لا يزال المسرح العربي يشهد عروضًا متأخِّرة لمسرحيَّة التَّغيير الشَّكلي، على الرَّغم من مرور ما ينوف على التِّسع سنين على انطلاقة ما سمِّي بالرَّبيع العربي. وقد تمثَّل آخر مشهدين في سقوط كلٍّ من عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر وعمر البشير في السُّودان، ليعود السُّؤال الكبير ليتصدَّر المشهد المرتبك: هل ما شهدته بعض البلدان العربية من تغيير كان نتاج نجاح ثورة أم التفافًا عليها واحتواءً لمن قام بها؟

وللإجابة على هذا السُّؤال لا بدَّ من عملية تشريح مقطعيَّة لكيفيَّة تعامل الأنظمة الحاكمة مع التَّحركات الَّتي شهدتها بلدانهم.

ظهر ردُّ الفعل الرَّسمي على الحراك الشَّعبي بأشكال ثلاثة، اختلفت باختلاف النِّظام ومرجعيته: الشَّكل الأوَّل اتَّبع القمع العسكري الَّذي تطوَّر إلى حرب حقيقيَّة ببعد طائفي أو قبلي؛ والشَّكل الثَّاني تمثَّل في تحفيز الثَّورات المضادة الَّتي وقف وراءها العسكر ليلبسوها اللِّباس الشَّعبي رغم انقلابيَّة الصِّبغة، إلى حدٍّ ما؛ وأخيرًا نشهد شكل الالتفاف، أو الاحتواء، على المطلب الشَّعبي باعتماده نسخةً مطوَّرة عن الشَّكلين السَّابقين. وفي الحالات الثَّلاثة كلّها نجد اليد العسكرية هي الطّولى، مع امتدادها المحرِّك الإقليمي والدَّولي لها.

ولأن تطوَّر الحال في دول مثل سورية واليمن وليبيا إلى حرب داخلية ذات نكهة طائفية وقبلية باستطالات خارجية ما زالت بؤرها مستعرة وآلامها مستمرة، فإنَّ الوضع في كلٍّ من مصر وتونس كان مغايرًا في طبيعته، مشابهًا في محصِّلته: إسقاط الحلم الَّذي حولته الثَّورات هناك إلى شبه واقع، بعد تشويهه، وشيطنة رجالاته. فشهدنا انقلاب الجنرال عبد الفتَّاح السيسي، وزير الدِّفاع في حكومة الرَّئيس المنتخب محمَّد مرسي، بمباركة دينية وهوجة شعبية، ودعم خارجي معلن، كما تابعنا انقلاب السبسي في تونس على منجزات الثَّورة متَّخذًا من شعارات علمنة الدَّولة الخلَّبية والدِّيمقراطية الجوفاء مبرِّرًا لتدوير النِّظام السَّابق.

وعلى الرَّغم من عدم امتداد حمَّى الرَّبيع إلى الجزائر والسُّودان في حينها، بسبب التَّجربة العشرية المريرة الَّتي شهدتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، والقبضة الحديدية لنظام البشير الَّتي حالت دون وصول مدِّ الحماس المصري إلى الجار الجنوبي، فإنَّ العاصفة الَّتي ما حسب لها النِّظامان، في كلا البلدين، حسابًا جعلتهما يطأطئان، وإن كان ذلك ظاهريًا.

إنَّ الاحتجاجات الَّتي فجَّرتها العهدة الخامسة للرَّئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة جعلت الشَّارع الجزائري يتحرَّك رافضاً إيَّاها. وسواء اعتبرنا ما حدث ثورة أم انتفاضة شعبية، أم صنِّفت في خانة ردَّة الفعل الاستنكارية، فإنَّ العسكر، وهم الحكَّام الفعليين في الجزائر، استطاعوا الالتفاف على مجرياتها واحتواء الاحتقان الشَّعبي وغليان الشَّارع عبر مطالبة الحاكم بالاستقالة وإجباره عليها بشكل من الأشكال. لتدخل الجزائر تبعاً لذلك مرحلة الحكم الانتقالي للجنرالات أو بإشرافهم، بنسخة مكرَّرة عمَّا حدث في مصر قبل انتخاب السيسي رئيساً، مع وعود شهدنا صداها في الحالة المصرية مع المجلس العسكري بقيادة المشير طنطاوي، وبعده بالعهود الالتفافية للجنرال السيسي.

وغير بعيد عن الحال الجزائرية، وجدت المؤسَّسة العسكرية الحاكمة في السُّودان نفسها أمام حراك شعبي حقيقي قام به السُّودانيون. وأمام العناد الشَّعبي على مدى شهور لم تجد المؤسَّسة تلك بدًّا من اتِّخاذ القرار لاحتواء الضَّغط الشعبي قبل انفجاره في وجهها، وللحفاظ على مكاسبها عبر إبقاء حكم البلاد في قبضتها، فكان قرار عزل البشير والتَّضحية به. وقد تمَّ ذلك مع تحديد سنتين كفترة انتقالية أيضًا كي تتحوَّل البلاد خلالها إلى الحكم الدّيمقراطي المنشود حسب بيانهم الأوَّل. لنعود مجدَّدًا إلى سماع الوعود الالتفافية الصَّادرة عن رئيس المجلس الانتقالي، وزير الدِّفاع في حكومة الرئيس البشير، الجنرال محمد أحمد بن عوف.

بناء على ما شهدنا وذكرنا نجد أنفسنا أمام حقائق عدَّة، بعضها صادم، وبعضها محصِّلة طبيعية لما سبقه.

الحقيقة الأولى تتمثَّل في المرونة المستغربة الَّتي تمتَّعت بها العقلية العسكرية فاستطاعت بموجبها الانتقال من حال الصِّدام المدمِّر للطَّرفين إلى حال المسايرة مع توجيه المسار حسب مصلحتها. وهم بذلك، نقصد العسكر في الجزائر والسُّودان، استطاعوا تطوير الحالة المصرية الَّتي شهدت، ولا زالت، حالة من الدَّمويَّة المتفلِّتة، إلى حالة من الاحتواء السِّلمي المنضبط عموماً. وهذه الحركة تهدف إلى تنفيس الاحتقان وإدخال الشَّعب في حالة ترقُّب مخدِّرة يمكن أن تتحوَّل مع الزَّمن إلى تعوِّد يراهنون عليه.

الحقيقة الثَّانية، أنَّ وعي الشُّعوب لم يتطوَّر، لأنَّ الأدوات المتاحة لم تتبدَّل، فبقي رهين العاطفة والعجز عن اجتراح معجزة التَّغيير الشَّامل الَّذي تعنيه الثَّورة في كلِّ أدبيَّات العمل السِّياسي والاجتماعي والفكري، ويشهد عليه التِّاريخ في كلِّ حقبه. وبالتَّالي لا زلنا نشهد ما يمكن أن نطلق عليه الولادة الزَّائفة لفكر التَّغيير، أو المراوحة الكلاسيكية للفعل الثَّوري. وهذا نتاج مباشر لعملية التَّربية المبتسرة الَّتي خضعت لها أجيال الشَّعب على مدار عقود من عملية تدوير الأنظمة الحاكمة.

الحقيقة الثَّالثة، أنَّ خيوط التَّغيير الحقيقي لا زالت في يد اللَّاعبين الخارجيين، إقليميًا ودوليًا، يوجِّهونها كما تشتهي مصالحهم وبحسب تقاطعاتها مع توجُّهات العسكر. وللخلاص من هذا الوضع لا بدَّ من العمل على إنهاء هذه الحالة. وهذه هي وظيفة النُّخب السِّياسية والمثقَّفة، والَّتي لا زال دورها في ما جرى ويجري محلَّ تساؤلات، ترقى في بعض الحالات إلى شبهات وإدانات.

الحقيقة الرَّابعة، أنَّ المحرِّك الأساسي في المنطقة نجح في تعزيز الفوضى «الخلَّاقة» في المنطقة عبر جيل من الإجراء يدورون في فلك التَّبعيَّة له، وهم من يقودون، بحماس، الثَّورات المضادَّة الهادمة للأسس الثَّقافية الفكرية والثوابت الاجتماعية الأخلاقية، عبر محوها، ليبقى التَّغيير المنشود بلا ركائز.

الحقيقة الخامسة، أنَّ ما شهدته المنطقة لا يخضع لقانون التطوُّر بل يخضع لسلوك الاجترار. ولذلك نشهد هذا الارتباك الحاصل في الفكر الجمعي العربي تجاه مفهوم الثَّورة ومتطلباتها ومخرجاتها، والحذر الَّذي يلوِّن الخطوة التَّالية للنُّزول إلى الشَّارع، أو العصيان المدني، أو التمرُّد، سمِّها ما شئت.

بكلِّ الأحوال، إنَّ ما شهدته الجزائر والسُّودان لم يخرج بحال من الأحوال عن هذه الحقائق لحدِّ الآن. وإن بقي الحراك فيهما مؤطَّرًا بقانون الأمر الواقع المتمثِّل بقبول الالتفاف على أنَّه حالة إنقاذيَّة، واعتبار تغيير الوجوه أقصى انتصار، والتَّماشي مع البوق الإعلامي المطبِّل للشَّخصيات الانقلابية لتسويقها، سيبقى الحراك فيهما دون تحقيق المؤمَّل من قبل الشَّعبين هناك. وبالقياس على التَّحرُّكات الَّتي شهدها التَّاريخ القريب في معظم بلدان المنطقة، قد تبقى فوضى ارتكاس الفعل الثَّوري سيِّدة الموقف على المديين القريب والمتوسط. وما لم تتحرَّك الفعَّاليات السّياسية والمثقَّفة في البلدين لتوجيه بوصلة حلم الحراك الشعبي، ستمضي الحراكات فيهما إلى نفس المآل الَّذي وصلته التحرُّكات المماثلة والسَّابقة في بلدان الرَّبيع العربي المعطَّل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد