(1)

«والشاهد أن تعدد الآراء في التفسير والتحليل لا تكون له قيمة إلا إذا كان عن معرفة ودراية بالحقائق، وليس أخذًا بالظنون تحسب نفسها تعرف بظاهر ما ترى، وهو على أحسن الفروض جزء من الحقيقة لا يكفي لتأسيس رأي أو تأصيل فتوى لأن الرأي والفتوى كلاهما يحتاج إلى إلمام بالموضوع، ومتابعة للوقائع وسماع للشهود ومداولة تمعن النظر حتى تستوفي جوانب قضيتها، ثم يكون الرأي بعد ذلك والفتوى عن اقتناع رصين وليس عن انطباع هوائي تأخذه الريح معها حيث ذهبت في أي اتجاه». محمد حسنين هيكل

إيضاح لا بد منه:

ظني أن مهمة الباحث السياسي خصوصًا الباحث الذي لا يبتغي إلا الحقيقة ولوجه الحقيقة، والكاتب بصفة عامة هو تجاوز ظاهر الموضوع ومحاولة النفاذ إلى عُمق ذلك الموضوع، وليس مهمة الكاتب مدح السلطان والإشادة بعظمته فيما قال أو لم يقل، أو فيما فعل أو لم يفعل، أو في التبرير له في الأخطاء قبل الخطايا! كما نقرأ ونسمع ونشاهد اليوم من كثيرين ممن يُطلون علينا من أعمدة الصحف أو ميكروفونات الإذاعات أو شاشات الفضائيات.

  • تتبقى ملحوظة وهي أن توثيق المصادر سيرد إما في سياق المقال، وإما في نهايته.

 

وأخيرًا فإن رجائي ألا يُحسب ذلك العمل على غيري ولا ضمن أخطائي، وإذا حدث فدعائي أن تظل المسافة ظاهرة وواضحة بين الأخطاء والذنوب!

(2)

«إن الأهداف التي لا تستطيع تحويل نفسها إلى سياسات تظل مجرد أحلام يقظة أو نوم –ثم إن السياسات التي لا تستطيع ترجمة أهدافها إلى خطط تظل مجرد نوايا طيبة أو سيئة– ثم إن الخطط التي لا تتخذ لنفسها خطوات تنفيذية على أرض الواقع تظل مجرد حبر على ورق». قاعدة في علم الإدارة السياسية

 

عندما سقوط حائط برلين (9 نوفمبر 1989) وما تداعى بعده من بشائر أو مخاطر، وتدفق طوفان ذابت فيه جبال الجليد فوق تضاريس الحرب الباردة مرة واحدة. كان «جورج بوش» (الأب) لحظتها رئيسًا للولايات المتحدة، وقد وجد أمامه فرصةً نادرةً في التاريخ.

وفي ممارسة «جورج بوش» (الأب) لمسؤوليته فإنه وجه الدعوة لمجلس الأمن القومي الأمريكي لعقد سلسلة من الاجتماعات مهمتها مواجهة مستجد وطارئ حاسم وفاصل في مستقبل أمريكا والعالم.

وكان من بين حضور الاجتماع رجال ما زالوا من أهم راسمي السياسات وصناع القرارات في واشنطن من وقتها (1989) وحتى اليوم، وضمنهم أسماء من عينة (جيمس بيكر، برنت سكوكروفت، ريتشارد تشيني، دونالد رامسفيلد، كولين باول، ريتشارد بيرل، ريتشارد أرميتاج، جيمس ولسلى، كونداليزا رايس).

وفي ذلك الوقت من رئاسة «بوش» (الأب) عقد مجلس الأمن القومي الأمريكي خمسة اجتماعات ما بين أواخر سنة 1989 وأوائل سنة 1990، ثلاثة منها داخل البيت الأبيض في واشنطن، واثنان داخل المنتجع الرئاسي (كامب ديفيد) وفيما بين الاجتماعات تواصلت لقاءات أطلق عليها فيما بعد وصف (المناقشة الكبرى) «the great debate» إقرارًا بأهميتها عند مفترق طرق أساسي تتحدد فيه وتتقرر سياسات أمريكا في القرن الحادي والعشرين، وبصفة أولية فقد كانت لهذه الاجتماعات نقطة بداية سبقت، ونقطة وصول لحقت.

 

بوش الأب

نقطة البداية التي سبقت هي الإقرار بأن السياسة الأمريكية تمكنت بعد نصف قرن من تنفيذ التوجيه الرئاسي (رقم 68 لسنة 1950)، وهو توجيه صاغه الخبير الإستراتيجي «بول نيتزى» وقدمه إلى «دين آتشيسون» وزير الخارجية الذي وضعه أمام الرئيس «هاري ترومان» مع طلب توقيعه واعتماده.

 

وكان نص مقدمة هذا التوجيه يقول: «إن الهدف الإستراتيجي لسياسة الولايات المتحدة يتحدد في تدمير الاتحاد السوفيتي، وتحقيق تفوق عسكري أمريكي كامل عليه».

 

ونقطة الوصول التي لحقت: أن هناك الآن مشروع توجيه رئاسي جديد تولت صياغته لجنة خاصة رأسها «ريتشارد بيرل» (أمير الظلام) كما يطلقون عليه في واشنطن! وفيه بالنص:

«إن الولايات المتحدة بعد أن توصلت إلى تحقيق هدفها المطلوب بالتوجيه الرئاسي رقم 68 لسنة 1950، وعلى امتداد أربعين سنة من الحرب الباردة، ووصلت إلى تفوق اقتصادي وعسكري غالب، عليها عند هذا أن تضع وتنفذ السياسات الكفيلة بضمان استمرار القوة الأمريكية غالبة، وبحيث تظل إرادتها غير قابلة للتحدي، ودورها غير قابل للمنافسة».

 

وفيما بين نقطة البداية التي سبقت وحتى نقطة الوصول التي لحقت وجد المكلفون بالأمن القومي الأمريكي وقتها أنفسهم أمام مجموعة من الاعتبارات المهمة والكبيرة والخطرة في الوقت ذاته:

أنه منذ الرئيس (كارتر) سعى مستشاره (برجنسكى) إلى تشكيل هيئة من أربعمائة خبير يرأسهم (بول نيتزي) مهمتها التحضير للسيناريوهات المحتملة لنهاية الاتحاد السوفيتي، والاستعداد لعواقبها كيفما تجيء، وكان (برجنسكي) يرى نهاية الاتحاد السوفيتي قادمة «في أي وقت من بداية القرن الحادي والعشرين». وكان معظم السيناريوهات التي رسمها الخبراء لنهاية (إمبراطورية الشر) تتحسب لمغامرة حرب مسلحة، أو مفاجأة انقلاب، أو محنة فتنة أهلية. لكن لا يبدو أن أحدًا توقع أن تجيء هذه النهاية بسكتة قلبية هادئة وسلمية مستعدة لنهاياتها دون محاولة إنقاذ ولو بالصدمة الكهربائية، سواء قام بها الحزب الشيوعي أو الجيش الأحمر، ومن هنا فإن تلك التصورات المدروسة مقدمًا لم يعد لها داعٍ أو نفع!

كول يوحد الرايخ من جديد.. كيف حدثت الوحدة الألمانية بعد سقوط حائط برلين وموقف أمريكا منها؟

 

ثم لاحظ الجميع في (واشنطن) أن مستشار ألمانيا (هيلموت كول) تحرك بسرعة مستغلًا فرصة سقوط حائط برلين، ليطرح مطلب (وحدة ألمانيا)، ومع أن أمريكا ظلت حتى اللحظة الأخيرة تأمل أن تكون مقاومة الوحدة الألمانية آخر معركة يخوضها الاتحاد السوفيتي قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، فإن المستشار (كول) فاجأ الكل حين عرض مبلغ (ثلاثة بليون دولار) على الاتحاد السوفيتي (المفلس) مقابل ألا يعترض أو يعارض وحدة ألمانيا، وقد رضي (جورباتشوف) بالصفقة وأمله أن هذه الجرعة من السيولة تخفف من وجع السقوط.

(هيلموت كول) موحد ألمانيا من جديد

وبالتالي فإن القول الفصل بعد الرضا السوفيتي عاد إلى واشنطن وطار (كول) إلى أمريكا التي لم يعد لها عُذر مقبول لرفض الوحدة الألمانية، وهي في صميم قلبها لا تريدها مخافة أن تكون مقدمة لبعث ألمانيا، أو تجديد مشروع (الرايخ الكبير)، أو ترسيخ قوة أوروبا كمنافس محتمل وقادر على عرقلة السيطرة الأمريكية المطلوبة.

 

إلا أن البيت الأبيض اضطر للموافقة على مضض لأنه لم تكن لديه سياسيًّا ذريعة مقبولة للاعتراض، وقد ظل مناه أن الوحدة الألمانية ربما تُخيف فرنسا أكثر مما تقلق أمريكا، وربما تُزعج بريطانيا أكثر مما تهدد أمريكا، وذلك يؤدى إلى انقسام أوروبا أكثر من ترسيخ لقوتها.

 

بالإضافة إلى أن هناك تقديرًا أمريكيًّا أن ألمانيا سوف ترهق مواردها بأكثر مما تتصور في تحقيق الوحدة، وذلك حين تتكلف ما هو فوق طاقتها لرفع مستوى ألمانيا الشرقية إلى مستوى ألمانيا الغربية، وبذلك تكون تلك الوحدة عائقًا أمام التقدم الألماني بدلًا من كونه عنصرًا دافعًا للأمام.

صورة لهدم حائط برلين

إن هناك دواعي للحل خطرة تتعلق بالأحوال الأمريكية ذاتها في عدة مجالات (سياسية واقتصادية واجتماعية).

 

إن هناك شبح خطر يلوح على الأفق، وهو خطر نفاذ مصادر الطاقة المتوافرة للعالم، ومن الواضح أن الشرق الأوسط سوف يبقى مصدر أكبر إمدادات النفط وأكبر احتياطات للذهب الأسود في المدى المنظور في كل من السعودية والعراق وإيران وإمارات الخليج وبالقرب منها شُطآن بحر قزوين.
والمشكلة أن تلك المنطقة ومن يومها حتى اليوم أكثر بقاع العالم تأزمًا وتوترًا.

 

وعليه فإنه لا مفر من أن تكون منطقة الشرق الأوسط وليس غيرها مجال الاختبار الأمريكي الحاسم، مع ملاحظة أن أوروبا منافسٌ على البترول باعتبارها قارة تتشكل من جديد على أساس سوق مشتركة، ثم إن آسيا مستهلك قادم يطالب بزيادة نصيبه من الطاقة، فهناك كتل بشرية كبرى تتفتح شهيتها على الطاقة (الصين، والهند).
  • وعلى هذا الأساس كانت أمريكا تُدرك أن الشرق الأوسط يحتاج إلى عمليتين متوازيتين:

 

الأولى: تسكين الأطراف المنتجة للبترول كل منها في مربع لا تتجاوزه وذلك يتطلب:

 

تثبيت الأوضاع في السعودية ودول الخليج.

 

الثانية: ترويض الجموح الإسلامي في إيران.

 

التعامل مع العراق (القومي) الذي خرج من حربه مع إيران (الشيعية) مُرهقًا يطلب تعويضًا عن حرب استنزفته ثماني سنوات لوقف المد الإسلامي الصادر من طهران، وحجز تأثيره خصوصًا عن منطقة الخليج.

 

محاولة (إدارة الصراع العربي الإسرائيلي) بما يسمح بتخفيف احتقان الشعوب العربية تجاه أمريكا وإسرائيل، لأن ذلك الصراع ليس له حل في المدى المنظور.

وحتى ربيع سنة 1990 من رئاسة بوش الأب كانت المناقشة الكبرى ما زالت جارية في واشنطن تتجاذبها الاجتهادات والتقديرات، وفي ذلك الوقت ظهر في مجلس الأمن القومي رأيان:

 

رأي يمثله (الحمائم) من دعاة التحفظ (وزير الخارجية «بيكر»، و«سكوكروفت» مستشار الأمن القومي، و«باول» رئيس الأركان)، ومجمله «أن السيادة الأمريكية المطلقة على العالم مستحيلة، والأفضل منها قبول سيادة نسبية تسمح بوجود شركاء آخرين بأنصبة محدودة، خصوصًا مع الأوربيين».

 

ورأي آخر يمثله (الصقور) دعاة الاندفاع ومنطقهم «أن أمريكا تحملت وحدها مسئوليات الحرب الباردة وأعباءها فلماذا تقبل الآن بشراكة تزاحمها على جوائز النصر؟».
خصوصًا من أوروبا التي غازلت الاتحاد السوفيتي (كما فعلت فرنسا في عهد ديجول) و(كما فعلت ألمانيا الغربية بسياسة التوجه شرقًا كما حدث أيام المستشار «ويلى برانت»).

 

ثم إن الموقع الأكثر سخونة في العالم الجديد هو الشرق الأوسط مفتوح بالكامل أمام الولايات المتحدة بما في ذلك «أن كافة الأطراف فيه يطلبونها بالتخصيص ولا يهمهم غيرها (باعتبار أن العرب يأملون في ضغط أمريكي على إسرائيل في حل لقضية فلسطين)، ثم إن النفوذ الأمريكي في الخليج بأسره واصل إلى العمق، بالإضافة إلى أن الدول المؤثرة مثل مصر والسعودية وبقية الآخرين يتسابقون فيما بينهم على الحظوة في واشنطن!».

 

وإذن (كذلك رأى الصقور) «أن الولايات المتحدة ليس لها الحق إذا ترددت في إعلان سيادتها المطلقة على العالم».

الخطأ العراقي.. العراق يدخل إلى المصيدة الأمريكية!

 

وفي هذه اللحظة بالتحديد وقع خطأ الحسابات في (بغداد) فجر يوم أول أغسطس سنة 1990، حينما قررت القيادة العراقية ضم الكويت ليصبح المحافظة التاسعة عشرة للعراق، ولم يكن القرار في حقيقته مجرد قيام بلد عربي باجتياح حدود بلد عربي آخر (مهما كانت الذرائع)، وإنما كان جوهر الحقيقة أن خطًّا أحمر(أمريكيًّا) وقع تجاوزه وفي ساعة عالمية مفتوحة لكل الاحتمالات والتصورات والتقديرات.

لمزيدٍ من التفاصيل حول هذا الموضوع يرجى مراجعة الروابط الأتية:

https://www.sasapost.com/opinion/disaster-happens-while-we-are-sleeping/

(بوش الأب) وأركان إدارته صقور وحمائم يديرون حرب الخليج

 

وبالفعل فإنه بعد تحرير الكويت راحت إدارة (بوش الأب) تُركز على فكرة رئيسية هي:

كيف يمكن تحويل (السابقة) التي عاشها الشرق الأوسط في تلك الحرب (1991) إلى قانون عام يسود ويتحكم في القرن القادم؟

 

والقصد أنه إذا كان القرن العشرين هو قرن الصعود الإمبراطوري الأمريكي، فإن القرن الحادي والعشرين عليه أن يكون قرن التعزيز الإمبراطوري الأمريكي، وكان المفروض أن يكون ذلك هو شاغل إدارة (بوش الأب) عندما يُعاد انتخابه كما كان متوقعًا لمدة رئاسة ثانية، وقد ظهر أنه لم يعنيهم الأمر لأنها في اليد شبه مضمونة.

 

كان اعتماد إدارة (بوش الأب) أن الرجل في فترة رئاسته الأولى (1988-1992) قام بخطوات واسعة على طريق التعزيز الإمبراطوري بمقدرة وكفاءة:

 

ضربت ضربتها في المواقع الصحيحة من الناحية الإستراتيجية، عندما وجهتها نحو الشرق الأوسط، وهو المساحة المكشوفة بين آسيا وكتلها البشرية (الصين والهند)، وبين أوروبا (ودولها الصناعية القوية)، وبالتالي تحقق الاختراق نافذًا حتى النخاع.

 

ثم إن هذا النفاذ تمثل في انتشار عسكري واسع مد يده وقدمه! إلى أغنى منابع البترول، ومع أن هذا النفاذ حقق مطلبه بواسطة تحالف دولي واسع، فإن الولايات المتحدة هي التي رصت أطرافه، وتقدمت صفوفه، ونظمت خطاه، وضربت باسمه، وقد مشى هذا التحالف وراءها مسلمًا لها بالقيادة.

 

وزاد على ذلك أن النفاذ الأمريكي استطاع أن يعثر على ذرائعه القانونية والأخلاقية لأن تلك الحرب في الخليج سنة1991 بدت لكثيرين حرب تحرير لبلد صغير أغار عليه جار أقوى منه، وذلك أثار فزعه ودفعه إلى طلب النجدة من مصادرها، وقد وصلت النجدة بالفعل!

 

وعليه كان التقدير أن (بوش الأب) على خلفية حرب تحرير الكويت سوف يحصل يقينًا على رئاسة ثانية تتم فيها عملية التعزيز الإمبراطوري، وتأكيد ثلاثة أهداف:

 

سيطرة أمريكية مطلقة في العالم غير قابلة للمناقشة أو التحدي.

 

سيطرة مباشرة على منابع النفط تتحكم في إنتاجه وتقنين استهلاكه.

 

نفاذ غائر وراسخ في المنطقة هي على الخريطة قلب العالم ومفترق طرقه البرية والجوية والبحرية.

 

(إنه الاقتصاد يا غبي) شعار كلينتون الذي أسقط بوش!

 

لكن غير المتوقع يحدث دائمًا (باستعارة عنوان قصة مشهورة لأندريه موروا)، وذلك ما جرى حين خسر «بوش الأب» معركته الانتخابية، وسقط أمام مرشح آخر مجهول من ولاية (أركانساس) أطلق شعارًا سحريًّا لمس فيه نبض الشعب الأمريكي بقوله: (إنه الاقتصاد يا غبي) موجهًا الخطاب بالطبع إلى الرجل الحالم بتعزيز الإمبراطورية الأمريكية دون أن ينتبه إلى أن الاقتصاد الأمريكي متعب ومرهق، فقد خرج من الحرب الباردة مستنزفًا، والدليل أن الولايات المتحدة أصبحت أكبر مدين في العالم.

(بيل كلينتون)

 

كانت إدارة «بيل كلينتون» واعية بأهمية المشروع الإمبراطوري الأمريكي، ومطلعة على وثائقه، لكنها كانت عازمة على تحقيقه بأسلوبها وليس بأسلوب أصحابه الجمهوريين، ولدى إدارة كلينتون لذلك سببان:

الأول: لأن تلك الإدارة أعطت الأولوية للاقتصاد، وبلغت في شأنه درجة مقبولة جدًّا من النجاح.

الثاني: لأن إدارة كلينتون قررت أن تتخذ مع بقية العالم أسلوبًا أكثر نعومة يعتمد الحرير بديلًا عن الحديد.

ملاحظة خارج السياق

 

الغريب أن «كلينتون» استطاع تحقيق كل ذلك وهو منشغل بملذاته الجنسية مع جميلات من عينة (جنيفر فلاورز)، (بولاجونز)، (كاثلين ويلي)، (مونيكا لوينسكي) التي فجرت للرجل فضيحة كادت أن تُفقده منصبه لولا «تمترُس» (كلينتون) خلف كتيبة من المحامين وخبراء العلاقات العامة والإعلان.
وقررت تلك الكتيبة المدافعة عن الرجل (استخدام أسلوب مثير يشد الانتباه تجاه الفرعيات، وبذلك يبعدون الأنظار عن الكليات)، أي «الاعتراف بالفضفضة التي جرت على المخدة حتى لا يتم التطرق لما وقع من أفعال على المرتبة»!!

 

ومثلًا فإن دفاع (كلينتون) عن نفسه أمام هيئة المحلفين الكبرى وتحت القسم قوله: «إن مونيكا أتت فعلًا جنسيًّا معه، وأما هو فإنه لم يرتكب فعلًا معها!».

 

ويضيف محاميه في شرح المقصود : «بأن (مونيكا) ارتكبت الفعل لأنها استعملت شفتاها، وأما هو فلم يرتكبه لأن سيجاره هو الذي لامسها، وليس هو شخصيًّا!».

مونيكا لوينسكي

 

ثم أن خبراء العلاقات العامة والدعاية قرروا استخدام صور حميمية بين (كلينتون) وزوجته (هيلاري) لكي يرسلوا رسالة: «أن زوجته قد صفحت عنه وهي صاحبة الشأن الأكبر في الموضوع، فلماذا لا تفعلون مثلها!».



صور حميمية للزوجين

عودة من جديد للسياق

 

إن إدارة (كلينتون) أدركت أن مشروع أمريكا الإمبراطوري يصعب تنفيذه بتجاهل أوروبا أو آسيا الصاعدة بقوة، وكذلك استقرت إدارة (كلينتون) على أفضلية السماح بقيام مجلس إدارة لشئون العالم له رئيس وأعضاء مجلس الإدارة.

 

ثم إن إدارة (كلينتون) متفقة على أن النداء الذي يستطيع إقناع الكل بقبول دور متميز للولايات المتحدة، هو التصدي للإرهاب.

 

وفي مُدة الرئاسة الثانية للإدارة (كلينتون)، وبينما الرئيس شبه معوق بمحاولات عزله وشبه مجروح باضطراره للدفاع عن نفسه أمام شعبه وأمام شعوب العالم، وهو يحاول شرح الفارق بين جنس كامل وجنس غير مكتمل! ظهر لدُعاة الشأن الإمبراطوري أن (كلينتون) وإدارته غير مؤتمنين على المشروع الإمبراطوري لأمريكا.

دوبيا يلعب دور القيصر الرئيس!

في أواخر عهد (كلينتون) قامت مجموعة من المؤمنين بالمشروع الإمبراطوري الأمريكي أمثال (جيمس بيكر، ريتشارد يرل، كولين باول، ريتشارد أرميتاج، دونالد رامسفيلد،، ريتشارد تشيني، بول ولفيتز، كونداليزا رايس) وقضى ذلك الفريق سنة كاملة للإعداد خطة تجديد المشروع الإمبراطوري الأمريكي، ومرة ثانية تم تجهيز تقرير نهائي، وكانت الخطوط الرئيسية محددة كالتالي:

  1. الحزب الجمهوري لا بد له أن يمسك من جديد موقع رئاسة الولايات المتحدة مرة أخرى، لأنه الحزب المهيأ لمهام الزمن القادم، وفي نفس الوقت صاحب الرؤية الأوضح لمهام ذلك الزمن القادم.
  2. الرئاسة القادمة عليها أن تدرك بعمق أن الولايات المتحدة الآن في وضع فريد لم يتح لأي قوة في التاريخ، فلديها الآن شبه تفرد بالنفوذ لأن انهيار الاتحاد السوفيتي واختفاءه جعلها قادرة على نشر قيمها، وترسيخ مسئوليتها عن حماية هذه القيم.
  3. الولايات المتحدة على عهد (ريجان) و(بوش الأب) من بعده تمكنت من الإمساك باللحظة التاريخية، واستغلت الإمكانات المادية والمعنوية للحفاظ على تلك اللحظة، وذلك ما ينبغي استئنافه مع الرئاسة القادمة والتمسك به وعدم التفريط فيه.
  4. الإدارة الجمهورية القادمة عليها أن تمارس دورها في الدفاع عن المصالح الأمريكية، والتمكين لها بغير قيود لا تستوجبها ضرورات حقيقية، بل إن الإدارة الأمريكية القادمة يحق لها وحدها توصيف المصالح الأمريكية دون اعتبار لغيرها بالعمل على مسئوليتها.
  5. الولايات المتحدة في ممارستها لمسئوليتها الحالية يصح لها أن تتشاور مع غيرها من الأطراف الدوليين، على أن تحتفظ لنفسها بحق التصرف منفردة إذا وجدت ذلك ضروريًّا.
  6. التصدي لخطر الإرهاب (حتى بميراث إدارة «كلينتون») هو النداء الذي يمكن حشد الجميع في العالم عليه، وهذا النداء ما زال قادرًا على تحقيق حشد عالمي، لأن الكل معرض لخطر الإرهاب.

وبدأ الجميع يبحث عن رجل يستطيع القيام بدور قيصر جديد الحزب الجمهوري، وطرحت أسماء عديدة مثل (تشيني، وباول) ولكن الاثنين تخوفا من حالة العُري التي يتعرض لها أي مرشح للرئاسة في الإعلام الأمريكي.

 

ولم يخطر ببال أحد قبل ذلك الوقت أن «جورج بوش الابن» يصلُح مرشحًا لأن أوجه القصور في شخصيته وثقافته وجاذبية حضوره تستبعده من أول نظرة. ومن المفارقات أن «جورج بوش الابن»
ذاته اعترف عندما روى قصة حياته في مذكراته ونشرتها صحف العالم وضمنها (الصنداي تيمس)، وقدم بنفسه جانبًا من الأسباب التي جعلت الآخرين يتشككون في صلاحيته لأى مسئولية على مستوى رفيع، وظل في عرفهم (دوبيا) وليس (جورج).

 

وكانت والدته (بربارة) هي أول من أطلق عليه هذا الوصف مستندة إلى الاسم الثاني له وهو (ويليام) وحرفه الأول (w) وذلك لتمييزه عن والده (جورج).

جورج بوش الابن (دوبيا)

 

لكن رغم كل أوجه القصور ونقاط الضعف في شخصية (دوبيا)، إلا أنه رُشح كرئيس عن الحزب الجمهوري والأغرب أنه نجح!

 

ولعل أكثر شيء يعبر عن شخصية وثقافة الرئيس (بوش الابن) هو تعليق قاله في اجتماع لمجلس الأمن القومي الأمريكي في (مارس 2010) كان النقاش حادًا بين وزير الخارجية وقتها (كولين باول)، ووزير الدفاع (دونالد رامسفيلد) حول مصادر الخطر على أمريكا، وطبقًا لسجلات مجلس الأمن القومي فإن «بوش الابن» علق على كلمات الوزيرين قائلًا: «الحقيقة أنني ما زلت متحيرًا، فعندما كنتُ طالبًا في الجامعة وعندما كنت أعيش مع أبي في البيت الأبيض كنتُ أعرف أين نحن. وكنت أعرف أننا «هنا» وأن الشيوعيين «هناك» وأن بيننا وبينهم صراعًا، أي أنهم كانوا العدو. وأما الآن فلدي إحساس بالضياع لا أعرف معه على وجه القطع من هو العدو؟

لكني في أعماق شعوري (Gut feeling) أوافق أن هناك أعداء لنا وأن الأعداء «هناك» في موقع ما «هناك» ولكن أين بالضبط؟ – هذه هي المعضلة!».

أركان إدارة (بوش الابن) من اليمين (باول وكونداليزا رايس وتشيني)

 

كان المطلب الأول على أجندة إدارة (بوش الابن) هو سيطرة أمريكية مطلقة على العالم غير قابلة للمناقشة أو التحدي، وكان النقاش الدائر كيف؟ وأين؟ وبأي وسيلة؟ ومدى الخسائر المنتظرة من تلك العملية؟

 

واستقرت الإدارة على الأجوبة التالية:

 

سيتم استخدام القوة العسكرية الأمريكية (وهي القوة الغالبة والمتفوقة باعتراف الجميع).

 

في المكان الأهم في العالم في العالم الشرق الأوسط (وهي المنطقة الجاهزة دومًا ودائمًا لكي يمارس كل رئيس أمريكي فحولته!)، وأيضًا (الخليج العربي حيث أهم مصدر من مصادر الطاقة).

 

وباستخدام القوة الأمريكية الغالبة ضد دولة هي من الأصل على وشك السقوط (العراق)، والسيطرة على منابع الطاقة ومن ثم السيطرة على محركات التقدم في العالم لأن البترول هو عصب الإنتاج في أي بلد من البلدان.

 

إن تلك الحملة لن تُخلف خسائر تُذكر، وفيما يتعلق بالتمويل فإن الخليجيين الذين لم ينسوا بعد (لصدام) أنه جعلهم فجر 2 أغسطس 1990 «يتبولون على أنفسهم خوفًا» على استعداد لتمويل الحملة التي ستسقط ذلك الرجل الذي «أذلهم» إلى الأبد. (هكذا قال رامسفيلد)

 

إن الولايات المتحدة وهي تقوم بحملتها عليها أن تستخدم (أكبر قوة ممكنة) لكي تُسمع الجميع وتُفهمهم أيضًا أنها لن تقبل تحديًا آخر من أحد مهمًا كان، وأنه إذا كان اقتصادها مرهقًا متعبًا من صراعها في الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، فإن القوة المسلحة الأمريكية قادرة أن تعوض بقدرتها على تدمير أهدافها ما ستعجز عنه باقتصادها.

 

ومن هنا كان منطق القوة الأمريكية في غزوها للعراق نظرية الدكتور «هارلان أولمان» وهو (أستاذ علوم سياسية في كلية الدفاع الوطني) بنظرية (الصدمة والرعب shock and awe)، وقد كتب الرجل مذكرة للرئيس شخصيًّا، يشرح له فيها نظريته، وقد نشرتها صحف عدة منها (واشنطن بوست). وفي المذكرة يقول الرجل بالنص: «إن الولايات المتحدة عليها أن تستعمل أقوى شحنة من القوة المكثفة والمركزة والكاسحة، بحيث تنهار أعصاب أي عدو يقف أمامها وتخور عزيمته قبل أن تنقض عليه الصواعق من أول ثانية في الحرب إلى آخر ثانية، ويتم تقطيع أوصاله وتكسير عظمه وتمزيق لحمه دون فرصة يستوعب فيها ما يجرى له!».

صورة للإسقاط الجنود الأمريكيين تمثال صدام حسين

 

وهكذا كُتب على العراق أن يكون الدرس الذي تعطيه، والرسالة التي توصلها أمريكا للعالم بالذخيرة الحية في فاعلية البطش الذي لا ينساه أحد، ولم يكن العراق بذاته هو الهدف ولكن آخرين في أوروبا وفي آسيا وفي روسيا.

 

وانتهت إدارة بوش الابن وقد أساءت لصورة الولايات المتحدة بشكل مُزعج، بجانب أنها وسعت رقعة التدخل الأمريكي من أفغانستان إلى العراق، وقد أصبح اقتصادها مترنحًا بالفعل.

 

وعندما جاء الرئيس (أوباما) وإدارته كانت أهم أولوياته هي:
  1. معالجة حقيقية لمشكلة الاقتصاد: فالولايات المتحدة مدينة للعالم بما يزيد على مجمل إنتاجها السنوي (5 تريليون دولار).
  2. أن نظام التعليم الأمريكي تراجع في جدول الأسبقية العالمية من المكانة الأولى للمكانة السابعة عشرة.
  3. أن الصورة الأمريكية لدى العالم قد تضررت كثيرًا جدًّا، لدرجة أن نسبة الإقبال على طلب الجنسية الأمريكية قد نقص بمعدل الربع.
  4. أن الكراهية للسياسة الأمريكية انسحبت على المواطن الأمريكي على اتساع العالم.
  5. تقليل الانتشار العسكري الأمريكي على اتساع العالم، لأن ذلك الانتشار مكلف اقتصاديًّا واجتماعيًّا.
  6. هذا بالإضافة إلى إدارة الصراعات الدولية مع كل من الصين وروسيا.

      الرئيس باراك أوباما

 

وفي وسط كل تلك المشكلات كان أوباما وإدارته مطالبين بالتعامل مع منطقة الشرق الأوسط التي تحولت إلى شبه بركان يثور كل فترة من مكان مختلف، ويلقي بحمم نارية تحرق من تلمسه!

 

فمن مصر إلى سوريا، ومن اليمن إلى العراق والخليج العربي كله كان هناك قاسم مشترك في كل هذه الأحداث وهي دولة الملالي في (إيران).

 

كانت إستراتيجية أوباما هي (تقليل الصراعات وتخفيف حدتها)، ومن هذا النهج فإن الولايات المتحدة عقدت صفقتها النووية مع إيران، لكن ذلك أزعج الحلفاء التقليديون في الخليج، وعلى رأسهم (السعودية) التي يظهر فيها صراع على السلطة بين نجل الملك الصغير ولي ولي العهد (محمد بن سلمان)، وولى العهد (محمد بن نايف).

(3)

«إن جراحات التجميل لا تصنع خلقًا مختلفًا، وربما أن ما تفعله أقرب إلى خداع البصر منه إلى أي شيء آخر، وهذا عامل يضاف إلى أسباب الفوضى حين لا تكون المظاهر متفقة ومتسقة ومعبرة عن الحقائق». محمد حسنين هيكل

 

نصل في النهاية هنا إلى المحطة الأخيرة الهامة والمعلومات وفقًا لما تسرب من واشنطن كما يلي:

 

إن السعودية ومعها أغلبية دول الخليج صارت لا ترى خطرًا عليها وعلى المنطقة سوى من إيران الشيعية.

 

وعلى ذلك فإن المملكة قد دخلت مع إيران منذ الملك (عبد الله) في مواجهة ساخنة وضارية في سوريا من أجل إسقاط (بشار الأسد) حليف إيران الوفي.

 

إن إيران فتحت جبهة جديدة على حدود المملكة ذاتها في اليمن لكي تخفف الضغط عن الجبهة السورية، ولكي توصل رسالة للرياض بأنها يمكن أن تفعل معها مثل ما تفعله الرياض مع دمشق.

 

إن الاتفاق النووي الذي أبرمته الولايات المتحدة مع إيران، وبداية تحسن علاقات أمريكا بإيران ضايق المملكة وأقلقها في الوقت ذاته.

 

إن ذلك الاتفاق دفع المملكة إلى إعادة بناء جسورها مع مصر، بعد أن كانت العلاقة بدأت في التدهور بسبب اتهام الرياض للقاهرة بعدم المشاركة البرية في حملة عاصفة الحزم في اليمن، بجانب فتح القاهرة لخطوط اتصال مع إيران وحلفائها في سوريا والحوثيين بل وحزب الله، هذا غير التطاول الذي تلحظه الرياض عليها في بعض وسائل الإعلام المصرية، وتراه الرياض مدعومًا من النظام المصري.

 

إن المملكة معها عدد من مشيخات الخليج قاموا بالضغط في الفترة الأخيرة من عمر إدارة الرئيس (أوباما) من أجل أن تقوم واشنطن باتخاذ موقف قوي وحازم تجاه إيران.

 

إن واشنطن على الرغم من استماعها للطلب الخليجي، إلا أنها لم تعمل بشكل جدي على تنفيذه.

 

إن المملكة اتجهت بطريقة فاجأت الأمريكيين ذاتهم إلى إسرائيل بشكل علني (مقابلات اللواء عشقي وكذلك الأمير «تركى الفيصل» رئيس المخابرات السعودي الأسبق مع مسئولين إسرائيليين علانية)، تبحث معهم كيفية مواجهة الخطر المشترك بينهم إيران، (فإسرائيل) قلقة من الطموحات النووية الإيرانية، (والسعودية) قلقة من التمدد الشيعي في جوارها.

الأمير تركى الفيصل والجنرال عاموس يدلن

 

على حسب المعلومات القادمة من واشنطن فقد طلب السعوديون إحياء سيناريو قديم وتعديله بما يُلائم الوضع الحالي، وذلك «بإدخال إسرائيل عنصرًا هامًا في المواجهة مع إيران».

 

والغريب أن هذا السيناريو قد تحدث عنه الأستاذ (محمد حسنين هيكل) «رحمه الله» في مقالة بمجلة وجهات نظر المصرية بتاريخ (أبريل 1999).

السيناريو الجديد من واشنطن

 

إن السيناريو الجديد القديم هو كالتالي:

 

ينشأ تحالف سعودي (خليجي) أردني مصري إسرائيلي (محور الاعتدال الجديد)، المدعوم بالطبع من (واشنطن) لمواجهة إيران وحلفائها (محور المقاومة).

 

يبدأ ذلك السيناريو بتمهيد الأرض بخطوات على الأرض من جانب العرب لتسهيل دخول الإسرائيليين.

 

وذلك بدأ يتحقق بلقاءات علنية بين السعوديين والإسرائيليين.

 

موضوع الجُزر وتصريحات نتنياهو بأن الاتفاق المصري السعودي بشأن الجزر أُخبرنا به وتم بموافقتنا.

 

موضوع الجزر وكلام وزير الخارجية السعودي عادل الجبير «بأن السعودية ملتزمة باتفاقات السلام المصرية. وليس للسعودية نوايا لإعلان حرب ضد إسرائيل أو إدخال قوات عسكرية إلى الجزيرتين في مضائق تيران». كما ألمح إلى أن السعودية تدير حوارًا مع إسرائيل.

 

إعادة المسار التفاوضي الإسرائيلي الفلسطيني لكي تكون رسالة بأن الإسرائيليين أصدقاء يتفاوضون معنا.

 

وذلك تحقق بكلام الجنرال (السيسي) عن إحياء مبادرة السلام العربية، وتبعه كلام «تونى بلير» لصحيفة معاريف: إذا وافقت حكومة نتنياهو على التفاوض مع الفلسطينيين على أساس مبادرة السلام العربية. فستكون الدول العربية مستعدة للقيام بخطوات لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. أشارت الصحيفة العبرية إلى أن بلير أثار الموضوع في مؤتمر عقد بلندن، ذكر فيه أنه في ظل الواقع الحالي بالشرق الأوسط هناك فرصة لأن توافق الدول العربية على «تخفيف خطوط مبادرة السلام العربية، بحيث يتم تطبيع العلاقات مع إسرائيل خلال المفاوضات، وليس بعد تحقيق الاتفاق الدائم بين إسرائيل والفلسطينيين». أضاف بلير قوله: «إذا وافقت إسرائيل على الالتزام بالتحدث حول مبادرة السلام العربية كسياق تجري في إطاره المفاوضات، ستتمكن الدول العربية من القيام بخطوات لتطبيع العلاقات أثناء المضي على ذلك الطريق لزيادة الثقة في عملية السلام».

السيسي ونتنياهو

 

إن بؤرة التوتر في الشرق الأوسط قبل الخليج (المستنقع السوري) إلى ما فوق الخليج (أي إلى حدود الاتحاد السوفيتي السابق وبحيث تشمل منطقة التوتر الكبير العراق وإيران ومناطق الأكراد وتركيا وأفغانستان، وممتدة منها إلى كازاخستان، وعبر القوقاز على أطراف البلقان).

 

إن إيران أصبحت هي القوة المؤثرة في الساحة السورية والعراقية قبلها، وعليه فإن عملية تجري الآن لفك القبضة الإيرانية عن دمشق وبعدها، تفتح جبهة جديدة لفك القبضة الإيرانية عن بغداد.

 

إنه لا بد من وجود قوة عسكرية قريبة على الأرض قادرة على التدخل للحسم في العراق، سواء أثناء المعارك أو بعدها، وهناك قوتان مرشحتان لذلك (مصر- والقاهرة ترفض ذلك على الأقل في الوقت الحاضر نتيجة ظروفها الداخلية القلقة) و(الأردن – وعمان مستعدة بشروط على الرغم من وجود هواجس لديها)

 

إن الأردن لديه قوات عسكرية قادرة على التدخل تحديدًا في العراق، فدول الخليج المعنية بالتغيير في بغداد رغم كل الدعايات فإنها لا تملك قوة تقدر على العمل في ميدان قتال حقيقي (علمًا بأن هذا الخيار كان مطروحًا على الملك الراحل «حسين بن طلال» وكان فيه ما يلبي أحلامًا قديمة لديه، سواء على جانب الطموح الشخصي، أو من اعتقاد أنه الوريث الشرعي للهاشميين في بغداد)، وأغلب الظن (أن الملك عبد الله الثاني لديه نفس الرؤية).

 

وكان بين بنود هذا (السيناريو) المقترح تصور يرى بإضفاء الشرعية والطمأنينة على أي دور أردني في هذا السيناريو، عن طريق دعوة الأردن للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي. إن (الملك عبد الله) يستطيع بمباركة عربية ودعم دولي أن يُلحق العراق بالتاج الهاشمي، علمًا بأن إسرائيل مرحبة بذلك السيناريو، وكانت على استعداد لإعطاء ضوء أخضر لهذه الفكرة (باحتمال أنها تستطيع تهجير مئات ألوف من الفلسطينيين إلى شمال العراق).

 

يلاحظ أن ثاني زيارة للأمير (محمد بن سلمان) بعد انتهاء زيارة القاهرة كانت (لعمان).

 

وهكذا يتم تهيئة الأجواء الإيجابية مع إسرائيل حتى انتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة.

 

إن السياسة السعودية تبحث هذا السيناريو مع أركان الحملتين في كلٍّ من الحزب الجمهوري والديمقراطي، ومع أقطاب الإدارتين المتوقع مجيئهم إذا نجح مرشحهم.

 

أي أن الموضوع ليس موضوع جزيرتين كما يظن المعارضين.

 

وليس موضوع تأمين البحر الأبيض كما يروج المؤيدون.

 

وإنما الموضوع هو محاولة للإعادة رسم خريطة جديدة للمنطقة، وترسيخ قيم وتشكيل معتقدات وتشابك مع أفكار يُراد فرضها فرضًا ولو بقوة السلاح، ولم لا؟ ألم يتحول العرب بإرادتهم إلى عرائس في أيدي أي رئيس أمريكي يُحركها كما شاء، وكيفما يشاء.

 

وكانت النهاية أن العالم العربي وصل لأسوأ حالاته، فهو منقسم في الظاهر وفي الباطن، ومتضارب في النوايا وكلها غامضة، ومنهك في المظاهر وكُلها خادعة. وبرغم كل ذلك فإنه لا يمنع أن يتذكر أحدهم بين الحين والآخر أنهم عرب يتحدثون العربية، ولا يمنع أن تختلط العربية معهم بالإنجليزية أو حتى العبرية، ثم يفعلون كما يفعل المجاذيب في حي (الحُسين) أثناء زحام رمضان زاعقين: (حَي)!
————————————

المراجع/

 

الإستراتيجية للقرن الحادي والعشرين – أناتولي أوتكين

 

السياسة الخارجية الأمريكية – مكسيم لوفابفر

 

القيادة الأمريكية العمياء – سيمور هيرش

 

الدبلوماسية من الحرب الباردة وحتى يومنا – هنري كيسنجر

 

المخاطر – شبلي تلحمي

 

أمريكا من الداخل حروب من أجل النفط – سمير تنير

 

حروب أوباما الصراع بين الإدارة المدنية ووزارة الدفاع الأمريكية- بوب ودوورد

 

مونيكا وكلينتون فضيحة العصر النص الكامل لتحقيقات المدعي الأمريكي

 

معركة السلام – الجنرال توني زيني

 

ماذا حدث في البيت الابيض ثقافة الخداع في واشنطن – سكوت ماكليلان

 

كهنة الحرب الكبار – مايكل بايبر

 

مذكرات جورج دبليو بوش- قرارات مصيرية- شركة المطبوعات

 

ذكريات من سني حياتي في واشنطن أسمى مراتب الشرف- كونداليزا رايس

 

في زماني مذكرات شخصية وسياسية لديك تشيني- ديك تشيني

 

في قلب العاصفة.. مذكرات جورج تينت مدير السي آي أيه

 

جندي أمريكي – الجنرال تومي فرانكس

 

السلام المفقود مارتن إنديك

 

العراق والإرهاب والإمبراطورية الأمريكية – الجنرال ويسلي كلارك

 

مجموعة أوراق مجلس الأمن القومي – موقع البيت الأبيض

 

محمد حسنين هيكل – الإمبراطورية على الطريقة الأمريكية

 

gettimages

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد