“راقبنا الوضع من بعيد حيث كانت طهران تشتعل إثر الانقلاب الذي انتهى بموجبه حكم الشاه واعتلى الخميني مرشدا عاما وحاكما مطلق الصلاحية في 11 من شباط 1979، وفي الأسبوع الأول تفاجأنا كعراقيين قيادة وشعبا وقبل أن تتثبت ركائز الثورة الخمينية بإذاعة طهران تبث نداءات تحريضية وثورية تجاه الشعب العراقي، لقد كان واضحا ومن الوهلة الأولى أن هناك سياسة عدائية ضد العراق وأن مشروع ولاية الفقيه الذي أقرته الثورة الخمينية لا يمكن أن يستمر إلا بالتوسع بدءا بالعراق ” كانت هذه الشهادة للسفير العراقي السابق في إيران عبد الستار الراوي والتي تتوافق فعلا مع الأحداث والوقائع الموثقة.

ولعل الرئيس العراقي أحمد حسن البكر ورغم حنكته السياسية ونضاله ضد البريطانيين لكنه بدا وكّأنه لم يستوعب ضرورات المرحلة وهو ما حذا بالقيادة القطرية للحزب البعث الاشتراكي إلى إقناع البكر بالاستقالة كرما لعيون صدام حسين وهو الأمر الذي تم فعلا في 17 من تموز 1979 وهي السنة ذاتها التي اندلعت فيها حرب ضارية مدمرة دامت 8 سنوات سطر فيها الجيش العراقي بمختلف تشكيلاته ملاحم لقنت العدو دروسا وعبرا، لم يكن العراق ساعيا إلى شن حوض هذه الحرب بل كان يسير في درب التنمية وتطوير البنى التحتية وإصلاحات شاملة في المناهج التعليمية.

وقد تزامنت هذه الفترة مع زيادة في الطلب على النفط وارتفاع في أسعاره مما ساعد العراق على القفز بوتيرة متسارعة في العديد من المجالات، وهو الأمر الذي كان منعدما قبل حلول صدام في الحكم وقد وصف حال العراق قائلا: كانت بغداد أقرب إلى قرية كبيرة مهملة، وكانت ميزانية الدولة خاوية، والذين يعملون من مواطني بلادنا قلة، وتضرب الأمية أطنابها في أرجاء العـراق، والتخلف، والموقف العاجز من الحياة ينهش العقول”. ويمكننا التركيز على تأميمه لقطاع الطاقة ومجانية كل من التعليم والعلاج ودعم الاستثمار الفلاحي وهو الأمر الذي جعل العراق قوة إقليمي ضاربة. لقد سعت إيران منذ القدم إلى التوسع على حساب العمق العربي وقد أشار المشير عبد الحليم أبو غزالة في كتابه الحرب العراقية الإيرانية ابتداء من معركة ذي قار إلى حروبها مع الدولة العثمانية إلى استلائها على الجزر الثلاثة العربية، وكانت الدوافع المذهبية الدافع الأساسي لهذه السلوكيات العدوانية.

خريطة التوسع الفارسي التي سطرتها الثورة الخمينية في إيران

 

ضرورات الحرب وبدايات الحرب بين العراق وإيران:

يقول بسمارك: “إذا ما كان العدو يعد العدة لشن الحرب، سيصبح من الحمق عدم مبادرته بحرب وقائية مانعة”. وهي القناعة التي توفرت لدى القيادة العراقية، وأثبتتها الشواهد والوقائع ويشير أحمد الكاتب القيادي بحزب الدعوة السابقة أن بعض المعممين الثوار أرادوا علاقات متينة مع العراق في حين رأى طرف آخر أولوية التأزيم، وهي الرؤية التي انتصرت ودفعت بحزب الدعوة إلى داخل التراب العراقي في محاولة إلى ضرب الوحدة المجتمعية وزرع بذور الطائفية، كان واضحا أن العراق أول المشاريع المتاحة أمام القيادة الإيرانية، تميزت مشاغبات النظام الإيراني في قصف متكرر للمراكز والمخافر الحدودية وعرقلة الملاحة في شط العرب الذي أخذت إيران نصفه طبقا لاتفاقيات الجزائر رغم الأحقية التاريخية للعراق، وتكررت الاختراقات الجوية للسيادة العراقية بشكل استفزازي يوحي بتخطي إيران لجميع الأعراف والمواثيق الدولية، في 15 سبتمبر 1980 صرح مساعد رئيس الأركان الإيراني فلاحي للإذاعة الإيرانية أن بلاده في حل من اتفاقية الجزائر، وأن شط العرب وزين قوس وسيف سعد مناطق إيرانية، هنا أدركت القيادة العراقية أنه لا بد من الحرب ووقف العدوان السافر ضد أراضيها.

عند الساعة 00:00 انطلقت طائرات القوات العراقية محلقة فوق سماء طهران وقامت بقصف أهم المواقع الاقتصادية والإستراتيجية وضرب القواعد الجوية وبالموازاة مع الضربة الجوية كانت هناك عملية برية ثلاثية الانطلاق، وكان أهمها القطاع الجنوبي واستهدفت عربستان والأهواز واستطاعت الفيالق السيطرة على مساحات مهمة من الأراضي الإيرانية.

دخلت الحرب بين الطرفين إلى مرحلة الاستنزاف مع تفوق عملياتي واضح للقوات العراقية، تمكنت خلالها البحرية العراقية من إغراق 5 سفن إيرانية مع سيطرة تامة على الشريط الحدودي، وقد استعمل الطرفان الأيادي الموالية لهما حيث هاجمت جبهة تحرير عربستان المنشآت العسكرية في الإقليم ومثلها فعل الحزب الديمقراطي الكردي شمال العراق.

وهي معركة مني فيها العدو الإيراني بأفظع هزيمة حيث فقد ما يقارب 200 دبابة في محاولة له لاحتلال الخفاجية ولكنه فوجئ بهجوم مضاد من لواء القعقاع الذي حاصر القوات الإيرانية واستطاع أن يفتك بها والاستيلاء على معدات عسكرية ثقيلة وأعداد من القتلى والأسرى.

في السنة الثانية للحرب 1982م واستجابة لدعوات بعض الدول والمنظمات العربية والدولية بهدف إقناع القيادة الإيرانية بالحل السلمي ولإثبات حسن نية القيادة العراقية وتمسكها بالحل السلمي انسحبت القوات العراقية من جميع الأراضي الإيرانية إلى داخل حدودها ما قبل يوم 22/9/1980حسب اتفاقية الجزائر، رغم ما يمثله ذلك من خطورة على المدن والقصبات العراقية الحدودية بسبب وقوعها تحت مرمى نيران المدفعية الإيرانية وبدل أن ترد القيادة الإيرانية على مبادرة العراق الحسنة بالمثل، قامت القوات الإيرانية وبكل حقد ووحشية بقصف المدن والقرى الحدودية بالمدفعية بشكل يومي لأنها أصبحت قريبة من مرمى المدفعية الإيرانية، كما بدأت تقوم بهجمات بأعداد كبيرة بما سمي بالموجات البشرية بهدف خرق الحدود العراقية واحتلال أجزاء منه خاصة المناطق الجنوبية في البصرة والعمارة، واستمرت بقصف المدن والهجوم بالموجات البشرية حتى استطاعت احتلال شبه جزيرة الفاو على الخليج العربي عام 1986، وأطلقت عليها اسم الفاطمية وأقامت عليها دوري بكرة القدم بهدف ضمها للأراضي الإيرانية.

 


 

عندما تجرع الخميني الســــم:

في ليلة 6 فبراير شنت إيران هجومًا ليليًّا كبيرًا بالمشاة قرب مدينة العمارة بقوة مكونة من 6 فرق بإجمالي 50,000 جندي ضد الفيلق العراقي الرابع المكون من 7 فرق بـ 50,000 إلى 55,000 جندي، وكان الطقس آنذاك ممطرًا لمنع المروحيات الهجومية العراقية من الطيران، هدف الإيرانيون إلى جعل القائد العراقي يدفع باحتياطياته لصد الاختراق الإيراني ثم يقوم الإيرانيون بقطع طريق على خط بغداد-البصرة. إلا أن القائد العراقي احتفظ باحتياطياته خلف الخط الدفاعي العراقي الأول الذي أصبح منطقة قتل للأنساق الإيرانية، بحلول الصباح كانت المنطقة مكشوفة للطيران العراقي الذي نفذ غاراته بنجاح وأعلن أنه قام بـ150 طلعة في هذا اليوم.

في نفس اليوم 8 فبراير شنت القوات الإيرانية هجوما جديدا بالموجات البشرية في نهاية هذا اليوم منيت القوات الإيرانية بأكثر من 6,000 قتيل.

في السنوات المتتالية ظهر أن الجيشين استنزفا بما فيه الكفاية وأصبح الجلوس لطاولة المفاوضات ضرورة تمليها مصلحة البلدين، وانتصر العراق في مجموعة من المعارك الخاطفة والتي كانت أهمها: معركة رمضان المباركة، معركة توكلنا على الله الأولى والثانية، معركة محمد رسول الله، وجلس الطرفين على مائد التفاوض والقبول بقرار 598 الأممي والذي تضمن مجموعة من البنود أهمها انسحاب إيران إلى الحدود الدولية ووقف إطلاق النار، وكانت البنود في حد ذاتها انتصارا عراقيّا خالصا رغم الخسائر البشرية التي فرضتها الحرب لأنها أسقطت مشروع الولي الفقيه الذي هدد البلدان العربية المجاورة لإيران خاصة عمان والكويت والبحرين، وقد صرح رفسنجاني عن الرسالة التي أرسل بها إلى القيادة السياسية العامة والتي وصف فيها الأخير قرار قبول القرار 598 بتجرع السم والتخلي عن طموحه في إسقاط صدام حسين وفتح القدس عن طريق كربلاء، وقد أصبحت القوات الإيرانية منهكة غير قادرة على القتال مجددا وبهذا أسدل الستار على حلقة مريرة من الصراع العربي الفارسي استطاع من خلاله العراق القتال نيابة عن كل الأمة وتمريغ غرور ملالي إيران في التراب.

 

دول عربية شاركت مع إيران في حربها ضد العراق:

دول الخليج:

كان لا بد لنا قبل غلق التقرير أن نشير إلى الردود العربية وتفاعلها مع الحرب العراقية ضد إيران وعلى عكس ما روج كثيرا حول دفع تكلفة دول الخليج لحرب الثماني سنوات فقد فنده الفريق الركن نزار الخزرجي وأكد أن ما دفعته دول الخليج لا يتعدى 10% وهو مخالف لتعهداتها التي سبقت الحرب.

بل وصل الأمر إلى بث تقارير تفيد مشاركة المملكة العربية السعودية في فضيحة كنترا إيران التي تسلحت بموجبها إيران بالسلاح الأمريكي بوساطة السعودي عدنان خاشقجي ومسؤوليين سعوديين، ولكن لم تثبت صحة هذه التسريبات.

حافظ الأسد:

يعتقد عبد الحليم خدام صاحب كتاب “التحالف السوري الإيراني والمنطقة” أن حافظ الأسد لو خير بين صدام والخميني لاختار بيسر الخميني وهذا بسبب الكره الذي يكنه للقيادة البعثية في العراق، وقد بدا واضحا انحياز سوريا للحليف الإيراني في حربها على العراق رغم محاولات الأسد وقف الحرب حفاظا على نظام الخميني الذي كان هشّا في بدايات تشكيله، ويرتبط حافظ الأسد بعلاقات قوية مع الخميني منذ طرد صدام حسين له عندما كان فارا من نظام الشاه، وبعد الطرد عرضت دمشق عليه اللجوء بدلا من بغداد لكنه فضل اللجوء في باريس.

العقيد معمر القذافي:

كان هاتفا مدافعا وداعما للعراق، ولكن هذا الدعم لم يتجاوز خطبه وحواراته ولكنه في الخفاء أرسل منظومات صواريخ متطور مع فرق تشغيل ليبية قامت بقصف بغداد، ويعود الأمر إلى كون القذافي يرى نفسه الوريث الوحيد للزعامة العربية بعد جمال عبد الناصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد