الحياة الأخرى للطيبين والأشرار

بينما نحن نسير هنا وهناك منشغلين بصراعات الحياة وأخبارها، منغمسين في مشكلاتنا وأهوالنا متغافيلن عما سواها يطل علينا ضيفًا ثقيلا لم نكن لنحسب له حساب أو نحجز له مكانًا، معتقدين في جهل وغرور أنه لن يدق أبوابنا أو يزور بيوتنا.

إن الحزن هو الحقيقة الرمزية الأكثر وضوحًا في الحياة، فرغم إننا لا نستطيع أن نلمس الحزن أو نراه، لكننا نشعر به ويؤثر في قلوبنا تأثيرًا جللًا، إنه الضيف الأكثر إزعاجًا دائمًا، والحزن ينجم في معظم الأحيان كنتيجة طبيعية لحدوث المصائب والبلايا، والبلاء الأقوى هو الموت، قال تعالى: (إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت) آية 106 سورة المائدة.

فالموت يأخذ أحبابنا ويكسر قلوبنا ليترك وراءه ضيفًا ثقيلًا جدًا (الحزن)، لكن العزاء الوحيد أنه سينقل أحبابنا إلى دار الخلود والحقيقة، وأننا جميعا سنرحل إليهم عندما يحين وقت قطارنا، والحاكم في دار الحق هو ملك الملوك، ستتحول أجسادنا إلى أرواح، والأرواح لا ترتدي أجسادًا لكنها إما ترتدي ألوانًا نورانية بيضاء، أو ألوانًا شيطانية سوداء.

في حياة البرزخ التي تبدو قصيرة جدًا للصالحين، طويلة جدا على الظالمين.

إن حياتنا المادية الغريبة جعلتنا نصاب غصبًا عنا بمرض عضال يسمى (التمركز حول الذات) فأصبح غالبيتنا ينظر إلى المظهر ويهتم بالمرآة ليرى شكله الخارجي، وكيف يبدو جسده وملابسه أمام الناس، وذلك بغرض الظهور في أفضل صورة أمامهم، وقد نسينا في غمرة اهتمامنا بمظهرنا الخارجي أن ننظر في الشكل الداخلي، فما هي أشكال أرواحنا، هل يرانا الملائكة في شكل جميل أم شكل قبيح، هل ترى الملائكة أرواحنا، وكيف يرانا أهل القبور (أهل البرزخ) الذين يرون الحق والصدق.

لن نتعجب إذا رأينا هناك في حياة البرزخ أحد ملوك الدنيا وهو يبدو فقيرًا ويرتدي ملابس سوداء متسخة جدًا ويحمل الأحجار على ظهره حتى ينكفئ أرضًا رغم أنه لا يمتلك جسدًا، لكنه سيقع على الأرض من العذاب وكثرة الأحمال والذنوب الكثيرة التي تمتلئ بها حقائبه، فقد سافر من الدنيا بلا حسنات.

يا للعجب، هذا الرجل الذي كان مشهورًا مرموقًا في الدنيا يسير هناك على النيران والأشواك، إنه أيضًا يعمل خادمًا عند أحد الأئمة الذين صدقوا الله في الدنيا، هذا الإمام الذي كان فقيرًا أصبح سيدًا وغنيًا.

ما هذا الذي نرى هناك، إنه أحد الأمراء يقف وسط الدخان الكثيف والأتربة المتناثرة.. يا الله.. كيف؟ لقد كان أميرًا مليونيرًا في الدنيا، وكان يطغى ويبغي في الأرض، إنه يحاول أن يزيل الأتربة والغبار الكثيف من الطرقات ليرضي سيده هناك، إنه يحاول أن يتنفس الصعداء، يارب.. سيده هذا كان عبدًا فقيرًا فيما مضى، كان في الدنيا مسكينًا، لكنه كان صالحًا، والمثير أن هذا الأمير يحاول في سرعة أن يمسح حذاء سيده لعله يعطيه جزءًا من الحسنات ليخفف عن كاهله عناء الأحمال، إنه دائم الإلحاح عليه بأن يشفع له عند الله عز وجل، لكنه في النهاية يصطدم برد الرجل الصالح ليقول له: إن الله حرم الجنة على الظالمين.

وإن العبد الصالح الذي يبدو سيدًا وأميرًا لا يملك من أمره شيئًا أمام ملك الملوك إن الله هو الحاكم، وأنا لست سيدًا ولست حاكمًا، بل أنت تراني هكذا لأنك لا تمتلك الحسنات فإنك لم تخزن من الحسنات ما يساعدك في تلك الحياة الجديدة، أنا أيضا مجرد عبد لله ولن أدخل الجنة بحسناتي، بل سأدخل برحمة الملك الحق المبين.

هكذا كان يقول الصحابي الجليل أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (قل لا آمن مكر ربي ولو كانت إحدى قدمي في الجنة).

إنها حياة القبور الجديدة، (ملوك وأمراء الدنيا الأشرار يعيشون في العذاب ويعانون الآلام والوقت يمر بطيئًا، وفقراء صالحين يعيشون نعيمًا ورغدًا وتمر الأوقات سريعة وهم يريدون الأكثر والأكثر).

والسؤال هنا، إذا كانت حياة البرزخ قصيرة بالنسبة للصالحين وطويلة بالنسبة للظالمين، فهل هذا دليل على اختلاف الساعة بين كل من الفريقين، أم أن الوقت كما هو، لكن هذا تشبيه مجازي يدل على مدى ما يلاقيه الأشرار والمنافقين من المهالك التي تجعلهم يشعرون باللحظة كأنها سنون والعكس صحيح، فالأخيار يرون السنوات كأنها لحظات.

قال تعالى:

يفرح المحسنين بموتهم وإنتقالهم إلى حياة القبور لأنهم يكتشفون الكنز المخبأ لهم، أعمالهم محفوظة في بنك الحسنات، كان يحفظها رقيب الملاك الأمين الذي لم يكن يسهو لحظة عن أعمالهم الخيرة، فقد سخره الله لكتابة الحسنات، فيقول المحسنون: الحمد لله الكريم الحليم الذي من علينا علينا بالخير الوفير.

في الجناح الأيسر يموت البخلاء ومانعو الزكاة والصدقات فيبكون حزنًا وكمدًا حيث يشعرون بالجوع والعطش، فلا يجدون ما يمكنهم من العيش في الدار الآخرة، فينادون على المحسنين من عباد الله: أحسنوا إلينا، أعطونا مما أعطاكم الله، لكن الله حرم النعيم على الظالمين والمنافقين، فلا ظلم اليوم، الملك لله الواحد القهار.

إن العملة المستخدمة في البرزخ ليست الجنيهات والدولارات، بل هي الحسنات، قال تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) الآية 7 سورة فصلت.

وقال تعالى أيضًا في جواب المجرمين وهم في سقر عن سؤال أصحاب اليمين: ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ،قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ). الآية 42،43سورة المدثر.

إنها حياة لا يستطيع الخيال أن يصفها مهما شطح إلى أعلى، فهناك نفقد أجسادنا ورغم ذلك فإننا نمشي بدون أرجل ونسمع بدون آذان وننطق بلا لسان ونرى بدون أعين، لكن نرى الحق والعدل، فإذا كنا أشرار ماعاذ الله سنرى كم نحن صغار نتسم بالحقارة وإذا كنا أخيار سنرى كم نحن عظامًا لأن الله لا تضيع عنده الأجور والأعمال.

هناك سيعلو الإحساس الروحاني والرؤية غير المتناهية لنرى جميع من حولنا على حقيقتهم، سيرى الطغاة بعد موتهم الناس الذين كانوا يعظمونهم في الدنيا وهم يسبونهم ولن يستطيعوا أن يغلقوا أفواههم، وفي ذات الوقت لن يهربوا من أصواتهم العالية التي تلعنهم وتدعو عليهم في كل مكان لأنهم أصبحوا بدون آذان وبدون آياد، لقد تحولوا إلى أرواح يملكها الله عز وجل، فهو الحكم ذو القوة المتين، إنهم يعضون على أيديهم ندمًا وكمدًا.

قال تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلًا). آية 27 سورة الفرقان.

وقال تعالى: (يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنًا كبيرًا). آية 66-68 سورة الأحزاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد