الطلاب يذهبون للامتحانات بهدوء تام، استقرار أمني واضح في مدينة الموصل يوم 5-6 -2014، بشكل غريب ومريب، وفي الساعة الثانية عشر ظهرا، فرض حظر للتجوال على أبناء مدينة الموصل، لا يسمح لأحد بالخروج من منزله، حتى الطلاب الذين يؤدون الامتحانات ارتبكوا، التجار في أسواقهم بين الجانب الأيمن والأيسر لم يستطيعوا الذهاب.

متبضعون ومواطنون وصلوا من القرى إلى داخل المدينة لم يستطيعوا الرجوع حتى الساعة السادسة مساء، حيث فتح الحظر لساعة واحدة فقط، في القسم الداخلي للطلاب بجامعة الموصل، لم تصل الأطعمة التي ستوضع لتغذيهم هذا اليوم والأيام المقبلة، الخميس والجمعة والسبت، كان قرارًا اتخذ بشكل سريع من غير الانتباه إلى تداعياته.

أثار هذا القرار المفاجئ استغراب الجميع، لماذا يمنعونهم من الخروج؟ وإذا كان ثمة حرب قادمة، فمن سيصد القادمين؟ إن هذا القرار في تقديري يمثل أحد أسرار الموصل الكبرى، لماذا قررت قيادة العمليات فرض حظر للتجوال والأمور طبيعية جدا؟ كان هذا القرار مقدمة للانسحاب اللاحق ولتداعيات نزوح خطير، ولتغييب أهل الموصل عن أي دور في تحديد مصير مدينتهم.

 

قبل أن تصل طلائع تنظيم داعش إلى الموصل فجر 6-6-2014، كان معروفا أن قوة تتقدم باتجاه الموصل، وكانت تحتاج عدة ساعات في الطريق لتصل، وهي قوة مكشوفة وإن كان تقدمها ليلا، وصلت إلى الموصل قبل أذان الفجر بقليل، كانت الساعة الثالثة فجرا، واقتربت من حي الهرامات والصحابة و17 تموز أقصى أحياء الجانب الأيمن في الموصل.

في ليلتها ظهر المسؤولون من أهل الموصل يطلبون تدخل سلاح الجو لإيقاف القوات المتقدمة، باعتبار أن سلاح الجو هو الجهة المعنية بإيقاف حركة الأرتال، لكن أي طائرات لم تظهر، تركت السيارات تتقدم وحدها.

تنخر سيارات الدفع الرباعي عباب صحراء الجزيرة، وعليها من الأعلى درع وأسلحة متوسطة، ويجلس عدة مقاتلين في كل سيارة بكامل عدتهم، وبسلاحهم، في الاستعداد للمعركة الكبرى، كانوا فرقة خاصة عالية التدريب، ونشر على نطاق ضيق أن هذه القوة هي نفسها التي اقتحمت سجن أبو غريب، وأطلقت سراح عدد من المعتقلين.

تبين لاحقا أن عناصر “داعش” داخل المدينة لم يكونوا يعلمون بأي شيء من الهجوم، كانت العملية تسير في سرية تامة، لكن تجهيز هؤلاء الجنود كان عاليا، ومعهم فريق شرعي، وآخر إعلامي وفريق خدمات، كذلك بلدوزرات “شفلات” من أجل فتح بعض الحواجز الكونكريتية والسواتر الترابية.
مع أذان الفجر كانت الأمور تتحرك بهدوء، والمدينة تحاول الاستيقاظ وهي لا تعلم أي شيء، بينما كانت البلدوزرات تفتح نقاطا حيوية في الشوارع، ووزع المقاتلون بانتظام على عدة محاور.

لم يكن متوقعا أن هذه القوة أتت من أجل إسقاط الموصل مرة واحدة، الموصل هي ثاني أكبر مدينة في العراق من حيث عدد السكان، الموصل هي بغداد الثانية، والبصرة تأتي في المرتبة التالية، ظن معظم الناس أن الأمر وكما هو معتاد، مشاغلة من داعش فقط، هدفها السيطرة على بعض مراكز الشرطة وتحقيق نصر إعلامي ثم الانسحاب، كما كان يحصل بين فترة وأخرى.

في بعض الأحيان كانت قوة مسلحة أخرى تسمى “الطريقة النقشبندية” تقوم بهذا الدور، تستعرض قوتها وتستهدف مراكز الشرطة، وتسقط بعضها بالفعل، لكن فعلها كان محدود الأثر، وتنتهي معظم أعمالها خلال ساعات، باستعادة القوات الحكومية للمراكز، ويتحمل الأهالي تبعات الاعتقالات والإهانات، والتعرض للكرامة الإنسانية من قبل قوات الأمن.

 

بالرجوع قليلا للوراء، فإن جميع محاولات إدخال ضباط الجيش السابق، وأبناء الموصل في سلك القوات الأمنية قد باءت بالفشل، كذلك تشكيل قوة عسكرية من أبناء المدينة تكون مرتبطة بالمحافظ نفسه، باءت بالفشل هي الأخرى، ما من شك أن خطة نوري المالكي الذي كان رئيسا للوزراء تستهدف إقصاء ثاني أكبر مدينة في العراق، إقصائها أمنيا بدرجة تامة، على الرغم من خبرة أهلها الكبيرة في المعارك، لأن أكثر مدينة في العراق في ضباط من الجيش العراقي السابق هي الموصل.

عندما بدأت المعركة، وخاصة في حي تموز، انقشع الصبح على سقوط نقاط أمنية على أطراف الموصل، وبدأت الأخبار تتوارد عن سيطرة داعش على مقرات محددة، صحيح أنه خبر مهم، لكنه لم يكن كبيرا حتى الآن، فسبق أن سقطت مراكز ونقاط تفتيش في مرات سابقة، وتمت السيطرة على الموقف لاحقا.
لم يخرج أحد من منزله في ذلك اليوم، كان حظر التجوال يتيح قدرا كبيرا من الحركة على الجانب الأيمن لداعش، كذلك بدأ يوم الجمعة الذي تقل فيه الحركة أصلا، إذ اختارت داعش توقيتا يتيح لها التوغل بسهولة، فساعدها قرار حظر التجوال.

لم يعلن عن سقوط أحياء كاملة، فقط وحتى الظهر كان الحديث عن سقوط مراكز شرطة، واشتباكات متقطعة، نشر على نطاق واسع أن قيادة العمليات قامت بالتصدي لهم، وأبعدتهم عن المدينة، لكن ذلك كان أكاذيب فقط، حتى قيادة العمليات وإلى وقت بعيد، لم تصدر أي بيانات لأهل الموصل، وحصل الارتباك لاحقا.

الحلقة المقبلة، ستبدأ فيها المعركة الحقيقة، وأكبر عمليات نزوح في تاريخ المدينة، ومفاجأة وسر جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!