«لا القفز ينجّيها ولا المكوث يجديها ولا الطّريق مضمون فيهديها. تلك هي أصعب اللّحظات!».

قد لا يمكن وصف حال الثّورات العربيّة إلّا  بمثل هذه الجملة. فالثّورات العربيّة أشبه بغزال يقف على منحدر جبليّ وعر، لا حلّ أمامه سوى المكوث أو السّير أو القفز! وقد يكون الحلّ الوحيد شقّ طريق جديد في الصّخر! فالثّورات العربيّة بين مطرقة استمرار  الأنظمة الحاكمة وفسادها واستبدادها وترهلها، وسندان السّقوط في فوضى مدمّرة تحوّل الأوطان إلى شبه دول. وهو ما حدث فعليّاً في ليبيا وسوريا واليمن. أو تمكّن جماعات الإسلام السّياسيّ من الحكم بقدرتهم الهائلة على الحشد والتّنظيم والغواية بمداعبتهم مشاعر النّاخبين الدّينيّة مستغلّين عقود من الجهل والجفاف السّياسيّ. وما إن يصلوا إلى الحكم حتّى يقوموا بنسف جميع الاستحقاقات الدّيمقراطيّة، ويكونوا أشرّ على الأوطان من تلك الأنظمة الاستبداديّة. وهو ما ظهرت بوادره في مصر عند وصولهم الي الحكم بعد ثورة يناير, وهو ما اختبر فعليّاً في إيران على سبيل المثال، بعد سقوط نظام الشّاه الاستبداديّ وتمكّن نظام الملالي من الحكم في ايران، ليكون أشدّ قمعاً واستبداداً من نظام الشّاه بل استخدم نفس السّجون الّتي طالما استخدمها الشّاه في قمع المعارضين!

ولأنّ التّجربة هي سيّدة الواقع دائماً، فإنّ التّجربة تقول، باستثناء السّودان الّتي لا حلّ لها سوى اجتزاز حكم الإسلاميّين تماماً من جذوره. فنتيجة لسياستهم قُسّم أكبر بلد عربي وأفريقيّ، وقامت الحروب الأهليّة شرقه وغربه، وافتقر شعبه. وعندما ثار الشّعب الأعزل المسكين عليهم بعد ما يقارب الثّلاثة عقود، أخذوا يتحدّثون عن مؤامرة على الإسلام والمسلمين! فالاسلاميين لا يهمّهم الأوطان حتى ولو تقطّعت أوصالها كما حدث في السّودان، لأنّ ما يسيطر عليهم نزعات دينيّة هلاميّة. وهذا ليس تجنٍّ عليهم؛ فمن يلقِ نظرة سريعة على أدبيّاتهم يكتشف ذلك بوضوح.

وقد قالها  صراحة مرشد الإخوان المسلمين السّابق في مصر «طظ في مصر». فالأوطان بالنّسبة لهم ليست سوى جزء صغير من حلمهم الهلاميّ.

أمّا بالنّسبة للدّول العربيّة الأخرى وفي مقدّمتها الجزائر، أكبر الدّول العربية والأفريقية من حيث المساحة، فإنّ محاولة إسقاط النّظام على غرار ما حدث في ليبيا واليمن، لعب بالنّار. وهذا في اعتقادي لن يسمح به المحيط الإقليمي للجزائر ولا المجتمع الدّولي لما فيه من تهديد أمني مباشر سوف يهدّد هذه الدّول لو سقطت دولة في حجم الجزائر في الفوضى، وأصبحت مرتعاً وملاذاً للإرهابيين والمتشدّدين على غرار ما حدث في سوريا وليبيا.

تحرّك الشّارع الجزائري كان مطلوباً وضرورياً لإيقاف مهزلة العهدة الخامسة للرّئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة. وذلك لتحجيم دور الفاسدين الّذين يرغبون في ذلك التّمديد ربّما دون رغبة من بوتفليقة نفسه، لاستمرار الفساد والإفساد ونهب الثروات!

ولكن بعد استجابة الرّئيس بوتفليقة لمطالب المتظاهرين بعد اجتماعه مع رجل ليس قيمة جزائرية وعربية وحسب، بل وعالميّة مثل الأخضر الابراهيمي، وإعلانه عدم التّرشح لعهدة خامسة وتأجيل الانتخابات الرّئاسيّة، واقتراح رئيس الأركان الجزائري بتفعيل المادة 102 من الدستور الجزائري التي تقضي باعتبار منصب رئيس الجمهورية شاغر في حالة عدم مقدرته علي القيام بمهامه الي أن تم استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قبل نهاية عهدته الرابعة بستة وعشرين يوما. على الجميع أن يقف عند هذه النّقطة ولو مؤقّتاً ويكون في حالة تأهّب تحسّباً لأي التفاف اعتادت عليها الأنظمة. وإعطاء الفرصة للمفاوضات السّياسيّة والثّورة داخل النّظام نفسه وتغيير النّظام وليس إسقاطه . أما استمرار حالة الثّورة ورفع شعار الثّورة مستمرّة وإهانة رموز مثل الأخضر الابراهيمي الّذي رفع المتظاهرون لافتات مكتوب عليها «الأخضر ابراهيمي ..من أنت؟!» فهذا لن يذهب بالجزائر إلّا بسيناريو أفضله السيناريو المصريّ!                                                                                   

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s