تشهد بعض الدول العربية موجة ثانية من المظاهرات والاحتجاجات التي أخذت في الغالب الطابع السلمي خلافًا لما عرفته بعض الدول العربية التي انطلقت منها ما يعرف باصطلاح «الثورات العربية» على غرار مصر، وليبيا، وسوريا، وبدرجة أقل تونس، وإن اختلفت نوعًا ما في طبيعتها، فإنها تشترك في المطالب والتي تمحورت في مجملها حول ضرورة أحداث إصلاحات على مختلف الأصعدة بداية بالجانب الاجتماعي للفرد مرورًا للاقتصادي والسياسي.. وغيرها، لكن استجابة النظام لهذه الاحتجاجات تختلف من نظام إلى آخر، ففي وقت قال ابن علي في تونس عبارته الشهيرة «إني فهمتكم»، رغم عدم تجاوب الشعب التونسي مع خطابه واستمراره في مسار تجربته الرائدة في الديمقراطية، إلى ليبيا التي أغرقها القذافي وبعده التدخل الدولي في متاهة لا زالت مآلاتها لليوم على الشعب الليبي، ثم سوريا وتعنت النظام الحاكم ورفضه الاستجابة لمطالب الشعب السوري وصولًا إلى التنازلات التي قدمتها السلطة الجزائرية كاستجابة لضغط الشارع ليأتي الدور على الجمهورية اللبنانية، وتراجع الحكومة عن قرار فرض ضرائب على المواطن اللبناني في وقت قياسي، لكن لماذا ينتظر صانع القرار الحكومي في البلدان العربية حدوث الكارثة حتي يصدر قوانينه الرائعة؟

بعد الاحتجاجات السلمية في الجزائر.. لبنان هل تسير على نفس الخطى

عرفت الجزائر منذ 22 فبراير (شباط) 2019 بداية ما يعرف «بالحراك» الشعبي الذي تميز بالسلمية والحضارية، انطلقت المظاهرات السلمية في الجزائر بعدما قدم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة ملفه كمترشح لرئاسيات 2019، الأمر الذي لم يتقبله الوسط الجزائري في كل مستوياته، نظرًا والحالة الصحية التي كان يعاني منها بوتفليقة في تلك الفترة وحتى ما قبلها، بالإضافة إلى طبيعة الوضع الاجتماعي والاقتصادي التي تعاني منه الدولة، فعلى الرغم من أن الدولة تتوفر على إمكانيات وطاقات متعددة، إلا أن آفة الفساد باتت تعم وتنخر كل المجالات ومن مظاهرها «نهب المال العام»، وهيمنة أرباب الأعمال على المناخ العام للاستثمار ومنح امتيازات لغير أصحابها، لقد بات الوضع الجزائري في مجمله على حافة الانهيار، وبمجرد أن وضع بوتفليقة ملف ترشحه انفجر الشارع الجزائري رافضًا لاستمرار الوضع الراهن.

مثلت احتجاجات الشعب الجزائري علامة فارقة من حيث طبيعتها وحضارتها، فالشعب الذي يخرج كل يوم جمعة بعد الصلاة لم يتصادم مباشرة مع أعوان الأمن، بل اعتبر الأخير حاميًا لكل فرد جزائري، بالإضافة إلى ذلك عمت مظاهر التعاون والانسجام بين مختلف أطياف المجتمع باختلاف هوياته، رغم بعض المحاولات التي أرادت خلق الفتنة بين الشعب الواحد، وأمام هذا التنظيم والرقي في الاحتجاج على الوضع في البلاد لم يكن أمام صانع القرار الجزائري إلا أن يقدم بعض التنازلات تدريجيًا بدءًا بتغير الحكومة وفي مقدمتها إنهاء مهام الوزير الأول «أحمد أويحيى» الذي طالب الشعب بتنحيته فورًا، استمرت الحكومة الجديدة وقدمت بعض الإجراءات الاستعجالية لتدارك الوضع، لكن الاحتجاجات تواصل الضغط أكثر، وبلغت أشدها بعد قرار الرئيس السابق تمديد فترة حكمه، بدلًا عن إجراء انتخابات جديدة، ومع تمسك الشعب بمطلبه ورفضه التراجع عن مطالبه الرئيسة تراجع بوتفليقة عن قراره في الترشح وكانت بداية انتصار الشعب، هذا الوضع لم يمنع المواطنين الجزائريين من الخروج ومواصلة احتجاجاتهم المطالبة بمغادرة كل رموز النظام البوتفليقي ومحاسبتهم على كل التجاوزات التي اقترفت في حق هذا الشعب.

والواضح أن الوضع العام كان سيستمر على حاله، رغم حالة الانسداد والتعفن المجتمعي التي كان يعانيه المواطن الجزائري، ولا يعني ذلك غياب الإمكانيات أو نتيجة حتمية، بل لغياب الإرادة السياسية في تلك الفترة لإحداث أي تغير من شأنه الارتقاء بالمستوى المعيشي للفرد الجزائري، وضمان حياة كريمة له، لكن مع استمرار الاحتجاجات في كل يوم جمعة كانت هناك استجابة لمطالب الشعب وان لم تكن كافية بعد، والمشكلة إذًا أن صانع القرار السياسي لا يقدِم على أحداث تغييرات وإصلاحات إلا تحت الضغط والتهديد، ويصبح منصبه تشريف لا تكليف.

وليس ببعيد عن الوضع الجزائري وإن كان في بدايته تشهد لبنان كذلك بداية انتفاضة جديدة عبر عنها «بثورة الواتساب» بعدما أقرت الحكومة اللبنانية مؤخرًا مشروع قانون يفرض رسوم على مستخدمي التطبيقات الذكية التي تتميز بخاصية الاتصال المجاني، ما يضيف لخزينة الدولة قرابة 216 مليون دولار إضافية في السنة، في حال وافق البرلمان على ذلك المشروع، إلا أن الحكومة تراجعت وألغت موافقتها على مشروع القانون، بعد موجة الاحتجاجات التي شهدتها البلاد جراء ذلك، أي أن الدولة ستجد حلًا بديلًا بعيدًا عن جيوب المواطن اللبناني، وذلك الأمر مستبعد!

بدأت الاحتجاجات اللبنانية في العديد من المدن والبلديات من ليلة الخميس 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 واستمرت لتعم أغلب المدن اللبنانية يوم الجمعة بمشاركة واسعة لمختلف الأطياف والأعراق للتأكيد على المطلب الأساسي وهو تحسين الأوضاع الداخلية والمستوى المعيشي للفرد، بعدما سجلت البلاد معدلات قياسية للدين العام، كما ويشهد لنمو الاقتصادي تراجعًا على خلفية حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة حيث سجلت نسبة البطالة في صفوف الشباب حوالي 38٪، وذلك حسب موقع euronews، ولم تقتصر الشعارات على تحسين الوضع الاجتماعي للفرد، بل باتت الشعرات مطالبة برحيل النظام ككل «الشعب يريد إسقاط النظام»، وأطلق المحتجون شعارات تطالب رئيس الحكومة سعد الحريري بالاستقالة، بالإضافة إلى استقالة حكومته.

وكاستجابة أولية تراجعت الحكومة عن قرارها في فرض ضرائب على التطبيقات الذكية، كما طلب رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري من كافة الشركاء السياسيين ومختلف الفواعل بضرورة إحداث «تغييرات واصلاحات فورية» تأخذ بعين الاعتبار مطالب الشعب اللبناني خلال 72 ساعة، هل بهذه السهولة يمكن إحداث تغير وإصلاح في وقت قياسي كهذا؟ ولم لم تقدم هذه الإصلاحات في سنوات سابقة حتى تقدم في ثلاثة أيام! أي أننا شعوب الحالات الطارئة وفقط.

فرصة ثانية.. هل تسمح الشعوب العربية في حقوقها من جديد؟

يقول توماس جيرفسون: أثبتت التجربة أنه وحتى في ظل أفضل أشكال الحكم، فإن أولئك المكلفين بالسلطة ومع مرور الوقت وبعمليات بطيئة حولوها إلى طغيان، هناك علاقة ترابطية اذن بين السلطة والطغيان، فالقوة التي تمتلكها النخب الحاكمة خاصة في الدول العربية على الغالب أخذت مفهوم السلطة من ناحية ممارسة القوة (وإن استلزم ذلك استخدام القوة القمعية) بعيدًا عن أنها سلطة مخولة لتسير الشأن العام للدولة وفقًا وما تقتديه مصالح الشعوب، وإن عجزت عن تحقيق هذا الهدف في فترة زمنية محددة مسبقًا فيستوجب عزلها أو تعويضها بسلطة أخرى، وهذا كمظهر من مظاهر الديمقراطية التي باتت تتغنى بها النخب السياسية العربية في خطابتها السياسية، لكن الواقع مخالف تمامًا لهذه الشعارات، فبمجرد أن تبدأ المحاولات لإحداث تغيرات وإصلاحات عميقة بالدولة حتى يقابل هذه المحاولات مساعي لتهدئة الأوضاع، وقد تتصاعد حدة العنف في بعض الدول الأخرى نتيجة للعمليات القمعية وتسحق شعارات الديمقراطية وحرية التعبير أمام أول محاولة لتغير مسؤول في النظام الحاكم.

وفي أحسن الأحوال تقوم النخب الحاكمة أمام الضغوطات المتزايدة من قبل الشعوب العربية باتخاذ إجراءات فورية من شأنها إحداث إصلاحات وعزل بعض الوجوه السياسية التي عرفت باستبدادها على مدى سنوات في الحكم ناخرة المال العام ومتهمة بقضايا فساد، لكن لا يوجد من يحاسبها، رغم أن طبيعة النظام الحاكم يقر بمبدأ فضل السلطات، وأن لكل سلطة الحق في محاسبة السلطات الأخرى في حالة وجود تجاوزات وفقًا لمبدأ فصل السطات، وذلك ما عبره عنه مونتيسكيو بقوله: إنها تجربة خالدة أن كل إنسان يتولى السلطة ينزع إلى إساءة استعمالها حتى يجد حدًا يقف عنده. إن الفضيلة ذاتها تحتاج إلى حدود، ولكي لا يٌساء استعمال السلطة يجب أن توقف السلطة سلطة أخرى، رغم ذلك لا تنزع أي سلطة لمحاسبة أخرى إلا بعد وقوع الكارثة وتكبد خسائر مادية وبشرية ليتم احداث بعض التغيرات.

ينبغي في هذه الظروف التي تعيشها المنطقة العربية أن تقف الشعوب العربية بشكل متحدة كجسم واحد لا تفرقها الجهوية ولا الانتماءات الدينية، ينبغي عليها مواصلة سعيها لإحداث تغيرات جدرية على مستوى الأنظمة السياسة الحاكمة من أصغر مسؤول إلى أعلى منصب في الدولة، ستواصل الشعوب العربية مسيرتها لأخذ حقوقها المسلوبة من قبل حكامها، لقد أصبح الفرد العربي يتمنى أن يجد لقمة تكفيه شر يومه، رغم ما تمتلكه بعض الدول العربية من امكانيات وثروات لا نعلم أين ذهبت فوائدها وعائداتها ونحن نشاهد كل يوم تراجع الوضع الاقتصادي والمعيشي من السيئ إلى الأسوأ، في وقت يعيش الفرد في الدول الغربية في أفضل مستويات الرفاه أو على الأقل يكسب احترمه كمواطن لطبيعته الإنسانية وتسعى حكومته لتلبية حاجياته اليومية.

غالبًا في الدول الغربية يكون الخطر على صانع القرار من الداخل نتيجة لوجود أحزاب معارضة متطرفة قد تؤدي لعزله أو حتى لتغير نظام الحكم في هذه الدول، أو لحركات احتجاجية نتيجة لتراجع قدرة الدولة على توفير حاجيات أفرادها، وكذلك بسبب تراجع اقتصاد الدولة نتيجة لعوامل داخلية وخارجية مرتبطة بالاقتصادي العالمي، كل هذه العوامل وغيرها تجعل من صانع القرار السياسي يضع إستراتيجيات وبرامج تحول دون حدوث مثل هذه الفرضيات أو على الأقل دراسة كيف يمكن أن يتداركها على المستوى القريب.

أما في الدول العربية يكون الخطر والتهديد بالنسية لصانع القرار من منظريه مرتبط بمخرجات البيئة الخارجية، وكيف يمكن أن يتم التخلي عنه أو يتدخل في شؤونه الداخلية، بعيدًا عن فرضية أن له أفرادًا قادرين على التأثير، وتغير موازين القوى على المستوى الداخلي، لذلك يعمل صانع القرار في مثل هذه الدول على تعزيز علاقاته الخارجية مع القوى الكبرى وربطها بشراكات اقتصادية وعسكرية وأمنية، وذلك ما يبرر ميزانية الدفاع المرتفعة في الدول العربية، لكن على حساب القطاعات الاجتماعية والاقتصادية الأخرى التي تمس الفرد في هذه الدول.

هذه الأفكار والعقليات المتخلفة في أشكال أنظمة الحكم العربية باتت غير ملائمة للشعوب العربية التي ليس لديها ما تخسره في ظل هذه الظروف المتدنية، أما فزاعة الأمن والاستقرار بالإضافة إلى فكرة نظرية المؤامرة والعدو الخارجي التي كان يستخدمها النظام الحاكم للحفاظ على مكانته لم تعد مواتية وكافية لتخويف هذه الشعوب التي جرتها الحكومات الاستبدادية التسلطية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لتنامي خطاب العنف والكراهية بين أفراد الشعب الواحد وانتشار مظاهر الفقر والجريمة والهجرة غير الشرعية لبلدان أخرى باحثة عن أمل في العيش حياة كريمة رغم معرفتها مسبقًا أن احتمال عدم وصولها للضفة الأخرى ضئيلة جدًا رغم ذلك أمل 1% في العيش بإحدى الدول الغربية على فكرة البقاء في هذه الدول.

الخلاصة أن الشعوب العربية في حاجة للحياة لتنفس الحرية للعيش في بيئة تضمن لها حقوقها وتقوم بواجبتها في علاقة ثقة بين الحاكم والمحكومين، وأن الدرس المستفاد من الاحتجاجات السابقة في الموجة الأولى من الثورات العربية أن الشعوب العربية خاصة في الجزائر ولبنان الآن باتت تؤمن أن ما يؤخذ بالسلمية والحضارية وإن طال الأمر قد لا يؤخذ بالقوة والاصطدام المباشر، أما الدرس الذي ينبغي للنخب الحاكمة الاستفادة منه أن الشعوب العربية غير مرتاحة في حياتها العادية، وأنه وإن طال الأمر ستنتفض لحقوقها نتيجة لفشل هذه الأنظمة في التواصل مع مواطنيها بالقدر الكافي في الفترات العادية ولن تستطيع التواصل معها بعد فقدان الثقة فيها في فترة الانتفاضات الشعبية، وبذلك تفقد شرعيتها، ولن تمنح فرصة ثانية، ولا عاشرة، أو حتى ساعة واحدة لإحداث أي تغيرات أو إصلاحات مهما ادعت ذلك.

إذا الشعــب يومــًا أراد الحيــاة فلا بـــد أن يستجيب القــدر

ولا بـــد لليــــل أن ينجلـــي ولابـــــد للقيـــــد أن ينكســـــر

أبو القاسم الشابي

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد