سر الحياة.. لو تعرفى يا حبيبتي سر الحياة.. نبض الحياة أنا وأنتِ.

هكذا يتصور الشاعر على لسان محمد منير أن الحياة تتمحور حول وجوده هو وحبيبته، وهذا هو سرها، ربما بالنسبة له على الأقل، ومن منظوره؛ فهو لا يهتم بشيء آخر، خصوصا في هذه اللحظة، ولا يعرف إن كانت تلك اللحظة الرومانسية هي التي تنسيهم التفاصيل الأخرى في حياتهم من فرط جمالها، أم أنهم يهربون من واقع الحياة وسرها الفاني، بالتعلق بالرومانسية التي يتمنون ألا تنتهي.

كنت أفكر في كيفية اشتراك البشر في مصير واحد، وهو الموت، وأن كلهم أيضا يجهلون إجابة هذا السؤال بشكل حاسم: أين كانت روحهم قبل مجيئهم للحياة؟ وهل كانوا مجرد عدم، بعث ليحيا بضع سنوات، ويذهب مرة أخرى للعدم، أم أن هناك حياة أخرى؟

للأسف الإنسان يحيا حياته، وهو مشغول بتفاصيلها الصغيرة، ناسيا – أو متناسيا – أنها ليست الهدف الرئيس من وجوده، فهي مجرد مرحلة انتقالية قصيرة لما بعد ذلك، وحتى لو لم يؤمن بوجود حياة أخرى بعد الموت، فالحياة لا تزال قصيرة جدا لتتبلور أهميتها في الوجود الدنيوي فقط.

لم يمر كثيرا على خواطري، حتى شاهدت بالصدفة فيلم الاكتشاف (the discovery)، والذي تدور فكرته الأساسية حول استطاعة عالم أمريكي إثبات وجود حياة بعد الموت علميا، عن طريق رصد ترددات صوتية متناهية الصغر تغادر أجساد المتوفين جميعا، وأشار أنها ما نسميه بالروح، وضرب مثلا: وهو أنك لو شاهدت القطار يغادر المحطة، فمعناها أنه في طريقه لمكان آخر بلا شك، وهذا الحال مع الترددات الصوتية، لكن هذا الاكتشاف الرهيب نتج عنه حدث مهول، وغير متوقع، وهو انتحار جماعي لملايين من البشر فقط ليصلوا هناك، على حد تعبيرهم. فمع التأكد من وجود حياة بعد الموت، فما الطائل من مواصلة هذه الحياة الدنيا المؤلمة والفانية على أية حال! هيا لنحقق كل الآمال التي لم تحدث في حياتنا الأخرى.

فكرة الفيلم عبقرية مع الأسئلة التي يطرحها، وهي: ماذا سيحدث لنا لو اكتشفنا بالدليل أن هناك حياة بعد الموت؟ وكيف سيؤثر هذا على كياننا ووجودنا نفسه؟ ومدى هشاشة الإنسان التي قد تدفعه للتخلي عن كل شيء والانهيار، إذا اقترب من معرفة حقيقة وجوده وكيانه.

(كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ، ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ. ربما تجيب عن بعض تساؤلاتنا الآيات السابقة في سورة التكاثر، فلو عرفنا سر الحياة ورأيناه بأعيننا مثلما نرى أيدينا واضحة أمامنا، وإذا شاهدنا العذاب بصورة واقعية جدا، وكأننا بداخله، وقتها سنعرف أننا نعيش في نعيم يحتاج إيمانًا غيبيًا بدون برهان مادي محسوس لا يقبل النقاش.

لا أدرى إن كنت ستتذكر هذا المقال عزيزي القارئ بعد عبورنا جميعا إلى الحياة الأخرى، ثم تبتسم عندما تكتشف قربه من الحقيقة، أو تسخر منه؛ لأن خيال الكاتب لم يملك أية فكرة عما كان ينتظره في العالم الآخر، أو ربما ننسى جميعنا كل هذا، فلم يعد له أهمية ولا وزن، بالنسبة لفيلم الاكتشاف، فإن العالم استطاع أيضا معرفة ورصد الحياة الأخرى عبر جهاز يوضع على رأس المتوفى، وينقل لنا ما يراه، ولم تكن أكثر من محاولات عديدة لتحقيق الأحلام الفاشلة، وإصلاح أخطاء الحياة الدنيا في حلقة لا تنتهي من الحيوات. بالنسبة للكثير منا، فالأمر يختلف كلية عن هذا التصور، ولكن حتى مع اختلاف الاعتقادات والعقائد، فالصورة نفسها غير معروف تفاصيلها، وإحساسها، ولا يزال خيال كل منا يتصور النسخة الخاصة به مع الحفاظ على المعتقدات الدينية والشخصية المشتركة بين البشر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد