اسم تردد وارتبط حوله الكثير من الآراء، إنه الدكتور محمد البرادعي. فما بين مؤيد لآرائه وفخور بها وما بين معارض يتهمه بالخيانة والعمالة يقبع الرجل، الحائز على جائزة نوبل للسلام وقلادة النيل من مصر والكثير من الأوسمة والشهادات تلقاها الرجل. وقف مع الجميع لصالح الوطن وتخلى عنه الجميع للمصالح الشخصية.

لا شك أن استقالة البرادعي عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة أحدثت جدلًا كبيرًا في الشارع المصري، وأغضبت منه الكثير وكذلك الرحيل عن مصر مباشرة جعل الشبهات تحوم حوله، لكن وبالرغم من كل ذلك ظل كعادته هادئ الطبع قليل الكلام إلا بالنصح يغرد في صمت مسديًا رأيه ونصيحته للقائمين على صناعه الأمر في مصر.

في سؤال وجه للرئيس عبد الفتاح السيسي في أحد اللقاءات التليفزيونية إبان فترة ترشحه للرئاسة حول رأيه في موقف الدكتور محمد البرادعي النائب العام السابق لرئيس الجمهورية، الذي قرر الانسحاب والاستقالة، عقب موقفه المستاء من فض اعتصامي رابعة والنهضة، من وجهة نظره كما رأوها منظومات حقوق الإنسان أنفسهم، أن فض الاعتصام افتقر إلى التنظيم.

صرح السيسي بأن لكل منا رأيه الخاص ومعتقداته ونظرته الخاصة للأمور، مؤكدًا أنه لا يمكن أن يلوم البرادعي على موقفه الشخصي فلكل منا قدرته على الثبات ورويئته للواقع المصري، ومتطلبات الأمن القومي.

استنتاجًا مما قاله الرئيس السيسي أن لكل فرد ثوابته وقناعاته فاتجاهات البرادعي مدنية في المقام الأول تهدف إلى السلم وإعلاء القيم والأخلاق. تلك القناعات التي فشلت في إقناع الإخوان بفض اعتصامي رابعة والنهضة والعودة الآمنة والتي ساقت الأبرياء سواء من المدنيين أو القوات التي شاركت في عملية الفض إلى الموت.

فكان لابد من استخدام القوة والثوابت العسكرية التي تهدف إلى مصلحة الوطن وسلامة أراضيه وحفظ استقراره واتخاذ قرار إخلاء الاعتصام بالقوة والإجراء كان صائبًا؛ فجميع قيادات الإخوان لاذت بالفرار فلم نرَ أحدًا منهم يثبت في مكانه دفاعًا عن قضيته سواء كانت دينية أو سياسية فالموت في سبيل القضية شرف والهروب خيانة.

 

هل معنى ذلك أن البرادعي كان مخطئًا في الاستقالة وقرار الرحيل؟

البرادعي أخطأ في قرار الرحيل فلقد ترك أتباعه ومحبيه في مهب الريح وترك البلد الذي يحتاجه في مرحلة البناء، أما قرار الاستقالة فكان على صواب ويؤكد ذلك الرأي سببان:

أولًا: التصريح الذي تحدث فيه الدكتور مصطفى الفقي في إحدى الفضائيات كاشفًا تفاصيل مكالمة جمعت بينه وبين الدكتور البرادعي إذ قال «محمد البرادعي لا خائن ولا عميل. ويوم ما سافر كلمني في التليفون بالليل بعد ما استقال، وقال لي لم أكن أتصور أن حجم الدماء سيكون بهذه الطريقة. وأبلغني أن ما كان متفقًا عليه هو خفض عدد الموجودين في ميدان رابعة وإعلانهم نبذ العنف في مقابل الإفراج عن سعد الكتاتني؛ رئيس حزب الحرية والعدالة، ورئيس حزب الوسط؛ أبو العلا ماضي، باعتبار الاثنين زعماء أحزاب».

السياسي المصري أضاف: «قلت للبرادعي أنت سكتّ طوال اليوم، وأعلنت استقالتك في الآخر بعد البيان الأمريكي، فقال لي لا علاقة بين هذا وذاك». مؤكدًا أن البرادعي رجل صادق جدًا، مضيفًا أن البرادعي أبلغه قائلًا: «لا أتحمل هذا الحجم من الدماء».

الفقي وصف البرادعي بأنه رجل غربي التوجه، وأوروبي التفكير، وليس معتادًا على طريقة التفكير المصري، وليس رجلًا شعبيًّا، مشيرًا إلى أنه رجل نقي جدًا ولا يصلح للعمل السياسي العام، وليس مناورًا سياسيًا على الأرض.

ثانيًا: بيان مشيخة الأزهر الذي أعلن فيه الشيخ الطيب رفض الأزهر للعنف وعدم علمه بإجراءات فض الاعتصام وأن استخدام العنف لا يمكن أن يكون بديلًا عن الحلول السياسية، وأن الحوار العاجل والجاد هو الحل الوحيد للخروج من الأزمة إذا صدقت النوايا.

غادر البرادعي إلى النمسا لكنه لم ينسَ الوطن وعاش متابعًا للأحداث ومشاركًا كأنه ما زال على أرضه يتنفس يطل علينا بين الحين والآخر كلما احتدم النقاش حول أمر ما أو مشكلة برأيه الذي لا يتجاوز بضع كلمات. فعن رأيه في اتخاذ رئيس لمجلس الشعب من الأعضاء المعينين قال «حتى في أعتى الأنظمة السلطوية لم يقم رئيس السلطة التنفيذية بتعيين رئيس السلطة التشريعية. تفكير خارج الصندوق».

وعن رأيه في أزمة جزيرتي تيران وصنافير غرد قائلًا «يجب قبل إبداء رأي أن نكون على علم باللغة والتاريخ وفهم القانون ومصطلحاته. القضايا لا تحل بالتحريف والغوغائية وإنما بالقانون».

ويبدو أنه أراد أن يبرئ نفسه مما قاله البعض ونسب إليه من مقال قديم يؤكد تبعية تيران وصنافير للسعودية.

أما التغريدة التي كتبها قبل أيام حول داعش والتي قال فيها «هل يعقل أن العرب بكل ما لديهم من سلاح وجيوش غير قادرين على تشكيل قوة مشتركة للقضاء على تتار العصر الحديث الذين ينهشون في شعوبنا ويشوهون ديننا».

وهنا لابد من وقفة وإدراك لبعض الأسرار.

أولًا: يثير البرادعي سؤالًا  خطيرًا حول قوة العرب وجيوشهم وضعفهم عن تشكيل قوة مشتركة لمواجهة داعش التي سماها بالتتار، ويرجع بنا إلى ذكريات التاريخ والتتار الأصليين وما فعلوه في كل الدول التي دخلوها وما فعلوه في العراق من تدمير وحرق، ويبدو أن الرجل أراد أن ينبه إلى الكارثة قبل وقوعها وإلى الدمار قبل أن يحل، فداعش في العراق وسوريا لا سيطرة لأحد عليهما ولا نهاية لذلك الصراع والكثير من العمليات الإرهابية انتشرت في كل دول الجوار؛ فالسعودية لاحقها الأذى في أكثر الأماكن حرمة على الأرض، والكويت أعلنت مؤخرًا عن القبض على خلية إرهابية، وفي مصر الإرهاب مختبئ في الجحور داخل سيناء والخلايا النائمة في الكثير من المحافظات.

ثانيًا: يلقي البرادعي كعادته حجرًا في الماء الراكد بأحرف معدودة متسائلًا حول قدرة الدول العربية على تشكيل قوة متحدة لمواجهة تتار العصر الحديث وعدم انتظار الدول الغربية التي تمول وتستفيد من وجود داعش.

 

وفي ذلك يقول الكاتب شهاب المكالحة في مقال نشر على موقع روسيا اليوم تحت عنوان «من أين جاءت نظرية البطل الخارق؟» متحدثًا فيه عن السياسة الخارجية الأمريكية.

تستند السياسة الأمريكية الخارجية على مجموعة من المعطيات حول ما يسمى بـ«المصير المحتوم»؛ وهو أن «الله قد اختار الشعب الأمريكي ليقود العالم إلى نهاية الزمان، وأن المستقبل سيكون عصر العظمة الأمريكية». لذلك نرى أن السياسة الأمريكية تتمحور حول ثلاث نقاط جوهرية، هي:

عظمة الولايات المتحدة وسبل الحفاظ على ذلك.

ضرورة مواجهة التحديات التي قد تهدد المصالح الأمريكية.

افتعال أزمات وتهديدات دائمة لإعطاء الشرعية لتسيُّد الولايات المتحدة على العالم، مثلما هو الحال في قضية الإرهاب وغيرها من المخاطر العالمية التي يمكن حلها بسهولة، ولكن المصلحة الأمريكية لا تتطلب حلها؛ إذ إنها «مسمار جحا» الذي تُعلَق عليه جميع التحركات الأمريكية العالمية، وتعطي إدارتها صفة الشرعية عبر خلق عدو وهمي دائم.

وهنا لا بد من أن نرجع إلى الوراء قليلًا؛ إذ إنه بعد اختفاء التأثير الشيوعي في العالم، كان لا بد من خلق كيان آخر يهدد العالم والسلم العالمي؛ ما يعني اللجوء إلى «البطل الخارق» (Super Hero) الأمريكي لإنقاذ البشرية من الخطر، فكان أن خُلق الإرهاب. وما أحداث سبتمبر 2001 إلا تأكيد لذلك. فالولايات المتحدة تفكر بشكل إستراتيجي بحت لا بطريقة اعتباطية. فالحاجة إلى إيجاد عدو هي عقيدة في التراث الأمريكي منذ وصول المستعمرين إلى أمريكا قبل عدة قرون، والذين كانوا يتوسعون غربًا باتجاه المحيط الهادئ وفق ما أطلق الأمريكيون عليه تسمية «American Frontier» وهي تعني البحث عن تحدّ وعدو جديدين للتسيُّد على العالم.

كذلك، لا بد من الرجوع إلى ما نشرته مجلة «نيوزويك» في مقابلة مع صمويل هنتنغتون قال فيها: «إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر شكلت الطلقة الأولى في المعركة النهائية في الحرب الحضارية الطويلة. وإن من ينتصر في هذه المعركة سينتصر تاريخيًّا». لذلك، نحن أمام شكل جديد من الاستعمار عبر الضغط على الشعوب بعدو وهمي يستدعي الحماية والوصاية الغربية لابتزاز الشعوب وابتلاع خيرات البلاد.

أما آخر تغريداته حديثًا والتي تحدث فيها عن غزو العراق «غزو العراق جريمة عدوان طبقًا لميثاق المحكمة الجنائية الدولية. دون محاسبة المسؤولين ستكون الرسالة أن تطبيق العدالة أمر انتقال».

هكذا علق البرادعي بعد صدور تقرير تشيلكوت واعتذار رئيس وزراء بريطانيا الأسبق «توني بلير» اللطيف عما حدث، وفي هذا السياق عندما يقول رجل القانون «جريمة» فكأنه ينادي جامعة الدول العربية إلى تحرك تجاه ما فعله الغزو بالعراق ولكن هل من مستجيب؟!

ربما تعد تلك التغريدة استكمالًا لما قبلها حول قدرة الدول العربية على مواجهة الإرهاب والعدوان، فالإرهاب ليس داعش فقط وإنما قد يكون دولًا تسعى لمصالح خاصة في المنطقة وماسونية عالمية تسعى لتسيُّد العالم.

نحن أمام رجل يكتب للتاريخ يدون في كلمات صغيرة حياة أمة ومرحلة مهمة في تاريخ العرب ومصر خاصة، وإذا كانت وزارة التربية والتعليم قد أحدثت خطأ بحذف اسم الرجل من مناهجها فإن التاريخ والعالم لم يعد يصدق ما نفعله ولن يستطيع أحد حذف صورة الرجل من مشهد الرابع من يوليو إذ وقف بجوار القيادة العامة للقوات المسلحة معلنًا تأييده قرار عزل مرسي ومؤكدًا على أن ما قام به الجيش هو استجابة لمطالب ثورة سلمية وليس انقلابًا.

مصر في حاجة الآن إلى أمثال هؤلاء الذين يعملون في صمت ولا يطمحون في مناصب أو لديهم مصالح أمثال هذا الرجل، يمكن أن يساهم في التحول الصعب الذي تمر به مصر الآن، فإمكان البرادعي تولي لجنة لإعادة هيكلة التعليم أو تشكيل فريق لمكافحة الفساد الإداري الداخلي الذي يجهض محاولات البلاد للنهوض، وأنا على يقين بأن الرئيس السيسي يسعى لاستغلال كافة الإمكانات والخبرات داخل مصر فالمجلس التخصصي يشهد على ذلك.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

البرادعي, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد