«1»

«لأنني لا أمسحُ الغُبارَ عن أحذية القياصرة

لأنني أُقاوم الطاعون في مدينتي المحاصرة

لأن شعرى كُله حربٌ على المغول والتتار والبرابرة

يشتُمني الأقزام والسماسرة» نزار قباني

هذا هو الجزء الثاني من مقالي عن الشأن المصري «رابط الجزء الأول» وأعترف أن ذلك المقال قد جر على شخصي الضعيف كثيرًا من العواصف الهوجاء، فما أن نُشر المقال حتى بدأت اللجان الإلكترونية للنظام المصري والنظام السعودي في تقصُدي، ووجدت أن المقال ما إن يتم مشاركته على صفحات التواصل الاجتماعي حتى يتم حذفه، ووجدت إدارة الفيس بوك تحظُرني من المشاركة لمدة أسبوعين! بالإضافة إلى سُباب من اللجان الإلكترونية السعودية على صفحتي تنعتُني بأحقر الأوصاف، وتسُبني بأفظع السُباب، وذلك أمر قد تعودت عليه مُنذ نشري لدراستي عن السياسة الخارجية السعودية تحت عنوان «محاولة ناصرية لفهم السياسة السعودية» على صفحات تلك المنصة الغراء، لمزيد من التفاصيل مراجعة الرابط  كنتُ أعلم أن النظام السعودي قد تعود منذ أن بدأ عصر النفط أن يشترى مسئولياته «بالمنح» وأن يفض مشاكله «بالعطايا»، وعندما تعجز «المنح» وتفشل «العطايا» فإنه يلجأ إلى أسلوب التشويه سلاحًا أخيرًا!

وقد كنت أُذكر نفسى دائمًا بما قاله الشاعر:

هنيئًا مريئًا غير دائي مُخامرٍ    لعزة من أعراضنا ما استحلت

يُكلفها الغيران شتمي وما بها    هواني ولكن للمليك استذلت

«نسرٌ إذا استطعت ـ ببغاء أبدًا مهما تحملت!». ونستون تشرشل

ولكن منذ أن بدأ الهجوم على شخصي الذي لا يعتلى فرسًا، ولا يُمسك في يده بسيف المُعز ولا يمتلك التلويح بذهبه! بل كل ما يمتلكه قلمٌ يكتُب به رأيه بكل أمانة مُحاولًا التعبير عنه بكل صدق، أُحاول بذلك القلم الدفاع عن قيم مقتنع بها، ومبادئ مؤمن بها، ومشروع قومي عربي أسعى مع آخرين من المُخلصين إنجازه، وكنتُ دائمًا في أوقات المواجهات ولحظات الخيارات والاختيارات أُذكر نفسي بقصة رواها الصحفي القدير الأستاذ «محمد حسنين هيكل» – رحمه الله- وقد قال «هيكل» نصيحة أستحضرها دائمًا في اتخاذ مواقفي، يقول الأستاذ:

«وكثيرًا ما ذكرت نفسي ـ تلك الأيام وبعدها ـ بحكاية رواها لي السير (أنتوني ناتنج) وزير الدولة البريطاني الأسبق، الذي استقال من وزارة (أنتوني إيدن) إبان (حرب السويس 1956) احتجاجًا على تورط رئيس الوزراء (إيدن) ـالذي خلف (تشرشل) على رئاسة حزب المحافظين ورئاسة الوزارةـ في مؤامرة سرية للعدوان الثلاثي على مصر، وشريكـًا فيها لرئيس وزراء فرنسا (جي موليه) ورئيس وزراء إسرائيل (دافيد بن جوريون)».

كان «ناتنج» عند أول الحكاية التي سمعتها منه ـ سياسيًا صاعدًا وعضوًا مستجدًا في مجلس العموم، ورأى أن يذهب لمقابلة الزعيم البريطاني «ونستون تشرشل» وهو يعرفه صديقـًا لوالده اللورد «ناتنج» الكبير وضيفـًا على قلعة الأسرة في إسكتلندا. وكان غرض النائب الشاب الصاعد أن يسمع من صديق الأسرة الأسطوري نصيحة تنفع مستقبله.

ورد «تشرشل» بأنه سوف يُجيب بلغة الطير عارفـًا أن والده من هواة مراقبة الطيور، ثم تكلم السياسي المجرب العجوز: «استغل كل طاقتك وإرادتك حتى تقوي جناحك ليحملك إلى الفضاء العالي، حيث تُحلق النسور ـ هناك «الحرية وهناك الخطر» إذا لم تستطع فلا تسمح لنفسك تحت أي ظرف بطلب «الأمان» في «قفص ببغاء» تنطق برطانة يدربونك عليها «في الحزب».

ثم يكون دورك أن تُكررها وتعيدها كلما مروا عليك، وطلبوا منك أن ترقص وتغني حتي يراك السيد «زعيم الحزب» ورفاقه، وربما أبناؤه أيضًا ـ وقد يصفقون لك، ويضحكون، ثم يتركونك حيث أنت ويذهبون ومعهم بسمة من تسلل».

وفي حكاية «ناتنج» أن «تشرشل» نظر إليه في عينه بعد أن أنهى درسه، ثم صاح فيه «أنتوني»:

«نسرٌ إذا استطعت ـ ببغاء أبدًا مهما تحملت!».

وفي تلك اللحظة وجدت كثيرًا من الأصدقاء بعضهم أعرفه وبعضهم لا أعرفه، يحيطونني بحبهم ويطوقون عنقي بجميل وقوفهم معي ودفاعهم عن شخصي الضعيف أمام ذلك السيل العارم من الهجوم بالسباب وقذف التُهم والادعاءات الفارغة من أي مضمون، إن شكري عميق للسادة «محمود حجازي»، و«أحمد الصعيدي»، و«محمد المصري»، والقيادي العمالي المصري صاحب أخف دم الأستاذ «محمود المليجي»، وكذلك الأستاذة «فاطمة ألماظ» والأستاذة «سحر ياسين» والأستاذة «شيماء زكريا» وغيرهم كُثرٌ ممن لا أعرفهم أُقدم لهم شكري قبل اعتذاري»، يتبقى لي توجيه التحية لرجُل أخذ موقفـًا مبدئيًا في أزمة الجُزر أستمده من الثوابت الوطنية والناصرية مُنحيًا أية اعتبارات عملية وأية تبريرات تحاول أن تصل إلى مواقف مائعة لا تُغضب أحدًا، تحت حُجة «الحفاظ على الوطن وكأن الوطن لن يُحافظ عليه إلا بتقديم التنازلات لآل سعود!» هذا الرجل هو الأستاذ «حسن هيكل» أمين القاهرة بالحزب الناصري الذي لم يُزايد على أحد بل، أعلن موقفه منذ اللحظة الأولى وسار على مقولة «قُل كلمتك وامض» له مني كل تحية واحترام وتقدير.

الأستاذ «حسن هيكل»

«2»

الجنرال في المتاهة!

الجنرال «السيسي» في المتاهة!

لعل الرئيس المصري الجنرال «عبد الفتاح السيسي» اليوم يجد نفسه في متاهة نتيجة اتخاذه لقرار فيما يبدو لم يُدرس جيدًا، ولم يُحسب حسابات عواقبه بعمق، ثم إن الرجل يجد أن قراره الأخير بخصوص الجُزر قد تفاعل مع مشاكل ومشكلات سابقة وزادت عليه أزمات حالية، فإذا بالأمور في مصر المحروسة تتطور إلى درجة تُشير لاحتمالات صدام داخل المجتمع المصري لا يريده أي وطني غيور ومحب لوطنه، كنت ذكرت في المقالة الماضية: «رابط الجزء الأول»

إننا ما زلنا في مرحلة الانتقال من شرعية «الرجل الواحد» إلى الشرعية «الدستورية القانونية»، وذلك هو جزء من الصراع الذي نراه الآن، فالرئيس الحالي لمصر «عبد الفتاح السيسي» وبطانته من حوله يحاولون أن يجمدوا اللحظة الراهنة عند شرعية «الرجل الواحد» بما لها من «سُلطة مُطلقة» في اتخاذ القرارات، وبينما قوى أخرى في المجتمع تريد الانتقال إلى المرحلة الأخرى بأقصى سرعة.

بناء على ذلك فإن الرئيس هو وحده المسئول بعيدًا عن مؤسسات كارتونية لم تستطيع أن تثبت نفسها بعد «مجلس الشعب أو «مجلس عليا الطلاق ولو سمحت» كما يطلق عليه المصريون».

د. «علي عبد العال» رئيس مجلس الشعب المصري «مجلس (عليا الطلاق ولو سمحت) كما يطلق عليه المصريون تندرًا».

إن النظام المصري منذ فترة يتخبط في أزمات ومشاكل مثل «أزمة الدولار»؛ فالحقائق الاقتصادية مرة والنتائج المترتبة عليها متفاقمة والتعامل معها – حتى بأقصى درجات الكفاءة صعب، و«الصراعات التي صارت علنية بين أجهزة الأمن والتأمين للاستحواذ على النفوذ والتأثير في صانع القرار» و«فك لغز مقتل الطالب الإيطالي «ريجينى» الذي سبب أزمة دبلوماسية مع إيطاليا» و«تجاوزات الداخلية التي عادت إلى ما كانت عليه قبل 25 يناير وأسوأ« و«ارتفاع الأسعار الجنوني في البلد» و«تفشي الفساد بدرجة زادت عما قبلها وسط تصريحات منقولة عن الجنرال «بأن ذلك ليس هو الوقت المناسب لمحاربة الفساد»! وأخيرًا وليس آخرًا «اتفاقية الجزر التي أنهت أي رابط بين تحالف 30 يونيو».

إن تلك المشاكل والأزمات تُسبب لذلك النظام «تآكُلًا في الرضا الشعبي» على المستوى الداخلي «رغم كل المُهدئات والمسكنات الإعلامية» مما يُنذر بحدوث قلاقل داخلية و«تعرية تتسبب في الخصم من «شرعيته» على المستوى الخارجي» وتلك التعرية تجعله عُرضه للابتزاز من الخارج قبل الداخل.

إن ذلك كله عائد لغياب مشروع وطني واضح المعالم ومحدد القسمات له خطة معروفه تتحرك على أساسها الدولة وتنظم المؤسسات والأجهزة عملها على إيقاعاته.

«3»

ما الذي يعترض القرار السياسي في مصر؟

«في كل بلد عانى من تجربة الثورة، اشتبك الثوريون من جهة، والإصلاحيون وخونة المستقبل من جهة أخرى». ريجيسر دبوريه

إن تجاسرت وحاولت التصدي للإجابة على السؤال أقول إن ثاني مشكلة تعترض القرار السياسي بعد «عدم وجود مشروع» لدى النظام الحاكم اليوم هي «التوصيف الصحيح والدقيق للأوضاع في مصر»، وإن بدأنا في التوصيف سنجد:

أن ما حدث في «25 يناير و30 يونيو» أن الجماهير خرجت للمطالبة بتغيير أوضاع لم تعد قادرة على تحمُلها، ثم إن تلك الجماهير بمفردها لم تكن قادرة على التغيير فنادت الجيش المصري للوقوف بجانبها واستجاب الجيش، بغض النظر عن النوايا الحقيقية لكل من الطرفين الجماهير والجيش.

إن الجماهير بمفردها لم تكن قادرة على فرض التغيير أو إزاحة كلا النظامين «مبارك- مرسي»؛ لأنها لم تكن تملك القوة الكافية في تلك المرحلة من التطور الاجتماعي، ولو كانت فعلت «لكانت دخلت في مواجهات كانت ستكلفها الكثير من الخسائر».

وكذلك الجيش لم يكن يستطيع التدخل بمفرده لفرض التغيير بدون خروج الجماهير وندائها عليه ومطالبتها إياه بالتدخل لحماية مطالبها من «بلطجية الحزب الوطني ومليشيات الإخوان»؛ «لأنه لوكان فعل ذلك بدون طلب من الجماهير لعُد ذلك انقلابًا على السُلطة الشرعية المُنتخبة ديموقراطيًا على الفور!».

أي أن ما حدث في 30 يونيو أن قوة الجيش التي خرجت استجابة لنداء الجماهير وقد استخدمت قوتها لفرض مطالب الجماهير الواسعة التي خرجت للميادين، ثم إن «القوة» التي استخدمها الجيش تحولت إلى «سُلطة» بتولي قائد ذلك الجيش زمام الأمور في البلاد وجلوسه على «كرسي العرش!» في انتخابات لم يكُن له فيها منافس حقيقي في ظل تسخير جميع وسائل الإعلام لحشد الجماهير لذلك المرشح الجنرال «عبد الفتاح السيسي»، والحق يقال بأن القطاع الأوسع من الجماهير كان يريده في ظل حالة من الكفر بكل النُخب المُزيفة.

إن قطاعًا عريضًا من الجماهير المصرية الواسعة تعامل مع الرجل واللحظة الزمنية على حسب تعريف التفاؤل الذي يقول: «بأن المتفائل هو شخص يتعلق بالأمل على حساب التجربة» التجربة تقول له: كفانا بينما الأمل يقول: فلنحاول.

وكان قرار الأغلبية من الشعب المصري: فلنحاول من جديد علَ الجنرال المخابراتي «السيسي» يكون أفضل من سابقيه الدكتور الفضائي «مرسى» والجنرال الطيار «مبارك».

ثم إن ذلك المرشح اكتسب بعض الشرعية من بعض القرارات ذات دلالة لدى الجماهير قبل توليه وبعد توليه الرئاسة «مع التلميع الإعلامي الكثيف للرجل»؛ لأن السلطة كانت له طوال الوقت بغض النظر عن الشكليات، أي أن الجنرال تحول من «رمز للقوة» إلى «سُلطة» ومن «سُلطة» إلى «شرعية قبول وترقب» لم تتحول بعد إلى «شرعية عقد اجتماعي وسياسي كامل».

وللإيضاح:

 فإن القوة تعني: «إمكانية التأثير على المجتمع مع اختلاف تعدد أسباب هذا التأثير، ومن ذلك مثلًا فإن حزبًا سياسيًا يستطيع أن يكون قوة، وكذلك تستطيع أن تكون جريدة نافذة التأثير قوة، بل إن فردًا يملك مكانة خاصة في مجتمعه يمكن أن يكن قوة».

و«السيطرة» تعني: «السيطرة على جهاز الحكم بما له من أدوات وتنظيمات يمكن عن طريقها للقوة السياسية أن تُصدر قرارات لها صفة الإلزام في المجتمع».

و«الشرعية» تعني: «أن تكون القوة المسيطرة على السلطة موضع رضا طوعي من المحكومين يقبلون ما يصدر عنها معتقدين أن دوافعه الأساسية هي خدمة مجموعهم حتى وإن لم يتوافق مع فكر أو مصالح بعضهم».

و«القانونية» تعني: «القواعد والحدود والإجراءات التي تنظم عملية التزام المجتمع بما يصدر من قرارات وإلزام أفراده إذا لم يلتزموا من ذات أنفسهم بوسائل فرض طاعة السلطة ابتداء من القضاء إلى البوليس إلى الجيش».

إن «شرعية القبول والترقب» لن تتحول إلى «شرعية عقد اجتماعي وسياسي كامل» بدون مشروع يكون مرتكزًا على مشروع إصلاح اجتماعي حقيقي، وهنا يثور سؤال: ما الذي يمنع ذلك؟

المصريين لم يعودوا قادرين على الصبر والظلم حولهم من كل جانب

أقول إن من يمنع ذلك في رأيي تلك الطبقة التي عادت للظهور من جديد مع حكم الرئيس المؤمن! «محمد بن أنور السادات» والي المحروسة وقتها، وهي الطبقة التي اصطُلح على تسميتها «بالطبقة الرأسمالية»، بينما حقيقتها هي طبقة «النهب المنظم لمصر» أو طلائع «الثورة المضادة» والتي شبت ونمت في ظل بركات عصر الانفتاح واتساع فردوسه الموعود! عندما أتى الرئيس المؤمن «السادات» وحاول أن يؤسس لنفسه شرعية مختلفة عن شرعية سلفه الزعيم «جمال عبد الناصر» ولم يكن مُمكنًا تأسيس الشرعية الجديدة بالرجال أنفسهم وفي ظل الأفكار نفسها، فكان لابد من الانقلاب على الثوابت الأصيلة حتى ولو بالقتل مع سبق الإصرار والترصد.

توافق ذلك مع خطط الولايات المتحدة للسيطرة على المنطقة بإعادة تشكيلها من جديد، وتلك كانت رؤية ساحر فيتنام والشرق الأوسط بعدها «هنري كيسنجر» وخصوصًا أن مصر التي كانت وقتها قاطرة العالم العربي وعاصمة العالم الثالث المرجعية في الفنون والآداب والعلوم والثقافة فضلًا عن السياسة كقلعة للثورة وللتحرير.

«هنري كيسنجر» و«أنور السادات»

كان المدخل الذي نصح «كيسنجر» به صديقه «أنور السادات» هو إشاعة حلم «الثراء والرخاء» وتسويقه في الداخل ليبدأ في إعادة تشكيل وعي المجتمع المصري من جديد على أسُس السوق الحرة في العالم المتقدم.

الخطوة الثانية من أجل تأسيس الشرعية الجديدة للرئيس المؤمن فيجب تقويض وهدم، بل بتر دعائم الشرعية السابقة «أي قتل الشاب «يوليو» من أجل أن يحيا ويعيش الرضيع «أكتوبر»! وكانت المقولة جاهزة، وهي هزيمة سنة 1967، وكأن هذه الهزيمة كانت مجرد تقصير، وتخلف من النظام الناصري بأكمله فقط، ولم يكن فيها عنصر خارجي مهد وخطط لها، بل شارك في التنفيذ، ثم كأن مشهد الصراع السياسي والاجتماعي الذي بدأته مصر سنة 1952، انتهى كله سنة 1967، ولم يلحقه انتصار سنة 1973.

ولقد كان نقد التجربة السابقة ضروريًا، لكن الإدانة الشاملة على النحو الذى مورست به وقتها كانت كفيلة أن «تفقد شعب المصري ثقته بكل شيء، ومن ثم تجعله قابلًا لأي شيء». ولعل «كيسنجر» كان أول من لمح الأمر في حوار في مجلس الأمن القومي الأمريكي، بعد عودته من زيارته الأولى لمصر ولقائه مع «أنور السادات» يوم 7 نوفمبر 1973 فقد سأله وزير الدفاع الأمريكي «ملفين ليرد» عما إذا كان «السادات» قادرًا على إجراء التغييرات الواسعة التي وعده بها؟

ورد «كيسنجر»: «بأنه يظن أن «السادات يستطيع على «الأقل لديه فرصة» ، وفي شرحه لما يريد قوله أضاف: «أن (ناصر) قد أجرى تحولات عميقة في المجتمع المصري، لكن مشكلته أنه أزاح القوى التقليدية في هذا المجتمع وأفسح الطرق لقوى جديدة، وهذه القوى الجديدة لم تصل بعد إلى حيث تستطيع أن تقف أمام خلفه (أي السادات) أو تتصدى للتغييرات الواسعة التي وعده بها».

إن «كيسنجر» قال في الاجتماع نفسه: «إن اختيارات «السادات» الجديدة بالصداقة مع الولايات المتحدة سوف تستتبعه بالضرورة خيارات داخلية في مصر ستكون حتمًا مناقضة لخيارات سلفه «ناصر»، وذلك سيصب في مصلحة خطتنا بالسيطرة على المنطقة».

إن تلك الطبقة التي سُميت في أواخر عهد «السادات» ـ«القطط السمان» مثل أسماء «رشاد عثمان وتوفيق عبد الحي وعصمت السادات» نمت وتحولت وأصبحت مع أواخر عهد «مبارك» إلى «تكوينات» تمتلك كل أدوات التأثير الطاغي من المال إلى الإعلام، ومن النفوذ في الداخل المؤسس على الرشاوى وشراء الذمم وإفساد الإدارة إلى العلاقات الدولية بالخارج، مع حكومات وببعض أجهزة الاستخبارات! لدرجة تكاد أن تتحول تلك الطبقة لدولة داخل الدولة! مثل أسماء «نجيب وسميح ساويرس وأحمد عز وأحمد بهجت ومحمد منصور» وغيرهم كُثر فجبل الجليد أغلبه مُختفى تحت الأرض!

نجيب ساويرس

أحمد عز

أحمد بهجت

ومن الواضح تمامًا أن تلك الطبقة التي راكمت مئات الملايين من دماء ذلك الشعب المسكين! تعترض أية عملية إصلاح اجتماعي لأنها تعرف جيدًا أن أي إصلاح في ذلك الملف سيخصم حتمًا من أرباحها وسيفتح عليها أبواب الجحيم، ومن يريد مثالًا على قدرة تلك الطبقة في مواجهة السلطة الحاكمة ينظُر إلى رجل الأعمال «صلاح دياب» لقد تم إلقاء القبض عليه في قصره وقيل إن الرجل متهمًا في أكثر من جريمة، وبدأت بعدها كل وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة المملوكة له ولغيره من «طلائع الثورة المضادة» أو «طبقة رجال الأعمال» سيان في فتح النار على النظام والتحدث بحسرة عن حالة حقوق الإنسان في مصر، وعن سوء معاملة الداخلية للمصريين وعن تجاوز القانون ومخالفة الدستور! وبعدها تم قفل الملف من قبل السلطة والنظام السياسي!

«صلاح دياب» مقبوضًا عليه، ثم أُغلق الملف!

ولكن على النظام وعلى رأسه الجنرال أن يعرف أن الناس ليس في طاقتها «مقدرة على الصبر» بأكثر مما صبرت ولا تحمُل «للظلم الاجتماعي» بأكثر مما تحملوا، وأن ساعة الانفجار قادمة لا محالة ما لم يقم النظام بتصحيح مساره وتعديل رؤاه وضبط البوصلة على اتجاه الأغلبية من الشعب وليس على مصالح حفنة من «طلائع الثورة المضادة»؛ فالسلطة السياسية إذا أحست أو تصرفت بمنطق «الحق الإلهي» في الحكم – استغنت، ومن ثم انعزلت، لكنها إذا تواضعت سعت إلى الناس ومن ثم فإنها تقودهم إلى حيث آمالهم ومناهم.

«4»

«لا تستطيع أن تستعيد سُلطة جمال عبد الناصر بسياسات إسماعيل صدقي باشا» محمد حسنين هيكل

وبعد كل هذا يبدو أن قلة نوم الرئيس «كما قال هو بنفسه» بدأت تؤتى نتائج عكسية وتؤثر على أعصابه وصحته وقوة تركيزه وقدرته على التفكير الهادئ المتزن الذي اعتدنا أن نسمعه منه، والدليل على ذلك تلك الطريقة التي اتخذ بها قرار جزيرتي «صنافير وتيران» بدون حساب لمشاعر الشعب المصري الذي استيقظ فجأة ليجد المتحدث الرسمي للرئاسة يقول بأن الجُزر التي في أقل القليل تحت يد مصر منذ أكثر من خمسين عامًا ليست مصرية ولكن سعودية!

ومن يُريد تأكيدًا أكثر وأكبر على ذلك فلينظر لكيفية تعامل النظام مع المعترضين على قرار الرئيس وكثير منهم من الشباب؛ ففي الوقت الذي زادت فيه دعوات القوى المعارضة، للمشاركة للاحتجاج ضد الاتفاقية، أبدى النظام حزمًا في التعامل الأمني مع تلك الاحتجاجات، وشن حملة مداهمات لمقاهي وسط القاهرة، ولمنازل بعض النشطاء، أدت إلى اعتقال المئات مع نهاية الأسبوع الماضي، قبل أن ينضم مُعتقلون جُدد، عقب فض المسيرات المُناهضة للنظام.

الشباب الرافض والغاضب من قرارات الرئيس الجنرال!

متظاهرون مصريون يرفضون قرار الجنرال

كيف تتعامل القوة الأمنية مع المتظاهرين ضد قرارات الجنرال!

وانتشر الآلاف من قوات الأمن المصري، في جميع أنحاء القاهرة، وأغلقوا نقاط تجمع التظاهرات الاحتجاجية، ومن أبرزها نقابة الصحافيين، التي كانت بمثابة بؤرة الاحتجاجات المناهضة للاتفاقية وفي الوقت الذي سمحت داخلية الجنرال لتظاهرات مؤيدة للنظام يقودها المُسجلين خطر وفتوات من النساء قبل الرجال! مما ذكر الشعب المصري بأعمال كُل من الحزب الوطني في عهد «مبارك» ومليشيات الإخوان في عهد «مرسي» في ميدان عابدين بوسط القاهرة، ساند المشاركون فيها رواية النظام المصري، مؤكدين سعودية الجزيرتين، ورفع بعضهم علم المملكة العربية السعودية.

صورة لمؤيدي الرئيس الجنرال حاملين الأعلام السعودية في يوم الاحتفال بتحرير سيناء!

فيديو لمؤيدة للجنرال السيسي:


وفي وسط كل هذا الزحام من الأزمات والمشاكل والتصادم بين الحقائق والأوهام وبين الوسائل والغايات وبين الآمال واستخدام القبضة الأمنية الحديدية وقع خلط شديد بين: الشرعية والسلطة، وبين روح القانون وصناعة القانون وبين الرأسمالية المنشئة والنهب المنظم، وبين الإعلام والإعلان، وبين الدين والدجل، وبين الإرهاب الطائش والعنف الذي يستمد قدرته على الأذى من الإحساس بالظلم والعجز عن رده.

هل يعي الجنرال الدرس؟

يتبقى أن على الجنرال أن يفهم ويعي بإدراك عميق واقتناع مؤكد أن حل المشاكل والأزمات لا يتأتى عن طريق تجاهلها بالصمت، ولا عن طريق استخدام وسائل القهر والقسر وانتهاج أسلوب المنع واستخدام القبضة الأمنية لإسكات الأصوات في الحلوق وكسر الأقلام في الأيدي ولا عن طريق الغطس في بحور المُنى، وإنما وضوح الرؤية نصف الطريق إلى الحل، وأن العمل الجاد هو نصف الطريق الثاني.

وفي النهاية فإن الجزيرتين ستظلان مصريتين حتى لو جاء ألف قيصر من آل سعود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد