في تلك البقعة الصغيرة الواقعة على البحر المتوسط أعلنت الجمهورية اللبنانية في الأول من سبتمبر (أيلول) من عام 1920م ميلاديًّا، عاشت لبنان تحت الوصاية الفرنسية بعد سايكس بيكو حتي الثاني والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) لعام 1943 ميلاديًّا، وكانت سايكس بيكو مخالفة لتوقعات اللبنانيين في رسم حدودها، فقد كان اللبنانيون أنفسهم يتوقعون دخولهم تحت إمارة الأمير فيصل والانضمام إلى دولة سوريا الكبرى مع فلسطين والأردن والعراق.

وبعد الاستقلال وجلاء فرنسا عن لبنان لم تغب الاضطرابات كثيرًا، ففي عام 1958م حدث التوتر الأول بين أكبر طائفتين في لبنان، المسيحيين المتضامنين مع الرئيس، كميل شمعون، الموالي للغرب من جهة، واللبنانيين المسلمين المطالبين بقطع العلاقات مع دول العدوان الثلاثي على مصر من جهة أخرى، مما نتج منه تمرد إسلامي مسلح طلب على إثره الرئيس اللبناني من الرئيس الأمريكي أيزنهاور التدخل، فكان التدخل الأمريكي بعدد 14 ألف جندي أمريكي لقمع التمرد، وقد انسحبت القوات الأمريكية في 25 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1958م، وقدم الرئيس اللبناني استقالته ليحل محله قائد الجيش، فؤاد شهاب.

كانت الحدود الجنوبية للبنان سببًا آخر لنوع جديد من الاضطرابات التي استمرت طويلًا، ففي فلسطين المحتلة نشأت منظمة التحرير الفلسطينية، واتخذت من جنوب لبنان قاعدة لها لتهاجم الأراضي المحتلة، كان لهذا أثر بالغ في التصعيد من جانب إسرائيل، والذي أدي تعقيد المشهد الداخلي اللبناني، ومع تطور المشهد وتعقيده بدأت الحرب الأهلية في لبنان عام 1986م، مما دفع القوات السورية للتدخل عسكريًّا لدعم القوات الحكومية بحوالي 40 ألف جندي خوفًا من فقدان الممر التجاري لميناء بيروت، واستمرت الحرب الداخلية حتي عام 1982م.
ومع مغادرة قادة منظمة التحرير الفلسطينية لبنان بدأ الصراع اللبناني الإسرائيلي في التصاعد، إذ استمر الصراع قائمًا بين المقاومة اللبنانية والفلسطينية من جانب، والقوات الإسرائيلية وحلفائها في لبنان من جانب آخر حتى عام 2000م، فشلت خلاله العديد من المحاولات في إنهاء الحرب، وظهر في تلك الفترة تنظيم حزب الله والذي كان له أثر بالغ في نهاية الحرب لصالح الجانب اللبناني عسكريًّا في ظل ضعف الجيش اللبناني الشديد.

وهنا بدأت مرحلة لا تقل دموية عما سبق؛ إذ تعالت الأصوات لبناء الداخل اللبناني عبر المؤسسات حتى تكون لبنان ذات سيادة وتحظى باستقلال ووحدة داخلية، فبدأت فترة الاغتيالات، والتي راح ضحيتها عدد كبير من اللبنانيين يعد أبرزهم رئيس الوزراء، رفيق الحريري عام 2005م، واستمرت الاغتيالات فيما عرف بثورة الأرز، والتي أدت في النهاية إلى انسحاب القوات السورية من لبنان والذي استمر وجودها في لبنان طيلة ثلاثين عامًا.

ولم يدم الاستقرار كثيرًا على أراضي لبنان، ففي بداية عام 2011م (الربيع العربي) امتد قتال الحرب الأهلية السورية إلى داخل لبنان، والذي كان له بالغ التأثير في الأمن الداخلي اللبناني بحكم الحدود المشتركة بين البلدين، ومع ظهور تنظيم الدولة (داعش) تدخل الجيش اللبناني لفرض سيطرته على الحدود والقضاء على التنظيم في 28 أغسطس (آب) 2017م.

لم تهنأ شوارع لبنان كثيرًا؛ إذ كان الطبيعي خلف كل تلك الأحداث الدموية والحروب المتتابعة أن يشعر المواطن اللبناني بالبناء الداخلي في لبنان، إلا أن ما حدث هو تواصل الأزمات الداخلية، ارتفاع الدولار وضرائب جديدة تفرض على كل شيء، حرائق الغابات تفشل الحكومة في السيطرة عليها، مما أدى إلى أن تعالت أصوات الاحتجاجات، والتي استمرت منذ 17 أكتوبر من عام 2019م أسبوعيًّا بلا أي انقطاع رغم كل الممارسات الحكومية لتقليل الاحتجاجات أو السيطرة عليها، ومع ظهور كورونا وانشغال العالم بهذا الوباء هدأت حدة الاحتجاجات إلا أنها بدأت تظهر مرة أخرى بعد الانفجار الرهيب الذي حدث في مرفأ بيروت، والذي اهتزت له لبنان كلها لبشاعة ما حدث

كانت تلك الصراعات الطويلة ذات آثار سيئة على لبنان كلها، ولكن يمكن إضافة أشياء أخرى وإن كانت التعديلات الدستورية المتكررة قد أزالت ملامح بعضها، إلا أنها راسخة في لبنان، الطوائف الكثيرة اللبنانية والتي لا تحل خلافاتها إلا طريق حشد أنصارها، مما يؤدي إلى زيادة التصنيف والتفكك المجتمعي بين الشعب اللبناني، إلا أن الوحدة التي تأتي بعد كل حدث تظهر حب الشعب اللبناني للوطن دون النظر إلى الانتماءات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد