مع أذان فجر الجمعة، 6-6-2014 كانت ثلاثة أرتال من سيارات الدفع الرباعي “بيك أب” ملطخة بالطين، عليها جنود يجلسون في مكان التحميل، ويضعون في مقابل جلستهم سلاحًا من العيار المتوسط، ويتجهون سريعًا من صحراء الجزيرة إلى ضواحي الجانب الأيمن من الموصل.

هدوء يخيم على الموصل، أنهى الطلاب امتحاناتهم ويستعدون لامتحان جديد، بينما يخيم حظر التجوال على المكان، ثمة نقاط تفتيش لم يكن أصحابها في انتباه لشيء سيحصل لهم، بينما تقترب السيارات من الجانب الأيمن، وتندس بعضها في المدينة عند صلاة الفجر، حتى بدأت بلدوزرات تتبع لتنظيم الدولة بإزالة حواجز كونكريتية كانت تقطع مرور بعض السيارات، وليبدأ أول اشتباك مع نقاط تتبع للشرطة المحلية على أطراف المدينة، مستعينة بأول خيوط الشمس التي تشرق على المدينة.

مع انتصاف النهار كانت قد أزيلت عدة نقاط تفتيش، لقد انسحبت قوات الحراسة، وظلت نقاط التفتيش فارغة، بينما تقدم عناصر التنظيم من ثلاثة محاور من أطراف الجانب الأيمن، مع زخات رصاص لا تنقطع، ولا يعرف الأهالي ما الذي يحصل بالضبط، لكنهم يسمعون كل شيء، ويجلسون في بيوتهم خوفًا من حظر التجوال.

لم يكن الأمر كبيرًا بعد، لم يقل أحد أن الأحياء قد سقطت، لكنها بالفعل كانت في طريقها للسقوط، وغرفة العمليات في الجانب الأيسر والذي يعد أكثر أمنًا ولم يقتحم إطلاقًا من أي مسلح، كان الضباط هناك يعرفون ما يجري ويسكتون عنه، لم يرسلوا قواتهم إلى هناك، بينما بقيت الشرطة المحلية وحدها تقف بوجه السيارات القادمة، وبعد وقت تبعتها قوات سوات في مناطق محددة، وبدأت قوات سوات تعيد انتشارها وتقتحم من جهة الجانب الأيمن ما تسبب بتراجع للتنظيم قبل حلول الظلام.

بدأت الأخبار تصل لأهل الموصل مبعثرة، وسائل الإعلام والقنوات المعارضة للمالكي تتحدث عن سقوط أحياء الموصل تباعًا، قنوات موالية للحكومة تتحدث عن صد الهجوم، بعضها آثر السكوت تمامًا بانتظار أي توضيح من قيادة العمليات، لكن شيئًا من ذلك لم يحصل.

إنه في الحقيقة كان هناك تقدم وتراجع في آن واحد، لكنه لم يستمر طويلًا، فمع دخول وقت الغروب بدأت الموازين تنقلب لصالح داعش، وسقطت تباعًا أربعة أحياء من الجانب الأيمن من الموصل.

كان أهل الموصل قد فرض عليهم حظر للتجوال قبل يوم من الآن، ظهرت القيادة السياسية في المدينة مرتبكة للغاية، لم تقل للناس لماذا فرض حظر التجوال، في الحقيقة لم تكن موافقة عليه بالأساس أو أنها لا تعلم به أصلًا إلا عندما فرض، لقد تضررت كالمواطنين بالضبط.
قوات الأمن ومقر العمليات يتعاملون مع الموصل كأنها مدينة بلا قيادة سياسية، يقررون ما يحبون ويأخذون الموافقات من نوري المالكي مباشرة، ولا يستمعون لكلام المحافظ ومجلس المحافظة في شيء، لم تكن أي قيمة تذكر لأي من أهل الموصل.

تعلم القيادة في مقر الفرقة بالجانب الأيسر أن الأوراق التي بين يديها تقول إن عدد الجنود في الموصل يقدر بعشرات الآلاف، لكن الحقيقة أن معظمهم “فضائيين” لم يكن بواقع الحال إلا بضعة آلاف جندي في الموصل كلها، ربما يكون العدد الحقيقي من الموجود هو ما نسبته 10% فقط مما هو مكتوب في الأوراق، وحتى العشرة في المائة، لم يكونوا مستعدين إطلاقًا للقتال، كانوا مستعدين للهروب أكثر منهم لأي شيء آخر، ويجلسون في راحة وأمان بين مقر الفرقة وفندق الموصل والذي صار ينتظر أهم عملية انفجار حصلت في العراق منذ 12 عامًا!!

 
يبغض أهل الموصل قادة الأمن فيها، لا يحبون الجنود الغرباء الذين عاثوا في الموصل فسادًا، خنقوا الموصل نهبًا ورشوة وتعذيبًا وإهانات وقطعًا للطرق، لم يُبقِ هؤلاء الجنود أي معنى للقبول بهم أو التعاطف معهم، كان أهل الموصل يعتقدون أن هذه القوات القادمة من خارج الموصل تتعمد إذلالهم بل والانتقام منهم، جنود الجنوب يهينون أهل الشمال، هذا ما كان سائدًا، يعتقدون كذلك أن أي جهة، يمكن أن تخلص الموصل من هذا الكابوس القاتل، مهما كانت وكيف كانت وبأي طريقة أتت، فهي في موضع قبول.

إنه مشهد أسود، يومًا بعد يوم، وعدد السجناء في زيادة، الحواجز الكونكريتية التي تقطع المدينة إربًا إربًا، مثل سكين يقطع قلبها، كانت ترتفع وتغلق مزيدًا من الطرق والأحياء السكنية، الفقر يعم المدينة التي تموت حياة العمل فيها، محافظ نينوى لا يقوى على فعل أي شيء، إنه محاصر مثل أبناء المدينة تمامًا، لكنه يحاول أن يظهر بشكل قوي، ويزرع أملًا في المدينة، في الحقيقة لم يكن موفقًا في ذلك، الأمور كانت خارج سيطرته تمامًا.

أهل الموصل بذكائهم الجمعي يعرفون ما يحصل بدقة، يعرفون أن مقر المحافظ ومجلس المحافظة، إنما هي واجهات فقط، لن تقم بأي حلول أمنية للمدينة، لن تستطيع توظيف السكان، ولا تشكيل قوة عسكرية منهم، لن تستطيع حتى الاتفاق مع تركيا لبناء الموصل من جديد، لأن المالكي كان ينظر للموصل ولقيادتها السياسية بندية.

صحيح أن الموصل شارك بقوة في الانتخابات، صحيح كذلك أنها كانت تطمح جديًّا بالتغيير، وتريد إزالة المالكي على طريقتها، لكن أهل الموصل كانوا في قرارة أنفسهم ناقمون أشد النقمة على كل الطاقم السياسي والأمني في المدينة، وإنما هي محاولة لإعذار النفس.

بدأ مسلحو التنظيم يتقدمون أكثر فأكثر معظمهم يرتدي الزي الأفغاني، وقليل منهم كانوا يلبسون ثوبًا وعقالًا، بعضهم كانوا شبابًا وآخرون في الخمسينيات.

قبل أيام فقط من المعارك، أمسكت الأجهزة الأمنية صيدًا ثمينًا، وهو البيلاوي أو عدنان إسماعيل الدليمي، كان البيلاوي يمثل أعلى سلطة عسكرية في التنظيم، تمكنت القوات الأمنية من قتله، ثم بعد ذلك أخذت بعض الوثائق في مقر إقامته، لاحقًا قرر التنظيم تسمية الحرب باسم البيلاوي نفسه.

ظلت منطقة حاوي الجنيس وما حولها والتي تطل من بعيد على فندق أوبروي الموصل، منطقة مراقبة وخطيرة على طول الخط، هذا قبل سقوط الموصل، إنها إحدى أهم مناطق قيادات تنظيم الدولة، وموطن مخازن السلاح وأخذ الجبايات من عامة تجار المدينة، بل ومن معظم مقاوليها.

في اليوم التالي وبعد التقدم الواضح لتنظيم الدولة، واستقرار نصف أحياء الجانب الأيمن بيدهم، بدأت موجة نزوح بسيطة، لكنها تعاظمت بسرعة في اليوم التالي، عندما بدأت قيادة العمليات بإطلاق قذائف الهاون بشكل عشوائي على سكان الأحياء السكنية، ما تسبب بموجة نزوح تاريخية غير مسبوقة.

خيط ممتد لكيلومترات حتى الوصول إلى الجسر بين الجانب الأيمن والأيسر، كان مليئًا بالعائلات، لم يسبق أن أكل الجسر كل هذه العائلات، بينما يطلق جندي طائش رصاصات بشكل عشوائي من فوق رؤوس الأهالي، يريد أن يقول إننا هنا، في الحقيقة لم يكن أحد ليكترث به، رحلة للمجهول، أو فقط للجانب الأيسر حتى يستقر الأمر، لكن معظم من خرج، لم يعد، لم يبق حتى بالجانب الأيسر، لقد غادر عن أربيل.

القوات الأمنية تقصف الأحياء بالهاونات، ولم تتمكن من قتل أي أحد من داعش، بينما يستمر عشرات الآلاف بالنزوح من الجانب الأيمن، يستمر انسحاب القوات الأمنية ويخرج خيرة شباب الموصل يحملون الطعام والماء لموجة النزوح الرهيبة، وتشكلت فرقًا شعبية لحماية هؤلاء الأهالي، بينما تضاعفت أعداد القتلى الذين سقطوا بالقصف العشوائي من مقر الفرقة على رؤوس الأحياء السكنية.

تتسارع الأحدث، بينما جهزت مجموعة صغيرة من التنظيم صهريجًا متوسط الحجم، يبدو أنه مأخوذ من الجيش، كان صهريجًا عسكريًّا لنقل الماء أو الوقود، بينما فخخه تنظيم الدولة بشكل كامل، ووضع في مقدمته الأمامية لوحًا حديدًا يمنع قتل الانتحاري بداخله، مع فتح صغيرة للغاية من أجل النظر، وانطلق هذا الصهريج ليكون هذا الانفجار تحديدًا أهم انفجارات العراق منذ اثني عشر عامًا، لأنه استهدف فندقًا يرتاده كبار الضباط، ومركزًا مهمًّا من مراكز العمل الأمني.

في الحلقة القادمة نتحدث عن أهمية موقع الصهريج، وعن الانسحابات الرهيبة التي حصلت بعد ذلك، وعن أول ظهور لفصائل مسلحة أخرى غير تنظيم الدولة، وكيف تم الاستيلاء على السلاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!