتى بالخبر اليقين بأن الكابوس السياسي لجنوب اليمن سيأفل نجمه بمجرد انفصال الجنوب عن بقية أجزاء اليمن؟ ومن الذي يؤكد أن كل مشاكل الجنوب السياسية على كثرتها ستنتهي بمجرد انفصاله عن الجمهورية اليمنية؟! فمما سبق يتضح أن العديد من الأحزاب السياسية والتي تحقق مكاسب من وراء انفصال الجنوب تقوم باستثمار حالة الضعف الاقتصادي والمشاكل الاقتصادية المتفاقمة في الترويج إلى الانفصال على أنه هو  إكسير الحياة الذي يجب شربه لمثل تلك المشاكل.

وبالنظر إلى تجربة السودان الشقيق باعتباره دولة مجاورة للجمهورية اليمنية ومشابه لها من الناحية الاقتصادية والسياسية، فإننا نجد أنه بعد أكثر من خمس سنوات من انفصال جنوب السودان عن شماله ورغم ما تملكه السودان من ثروات هائلة من احتياطات نفطية، وثروات زراعية وحيوانية تؤهلها أن تكون أحد أقوى الاقتصادات الناشئة في أفريقيا والعالم لا يزال أكثر من نصف سكان جنوب السودان يعيشون تحت خط الفقر، ويعانون من انتشار الأمراض ويرزحون تحت وطأة الأزمات الاقتصادية، حيث إن الواقع السياسي وعدم الاستقرار الأمني على الشريط الحدودي بين دولة جنوب السودان والسودان كان بمثابة حجر عثرة أمام تحقيق التنمية الاقتصادية، واستخدام تلك الثروات بما يخدم هذه الدولة الناشئة.

وأخيرًا فإنني أرى أن اليمن بحاجة إلى تعميق الوحدة الوطنية بين أفراد الشعب اليمني وتوظيف الموروث الشعبي والثقافي لإيجاد هوية يمنية وليست قبلية أو مناطقية أو حزبية، والتأكيد بأن كل القبائل في اليمن متداخلة في مناطق مختلفة شمالًا وجنوبًا، وضرورة إيقاف الرؤية الأحادية وفرض الرأي أو إقصاء الآخر، فيجب أن يكون اليمن لكل اليمنيين، واستيعاب مخاطر الانفصال العديدة على الشمال والجنوب، والدعوة لأبناء الشمال والجنوب للعمل سويًا لتضميد جراح الماضي واستشراف المستقبل بفكر حر وحلول يستلهم جميع أبناء الوطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد