الثانوية في مصر ولعنة كليات القمة وكليات القاع

في مثل هذه الأيام من كل عام، تعلن البيوت المصرية حالة الاستنفار القصوى، وتقف الأسرة متأهبة تختلج في داخلها مشاعر القلق والخوف في أعلى مستوياته، وتزداد دقات قلوب الآباء والأمهات خفقًا، تارة بين الأمل في أن تسفر النتيجة المنتظرة عن مستقبل مشرق لابنهم فيلتحق بكلية يطلق عليه بين عموم الناس كلية قمة، والخوف من أن تسفر النتيجة عن خيبة أمل في ابنهم الذي لن يكون أمامه إلا الالتحاق بكلية عادية لها نصيب كبير فى عدد العاطلين الذين يتخرجون من أمثالها للمجتمع.

وبسبب هذا اليوم وهذه السنة نرى ونسمع عن الكثير من حالات الانتحار والمشاكل وتترك لنا بعد انقضائها جيشًا من المكتئبين والحزانى، الذين قد يمضون حياتهم حتى النهاية لا تعرف لهم السعادة طريقًا، وهذا شيء مخيف ينذر بأجيال متحطمة في دولة متخلفة.

والمعادلة في حقيقتها ليست على هذا النحو، بل هي مختلفة تمامًا، لكن تراكمات الثقافة وأعراف المجتمع وتقاليده ومناهج التعليم ونظمة رسَّخت فينا التقييم الكمي لأبنائنا وقياس النجاح والفشل بمقياس درجات أعمى المجموع لا يعرف شيئًا عن قدرات هؤلاء الطلاب الحقيقية هواياتهم وما يميزهم والمجال المناسب الذي يستطيعون الإبداع فيه، بل يقلب الدنيا رأسًا على عقب فيضع الكثير من الطلاب في المجالات التي لا تناسبهم، فنرى طالبًا يهوى الطب وعلومه ويمتاز بملكاته يجبره المجموع أن يكون مهندسًا، وهو لا يحب علوم الهندسة وضعفه باد في أدواتها وهكذا يحدث خلل عميق في المجتمع وإهدار عظيم للقدرات ووضعها فى غير محلها وحرمان المجتمع والأمة من الاستفادة بتلك القدرات فى أماكنها المناسبة، حيث تثمر وتبدع وتترك بصمة تساعد في نهضة المجتمع، بل على العكس تخرج لنا الجامعات كل عام نسخًا مكررة في قالب كل مجال تستحوذ عليهم فكرة أن هذا المجال فُرض عليها فرضًا فلا يبقى لهم هم سوى التماشي مع المجال ومجاراته بغية الاستقرار المادي فقط، ومما يفاقم الأزمة عندنا ويزيد من الحزن والحسرة أننا لم نحاول التفكير في هذا الأمر بطريقة مختلفة عن الفكرة السائدة عن الثانوية، وهى أن نتيجتها ليست مقياسًا نهائيًا للنجاح والفشل العلمي والعملي في الحياة كما أن المجموع ليس عصا ساحر يضع بدقة كل شخص في مكانه المناسب وعلينا إزاء هذا أن نبدأ رحلة اكتشاف أنفسنا وقدراتنا ونقرر على إثره المجال المناسب لنا الذي نستطيع أن نصل فيه إلى أقصى درجات الإبداع ونترك بصمة في الاختصاص وفى المجتمع لم يسبقنا لها أحد، وإذا ما اخترنا مجالنا فيجب أن نتمسك باختيارنا في عزم وتصميم متجاوزين تقاليد المجتمع وأعرافه في هذا الشأن، ولا نتخلى عن اختصاص نحبه وتتميز فيه بدعوى أن موقعه في التنسيق متدن فقط.

ويجب على الآباء ألا يربوا أولادهم على التلقين والإقناع في اختيار كلية معينة لأنها فقط من كليات القمة، بل عليهم أن يربوهم على كيفية التفكير الصحيح وطريقة الاختيار الصحيحة لمجالهم ويمتلكوا الآداة العقلية التي تمكنهم من التمييز بين الاختصاصات المتعدده أمامهم في الحياة.

كما أنني لا أعفي الدولة من مسؤوليتها في إيجاد نظام تعليمي متطور قائم على معايير الكفاءة والقدرات والمناسبه ويؤسس لبيئة تؤهل الطلبه للابداع، وتساعدهم على اكتشاف مواهبهم، كما يجب أن توفر لهم تقنيات تعليمية متطورة تؤهلهم لسوق عمل حر مفتوح، يستطيعون إحراز قصب السبق فيه وترك بصمة والمساهمة بِلبنة في نهضة مصر ورسم معالم حضارتها.

ويجب أن نضع نصب أعيننا كمجتمع أننا لن نتقدم ونصل للنجاح والتفوق الشامل علميًا ونفسيًا ومجتمعيًا بتلك الضغوط القاتله التى يتحملها الطالب في تلك السنه مرغمًا، سوًاء ليصل إلى مجال يحبه موضوٌع في قمة هرم المجموع أو ليرضي أهله بكونه دخل كلية قمة يفتخرون بها أمام الناس.

ولن نتقدم وتلك السنة كفيلة أن تخرج لنا جيشًا من المكتئبين والحزانى يمثلون قنابل موقوتة لأن المجموع قد حال بينهم وبين مجال يحبونه ويرون أنفسهم وتميزهم فيه.

لن نتقدم وجامعتنا كل همها ملء كراسيها الفارغة وإفراغ مناهجها القاصرة في عقول طلابها في انفصام تام عن مقتضيات العلم وسوق العمل.

فقط سنتقدم حينما يتكون وعى ثقافي عند شبابنا، إن النجاح أفاقه واسعة لا ينحصر في حدود المجموع، وإن لحظة الثانوية ستمر وليست نهاية العالم، وأن عليهم أن ينطلقوا أحرارًا من كل الضغوط والنظم التعليمية الفاشلة، ويكتشفون أنفسهم ويشكلون شخصيتهم العلمية والعملية في استقلالية تامة، بعيدًا عن تقييدات النظم وقيود المجتمع.

وعندما يوجد نظام تعليمي صحي يعتمد على الفكر السليم والنظم المناسبة والتقنيات المتطورة، سنمتلك منهجًا يرسم لنا دربًا واضحًا نحو النهضة والحضارة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد