يمثل لبنان محطة أنظار عدد من الباحثين والكتاب؛ وذلك لما شهده من تطورات سياسية وعسكرية واجتماعية على مدى تاريخه. فما يشهده لبنان اليوم ليس نتيجة الساعة، بل هو قديم وناتج عن سبب رئيس، ألا وهو تعدد الطوائف والأديان داخل المجتمع وتأثير هذه التركيبة في كل نواحي الحياة، خاصة المجال السياسي.

بني لبنان منذ استقلاله سنة 1943 على أساس طائفي؛ حيث جرى توافق وطني بين ممثلي الطوائف في صيغة عرف يعرف بالميثاق الوطني يوزع رئاسة السلطات الثلاث بين المسحيين والمسلمين.

فتاريخيًا لا يمكن غض النظر عن مسألة الطائفية في لبنان، هذا المصطلح الذي يعرف بالانتماء إلى طائفة ما، سواء دينية أو اجتماعية، لكن ليست عرقية فتجتمع مجموعة من الناس والقوميات في طائفة واحدة بخلاف وطنهم.

برزت هذه الظاهرة في لبنان مع تصاعد الصراع الخارجي بين السلطنة العثمانية المسيطرة عليه حينها، ثم الانتداب الفرنسي سنة 1920 الذي حرص على حماية المسحيين باعتبارهم أقلية، ومن بعد اندلعت الحرب الأهلية سنة 1975 التي أدت إلى انقسام كبير بين اللبنانيين بسبب الصراعات الدينية والسياسية. في 1989 جاء إتفاق الطائف بعد سنوات من الحرب أنهكت الجسد اللبناني، وصار منذ ذلك الوثيقة المرجعية لكل لبناني فهو وفاق وطني وضع بين الأطراف المتنازعة لإنهاء الحرب الأهلية مقرا المناصفة بين ممثلي المسلمين والمسحيين في السلطة وتأسست بناء عليه الديمقراطية التوافقية.

ورغم ما نص عليه هذا الاتفاق الذي صار في ما بعد في عماد الدستور اللبناني (1926) على ضرورة إلغاء الطائفية السياسية وممارسة السياسة خارج القيد الطائفي، إلا أن ذلك لم يجد طريقه على أرض الواقع إلى هذا اليوم وبقيت الممارسة السياسية في لبنان تطغى عليها المحاصصة المذهبية وديمقراطيته مقيدة بسلطة الطوائف.

فالواقع السياسي اللبناني هو واقع تحكمه الطوائف؛ إذ يتعايش في هذا الكيان 18 طائفة تتنافس في ما بينها على تحسين حضورها في السلطة السياسية والمؤسسات الإقتصادية والواقع الاجتماعي حيث أصبحت الطائفية القاعدة الثابتة في الحياة السياسية والاجتماعية، وحتى الثقافية، وبلغ تغلغلها عمق الوعي الجمعي اللبناني، حتى صارت الطابع الاساسي لهوية الفرد ولوعيه داخل المجتمع والوطن وثقافة ينتهجها.

الازمة التي يعيشها لبنان بالإضافة إلى أسبابها الداخلية هناك أسباب خارجية زادت من حدتها على غرار التدخل الإقليمي والدولي كتدخل إيران من جهة واستغلاله للبنان للعب دور قوة إقليمية والتدخل السعودي من جهة أخرى بسبب التوسع مواجهة الطرف الشيعي.

ساهم هذا في تغلغل المصالح الخارجية؛ مما جعل لبنان حصيلة تقاطع أوضاع إقليمية ودولية تتعدد على ساحته المرجعيات ويكثر فيها اللاعبون الذين يحاولون السير بلبنان إلى عدم الاستقرار.

وكي لا يبقى لبنان ساحة تجاذب وصراع للسياسات الخارجية يجب العودة إلى الديمقراطية الحقيقة النابعة من الشعب والمبنية على قانون انتخابي عصري يؤمن التمثيل الصحيح والمناصفة الحقيقة حسب الكفاءات، لا حسب الولاءات الطائفية.

هذا هو الواقع اللبناني وديمقراطيته التوافقية التي تتخذ القرارات والتسويات، حسب القوى الطائفية المعرقلة لتحقيق أدنى حد من الديمقراطية الحق والمفتت لعصب الدولة. فأزمة لبنان كما تبدو وفي سياقها السياسي الراهن وما يعانيه على صعيد السلطات وبنائه الداخلي عبر الحقبات التاريخية هي أزمة مزمنة ومستحكمة فيه.

والطائفية هي من أكبر المعوقات التي أثرت في سياسة هذا البلد صغير المساحة وكبير الاستباحة كما أثرت في نمط عيشه وسببت إانقسامات بين صفوف أهله مع تشرذم سياسي دائم.

فتوفر إرادة التغيير والإيمان بها من قبل اللبنانيين لإرساء دولة مدنية حديثة وعملية وترسيخ قيم المواطنة والأسس الديمقراطية هو الحل لخروج هذا البلد من تحت وطأة الجلباب الطائفي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد