عندما تنتفض الشعوب (السودان)

«لن تنبعث شرارة الإصلاح الحقيقي، في وسط هذا الظلام الحالك، إلا إذا تعلمت الشعوب العربية، وعرفت حقوقها، ودافعت عنها بالثورة القائمة على العلم والعقل». جمال الدين الأفغاني

الشعوب قوة، وإرادة تغيير، وإعلاء شأن الوطن؛ لأجل البقاء، الشعوب تعتبر القاعدة الأساسية والرئيسية في تكوين الحكومات، الشعوب هم الذين يسعون إلى إصلاح ديارهم، عندما يكتسحها الفساد، وهم الذين يقفون ضد أي نظام يمسهم، ويمس بلادهم، ولكن ما يراودنا هو سؤال مهم، لماذا ينتفض الشعب لتغيير الحكم والحكام؟ وكيف لهم أن يُغيروا النظام وهم مَنْ اختاروه؟

السودان لم تنتفض من فراغ، وإنما جاءت دواعي التغيير نتيجة القصور في كافة الجوانب، بدءًا من التعليم، وصولًا للسياسة، فالجانب الاقتصادي لهذه الدولة وصل لمرحلة غير محتملة؛ إذ إن نسبة التضخم وصلت إلى 70%، وذلك منذ عام 2011، بل وتزامن ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية مع تطبيق موازنة 2018، والتي أقرت زيادة الدولار إلى 18 جنيهًا مقابل 6 جنيهات، في موازنة 2017، هذه النقلة لعبت دورًا في جعل الشعب يركز على موارده الداخلية، وكيفية استثمارها؛ وكانت النتيجة أنها تذهب لغير صالح البلاد والشعب.

والغريب في الموضوع والمحزن أن أعداد ماكينات الصراف الآلي التي تعمل في العاصمة الخرطوم محدودة؛ إذ لا تسمح للمواطنين بسحب أكثر من 10 دولارات في اليوم الواحد، خشية قيامهم بتحويل مدخراتهم إلى عملات أجنبية، كما أن أحد أسباب زيادة أسعار القمح هو توقف الحكومة عن استيراد القمح، وتكليف القطاع الخاص بتلك المهمة، فارتفعت أسعار كيس القمح الذي يزن 50 كيلو جرامًا من 24 دولارًا إلى 65 دولارًا للكيس الواحد، الأمر الذي دفع ببعض أصحاب المخابز إلى إغلاقها، بسبب ارتفاع تكاليف إنتاج الخبز.

أوضح الخبير الاقتصادي «خالد التيجاني النور» وقال: «بدأ يتكشف للجميع في الآونة الأخيرة أن الأزمة الاقتصادية أساسها الأزمة السياسية في السودان؛ نظرًا لوجود نظام حكم يجلس في السلطة على مدى الثلاثين عامًا السابقة، وكل الموارد كانت موجهة لعناصر دعم النظام للاستمرار في السلطة؛ هذا أدى إلى خلل كبير في تخصيص الموارد، فبدلًا من وصولها لقطاعات الإنتاج تتحول إلى دعم القوات النظامية المختلفة، وبالتالي فإن قطاع الإنتاج لا يأخذ حظه من التمويل، ولذلك فإن أي محاولة اليوم لإصلاح الاقتصاد لا يمكن أن تحدث إلا بعد إعادة ترتيب الأوضاع على المستوى السياسي، والقضاء على إمبراطوريات النهب والفساد المنظمة، والرئيس يعلم هذا، وتم وعد الشعب بمحاكمتهم، ولكن كانت هناك تسويات خفية بين الفاسدين والحكومة».

إن الأزمة السياسية التي حدثت في السودان، عن طريق النظام السابق كانت نتائجه كما أوضحه الخبير الاقتصادي؛ الضرب على موارد البلاد، وجعل الشعب في حالة يرثى لها، فالجانب السياسي إذ لم يكن عادلًا ومنفصلًا، لم تعدل باقي الجوانب، بل سيتجهون إلى الفرص المتاحة، وإن كانت خاطئة، ففي المجال التعليمي نجد أن أغلب الشعب السوداني ركز على التعليم في الخارج، والاستقرار الخارجي، وترك البلاد لأصحاب النهب والسلب، لم تتمكن البلاد من استثمار الموارد الطبيعية والبشرية.

بينما في المجال الصحي؛ لا يحظى القطاع الصحي بأولوية في بنود الصرف الحكومي، التي يستأثر محور الدفاع والأمن على النسبة الأعلى منه.

يشهد السودان منذ سنوات، أزمة في القطاع الصحي، تتمثل في ارتفاع تكلفة الخدمات العلاجية، وتدهور المرافق الصحية عمومًا، بشكل أثار سخط الأطباء والمرضى معًا؛ ودفع ذلك لجعل الأطباء أصحاب الأردية البيضاء، رأس حربة الاحتجاجات السودانية الحالية، سواء كان ذلك عبر الإضراب المعلن حاليًا عن الحالات الباردة، أو بالاعتصامات، وبدعم وتوجيه مباشر من لجنة الأطباء المركزية، المناهضة لسياسات الحكومة. إن الفساد السياسي لم يتوقف عند تدهور الاقتصاد والتعليم بل اتجه إلى الخدمات الإنسانية (الصحة) وأهملت الحكومة القطاع الصحي؛ نظرًا لزيادة التكاليف العلاجية ومستلزمات الشعب.

ومن جانب آخر؛ الفقر في السودان، هل تساءلنا يومًا لماذا السودان فقيرة بالرغم من غنى مواردها الطبيعية؟ ثلاثون عامًا على حكم البشير، ونسبة الفقر في ازدياد؛ إذ وصلت إلى 80% ومرد ذلك تراجع الناتج من الزراعة، والهجرة من الريف إلى المدن، والمهن الهامشية، وتوسّع نطاق الصراعات المسلحة، لتشمل إلى جانب إقليم دارفور، كلًّا من ولاية النيل الأزرق، وكردفان؛ كلها صراعات تنفق فيها ملايين الدولارات، التي تُخصم من جيوب الفقراء، وقد أدّت إلى نزوح قرابة 300 ألف بين أواخر فبراير (شباط) ومنتصف أبريل (نيسان) 2014، يضاف إليهم 2.2 مليون شخص، يعيشون أصلًا في مخيمات النزوح، منذ بدء الأزمة قبل 11 عامًا؟

إن التغييرات الداخلية في الدولة، وتضارب الإحصائيات إلى الأسوأ، هي الدافع الأساسي في جعل الشعب يركز على نقطة واحدة وهي، كيف يتم تغيير النظام الحالي وتغيير الآليات التي سار عليها البشير؟

إن الشعب لا يطلب الكثير، ولا يريد أن يكون أغنى شخص في العالم، إن متطلبات الشعب هي الحياة الكريمة، والحرية في الممتلكات، وتوفير سبل الراحة في كافة قطاعات الدولة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد