لم يؤثر رقم في حياة البشر، مثل الرقم الذي نتناوله في هذا المقال، الرقم 13، فلا يوجد أحد منا لم يسمع عن الشؤم الذي يصحب هذا الرقم، والذي يدفع جعل جزء كبير من الناس يحاولون تجنبه قدر استطاعتهم؛ حتى لا يمسهم الحظ السيئ، وهذا دفع بالعديد من الفنادق والمستشفيات والمطارات إلى تجنب وضع غرف أو بوابات تحمل هذا الرقم، بل إن إحصائية أجريت في الولايات المتحدة أظهرت أن 80% من المباني المرتفعة بها لا يوجد بها الرقم 13، ولتأكيد الأثر العميق الذي تركه هذا الرقم في نفس البشر يكفي أن نعرف أن هناك «فوبيا» مخصصة له تدعى «تريسكايديكافوبيا» triskaidekaphobia أو الخوف من الرقم 13.

الحقيقة أن البحث عن سبب سمعة الرقم 13 السيئة هو عمل في غاية الصعوبة، فجذور هذه المسألة تعود إلى أزمنة سحيقة لا نملك الكثير من المعلومات عنها، ولكن ربما كان أقدم دليل معروف على التشاؤم من الرقم 13 يعود إلى البابليين، وخاصة إلى زمن «حامورابي»؛ فإحدى أشهر المخطوطات القديمة، وهي مخطوطة «قانون حامورابي» خالية من القانون الثالث عشر، مما دعى البعض إلى الظن بأن البابليين كانوا يتشاءمون من هذا الرقم، فتعمدوا عدم إدراجه، ولكن هناك رأيًا آخر يقول إن هذا لم يكن سوى خطأ المترجم القديم غير المتعمد، وما يرجح كفة هذا الرأي هو أن القوانين لم تكتب مرقمة من الأساس.

لكن حتى لو لم نكن متأكدين مما إذا كان البابليون تشاءموا من هذا الرقم أم لا، فلا شك أن العديد من الثقافات التي لا علاقة واضحة بينها تبنت هذا التشاؤم، من أبرز هذه الثقافات الثقافة المسيحية التي قبحت الرقم 13 في الغالب بسبب أن يهوذا الإسخريوطي – الحواري الثالث عشر في العشاء الأخير – كان هو من خان المسيح. نجد أيضا علاقة تربط الرقم 13 بالرقم الكريه الآخر 666 في كتاب الوحي، فالفصل الذي ذكر فيه رقم الوحش 666 كان هو الفصل الثالث عشر.

من الثقافات الأخرى التي تشاءمت من الرقم 13 هي ثقافة «الفايكينج»، فعلى غرار العشاء الأخير، كانت هناك مأدبة كبيرة للآلهة النورديين، وكان عدد الآلهة 12، فتسلل «لوكي» إله الشر والأذى إلى المأدبة؛ ليصبح العضو الثالث عشر، ثم بالخديعة تسبب في قتل الإله «بالدر» إله النور.

الأمور تصير أسوأ إذا ارتبط الرقم 13 بيوم الجمعة، فنجد أن نسبة التشاؤم تبلغ أشدها، إذا صادف أن كان يوم الجمعة هو اليوم الثالث عشر في الشهر، وقد تم تسمية فوبيا أخرى معنية بهذه الحالة الخاصة تدعى «باراسكيفيديكاتريافوبيا» paraskevidecatriaphobia أو الخوف من يوم الجمعة الموافق للثالث عشر من الشهر، وهذه الفوبيا تكلف الولايات المتحدة حوالي 800 مليون دولار سنويا؛ إذ يتجنب الناس الزواج والسفر، وحتى العمل في بعض الحالات في هذه اليوم.

إذا كنا محتارين في سبب التشاؤم من الرقم 13، فبالتأكيد المثل ينطبق على يوم الجمعة الذي يعتبر يوم تفاؤل وغفران بالنسبة للمسلمين، إحدى القصص تقول أن يوم الجمعة هو اليوم الذي صلب فيه المسيح، ولكن الشك يحوم حول هذه الرواية، قصة أخرى تؤكد أن هيكل سليمان تم تدميره في هذا اليوم، أما القصة الأشهر التي ربطت الرقم 13 بيوم الجمعة هي قصة القضاء على فرسان الهيكل، فقد تم القبض عليهم يوم الجمعة الموافق للثالث عشر من أكتوبر عام 1307؛ لتعذيبهم وقتلهم تنفيذًا لأوامر الملك «فيليب الرابع»، ملك فرنسا، الذي ضاق ذرعا بالديون الطائلة التي أدانه بها هؤلاء الفرسان. أيًا كان السبب، فالمؤكد هو أن التشاؤم من هذا اليوم لم يظهر قبل القرن السابع عشر، ولم يتأصل في الوجدان قبل القرن التاسع عشر، لذا فهو يعتبر شيء حديث، إذا قورن بالتشاؤم الأعم من الرقم 13.

المهم أن الأسباب التي شرحناها التي دعت إلى التشاؤم من الرقم 13 لم تقنع الباحثين الذين احتاروا في سبب تأصل هذا التشاؤم في ثقافات مختلفة، فعكفوا على البحث عن أسباب شافية، وخرجوا بالفعل بعدة مقترحات، أحد هذه المقترحات هو أن الكثير من الثقافات القديمة اتبعت النظام القمري في تقويماتهم، وهذا النظام به 12 شهر كامل، أما الشهر الثالث عشر فهو ناقص غير مكتمل مما ربطه بصورة سيئة نوعا ما.

مقترح ثان يرى أن الأديان الأبوية كاليهودية والمسيحية في سعيها للقضاء على الديانات الأقدم التي تدور حول عبادة إلهة امرأة بدلًا من إله رجل، نفرت من الرقم 13 المبجل لدى هذه الديانات؛ نظرًا لارتباطه بعدد الدورات الشهرية التي تصيب المرأة سنويا.

مقترح ثالث رياضي بعض الشيء يرى أن السبب الحقيقي للتشاؤم من الرقم 13 هو أنه يأتي مباشرة بعد الرقم 12، فالرقم 12 كان بمثابة الرقم المثالي؛ لأنه أصغر رقم يمكن قسمته على اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو ستة مما يسهل جدًا العمليات الحسابية التي تجرى به، وهذه السهولة في التعامل هي ما دفعت بالسومريين إلى أن يستخدموا نظامًا في حساب الوقت يعتمد على الرقم 12، وهو النظام الذي مازال يستخدم إلى الآن، لكن بعد هذا الرقم المثالي يأتي الرقم 13 الغريب غير المرغوب فيه، والذي لا يقسم إلا على نفسه؛ لأنه أحد الأرقام الأولية، فربما إذن كان خوف الناس من المجهول الذي يحمله الرقم 13 هو الذي دفعهم إلى التشاؤم منه.

لكن أيًا كان السبب الحقيقي لهذا التشاؤم من الرقم 13، فإن انتشاره الواسع بين البشر يدفعنا للتساؤل عما إذا كان هذا التشاؤم له ما يبرره. بالتأكيد «إيجور رادون» Igor Radun خبير السلوك البشري بجامعة «هيلسنكي» لا يرى ذلك، فهو يؤكد أنه لا يوجد أي دليل علمي، ولن يوجد على أن الرقم 13 هو رقم شؤم، بل إنه لا يوجد أي مبرر يجعل رقمًا ما محظوظًا، وآخر مشؤوما، غير أن تكون عقولنا هي ما تضفي هذه الصفة أو تلك على هذا الرقم، فعلى سبيل المثال لو كان مترسخًا لدى وعينا الجماعي التشاؤم من رقم آخر غير الرقم 13 لميزنا هذا الرقم الآخر في المصائب اليومية بدلًا من 13، ويبرز رادون المشاكل التي تعاني منها الدراسات التي تقر بأن هناك علاقة وثيقة بين الرقم 13 وسوء الحظ، وإحدى هذه المشاكل هي أن تلك الدراسات ركزت فقط على البيانات الإحصائية عن عدد الحوادث أو اتجاهات السوق وغيرها، دون أن تحقق في كيف تؤثر المعتقدات الخرافية على السلوك البشري الذي يؤثر بالتالي على نتائج هذه الإحصاءات، ولأنه يعتبر هذه الدراسات غير كاملة، فإن رادون لا يستغرب التناقضات التي تظهر في نتائجها إذا ما تم تكرارها على مجموعات مختلفة، لهذا فهو يعزي الربط بين الرقم 13 وحدوث المصائب بالمعتقدات الخرافية المترسخة في الأذهان لأجيال عديدة، والتي تدفعنا لتمييز الرقم 13 في تلك المصائب.

الرياضيات حتما تتفق مع وجهة نظر رادون فهي تنفي وجود صفة خاصة تميز الرقم 13 عن باقي الأرقام أو تفسر سر التشاؤم منه، فالصفة الرياضية الوحيدة التي قد تنسب إليه، والتي ذكرناها سابقًا هي أنه رقم أولي، وفي هذا هو لا يتميز عن عدد لانهائي من الأرقام الأولية الأخرى.

على أي حال لم يكن حظ 13 سيئًا مع كل الثقافات، فالحضارة الفرعونية مثلًا اعتبرته رقمًا مبجلًا؛ فهم كانوا يرون أن حياة الإنسان تمر باثنتي عشرة مرحلة، تنتهي بالمرحلة الثالثة عشر، وهي مرحلة الموت، والذي لم ينظر إليه المصريون القدماء نظرة خوف، بل اعتبروه بلوغًا لمرحلة متعالية من الحياة الخالدة. بالتأكيد يمكن أن يكون ربط المصريين القدماء بين الرقم 13 والموت هو السبب في نشر التشاؤم من هذا الرقم في العصور اللاحقة التي لم تنظر إلى الموت بنفس الطريقة.

الهندوس أيضا أحبوا هذا الرقم؛ فهم يعتبرون اليوم الثالث عشر من كل شهر هو يوم احتفال بالإله «شيفا». ويعتقدون أن عبادة هذا الإله في هذا اليوم تجلب النجاح والرخاء والثروة والأولاد.

تبجيل الرقم 13 من قبل بعض الثقافات يشكك في وجود أساس متين للاعتقاد السائد بأن هناك علاقة حقيقية بين هذا الرقم وسوء الطالع تمامًا، كما قال إيجور رادون، لكن المؤكد أنه سواء كانت هذه العلاقة حقيقية أم لا من الناحية الأكاديمية، فهي بالتأكيد كانت حقيقية بالنسبة «لنابليون وفرانكلين روزفلت ومارك تواين» بالإضافة إلى الملايين الآخرين من البشر، الذين عانوا ويعانون من هذا المرض العجيب الذي يصيب صاحبه بالعجز عن ممارسة حياته اليومية بشكل طبيعي، مرض الخوف من الرقم 13.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الرقم 13
عرض التعليقات
تحميل المزيد