منذ أيام شاهدت فيلمًا تركيًّا باسم «فرصة ثانية»، تدور أحداثه حول رجل أربعيني ثري يعيش مراهقة متأخرة، وسيدة أربعينية مطلقة تعمل معلمة رياضيات، وفي إطار اجتماعي كوميدي تلعب الصدفة دورها حتى يقع كل منهما في حب الآخر، ثم يحدث موقف ليذكرها أن مراهقته تلك ما زالت كما كانت وأنه لن يتغير، خاصة وأن هذا الرجل يحمل طباع طليقها السابق نفسها، والتي بسببها أصبحت حياتها مستحيلة معه فكيف بها تتكرر الآن!

وإذا بها ترى أن العمليات الحسابية نتائجها ثابتة لا تتغير فإن 2× 2= 4 مهما فعلت لا احتمال أن يكون ناتجًا آخر.

بعد فترة تبدل هذا الرجل جذريًّا حتى تحول الثابت لمتغير، وكأنك استبدلت الرقم 2 ليحل مكانه رقم آخر، وبالتالي اختلفت النتيجة! وحينها كان من حقه وحقها أن يكون لهما «فرصة ثانية».

وهكذا على الواقع فنحن جميعًا بحاجة إلى هذه الفرصة؛ فالجميع يخطئ والجميع أيضًا يستحق فرصة جديدة طالما في العمر بقية.

وبالنظر إلى نفسك قليلًا لو استرجعت حياتك بأقوالك وأفكارك وأفعالك، وحتى طباعك لخمس سنوات مضت، ثم نظرت إلى خمس سنوات قبلها وهكذا، ستتفاجأ كثيرًا كيف تغيرت وكيف غيرتك الأيام، والأماكن، والناس، والأحداث، والقراءات حتى إذا نظرت إلى عشرين عامًا للوراء لرأيتك شخصًا آخر مختلفًا تمامًا عنك الآن، جرِّبها وستتعجب لأمرك، ربما تحولت لشخص لم تكن تريده منذ وقت مضى، وربما أصبحت أفضل كثيرًا مما أردت لنفسك.

على كل الأحوال فبداية عام جديد هو فرصة جديدة وهبة من الله لك، عليك استغلالها بأفضل ما يكون.

والفرصة الجديدة هي شكل من أشكال الرحمة بأن تتغاضى وتعفو عن الخصام والظلم عن كلمة استقرت فتركت أثرًا بقلبك عن أفعال ضاق بها صدرك، حاول أن تغفر وتعطي الفرصة، فلعلك في موقف آخر تخطئ وتنتظر هذه الرحمة!

الفرصة الجديدة هي وقت جيد للتعويض، أن تعوض شخصًا بقي بجانبك تحمل عثراتك وسقطاتك، بالطبع يستحق أن تبذل من أجله الكثير حتى تمحى كل لحظات الحزن والركود.

والتعويض قد يكون من أجلك أنت، فيوم جديد فرصة جديدة للتوبة ومحاسبة النفس، والتوقف عن ذنب معين، فما إن وعيت ذلك وتذكرت فلا تفرط في هدية الله لك بالرجوع إليه.

والفرصة كي لا تفقد قيمتها فهي مرهونة بالتغيير لمن يأخذها والحذر لمن يعطيها، فلا يلدغ مؤمن من جحر مرتين!

أيضًا عام جديد هو فرصة جديدة لتجديد الثقة والأمل،  الثقة في الله بأن القادم خير فتعمل وتعطي نفسك الفرصة، فتعيد حساباتك من جديد، وتغير الروتين الذي اعتدت عليه وترتب أولوياتك، وتحاول وإن فشلت انهض من جديد، ولا تكن من المتساقطين عند المحطة الأولى، اجتهد كثيرًا وحارب حتى تصل لما تريد ولا تتردد. وتذكر دائمًا «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يُغيّروا ما بأنفسهم».

فرصة جديدة لك للاستيعاب بان تستوعب من تحب وتقبله بعيوبه، تستوعب أن الاختلاف أهم سمات الحياة، فتنوع الآراء ثراء وغنى للفرد والمجتمع، وأن تتمهل في التفكير قبل الحكم على أي تصرف وسلوك لا تقبله، حتى لا تبالغ في رد فعلك فتؤذي مشاعر من حولك.

فرصة جديدة للاستمتاع بعائلتك قبل أن يخونك الزمن وتندم على تلك اللحظات الجميلة التي فرطّت فيها فكل فرد في أسرتك له بصمة وروح لا يعوضها أي شخص آخر، ولن يحمل لك أحد محبة في هذا العالم أكثر منهم، فاغتنم هذه الأوقات بوجودهم معك جيدًا.

وليكن شعارنا هذا العام «فرصة ثانية» لكل شخص وكل مسئول أن يراقب الله في أفعاله، وكل ما وُكِّل به، وأن يراجع الأخطاء فيعترف بها ويصحهها ويتعلم منها.

لكل صناع الفن أن يتقوا الله فيما يقدمون، وأن يكون وعي المشاهد هو الهدف الأسمى بعيدًا عن السقوط والانحلال.

لكل رجال الدين أن تكون الوسطية والاعتدال هي كلمتهم دون إفراط أو تفريط.

لكل سياسىي أن يعي جيدًا أنه يحمل مصير أمة فلا مجال للتهور أو الاستكانة.

لكم جميعًا لنستقبل هذا العام بروح مليئة بالأمل، وقادرة على التغيير والعمل. .دوكل عام وأنتم بخير.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد