بعد دخول قوات النظام وتحت غطاء روسي إلى مناطق ريف حماة الشمالي، سارعت مدينتي محردة والسقيلبية المسيحيتين  لإطلاق مسيرات فرح عارمة لدخول ميليشيات روسيا والنظام لتلك البلدات، وقرعت الكنائس أجراسها فرحًا بتدمير تلك القرى والبلدات ومساجدها التي ما كبرت يومًا، أو قصفت مدينتي محردة وسقيلبية، بينما كان دير محردة الديني يمطر بلدات كفرزيتا واللطامنة ومورك بوابل من القذائف والصواريخ، ليدمر منازلها ومساجدها على مرأى ومسمع كل كنائس وأديرة العالم المسيحي.

قبل اندلاع الثورة في سوريا، عاش أهالي ريف حماة مع إخوانهم المسيحيين تحت ما يسمى سقف الوطن، درس أبناء الريف في مدارس محردة والسقيلبية، حتى مع اندلاعها كان عدد لا بأس به من من المدرسين من مدينتي محردة والسقيلبية يدرسون أبناء ريف حماة الشمالي، ولم يتعرض لهم بأي سوء، بل على العكس قام أهالي تلك البلدات بحمايتهم ببعض الأوقات، وفي الأعوام القليلة الماضية وبعد إطلاق الثوار لمعركة حماة، ووصولهم لمحردة أطلق جيش العزة أحد أهم فصائل الحر بحماة بيانا لتحييد مدينة محردة وإعطاء الأمان للمسيحيين ممن لم ينخرطوا بالدفاع عن بشار الأسد.

إن المسيحيين ليسوا ضيوفًا أو طيورًا مهاجرة في سوريا، بل هم أساس وجود الوطن ومن دونهم لا وجود لسوريا المتنوعة التي نعرفها. وتابع: في الوقت نفسه فهم من دون سوريا لا أرض ولا وجود راسخًا لهم أيضًا. *الأسد.

ومع انتقال الثورة للعمل المسلح، واتجاه معظم شباب محردة وسقيلبية للتطوع بصفوف قوات الدفاع الوطني، بعد أن استطاع النظام عبر أشخاصه من استمالتهم لصفه، من خلال إظهار الثورة أنها ثورة إسلامية طائفية تسعى للقضاء على الأقليات ومنها المسيحية.

مدينة محردة

تقع بالريف الشمالي الغربي من مدينة حماة، على مسافة تقدر بـ35 كيلو مترا، على مقربة من خطوط التماس مع مناطق الثوار، في البداية لم تكن المدينة موالية للنظام بالمطلق باستثناء مجموعات سيمون الوكيل، الذي استطاع عبر النظام تجييش أبناء المدينة ضد الثورة والثوار، من خلال خطاب طائفي حيث تم بعدها تشكيل مجموعات الدفاع الوطني فيها في منتصف الشهر العاشر من عام 2011.

يبلغ عدد عناصر الدفاع الوطني في محردة أكثر من 1500 عنصر، يضاف لهم حوالي 500 عنصر من عناصر نسور الزوبعة، الذراع العسكري للحزب القومي السوري.

شارك شبيحة مدينة محردة بمعظم عمليات قوات النظام في ريفي حماة الشمالي والغربي، وفي ريفها الجنوبي أيضًا، إضافة لمدينة حلب وريف حمص أيضا، وقتل عدد كبير منهم، وكان الوكيل السبب المباشر في قصف مدينته، نتيجة قصف قواته لأرياف حماة من داخل المدينة، ومن أحيائها السكنية أيضًا، بحسب ما تم رصده من صور وفيديوهات لعمليات القصف.

دير محردة الديني يشارك بقصف ريف حماة

دير مارجرجس الواقع في مدينة محردة، قد يخيل للسامع لهذا الإسم أنه مكان مقدس تقام به الصلوات والدعوات من قبل زائريه المسيحيين من محردة أو غيرها، لكن هذا الدير الذي تحول لاسم دير محردة الإرهابي بعد أن حوله نظام الأسد لثكنة عسكرية كبيرة، تنطلق منها قوات الاقتحام والمداهمات، فضلًا عن كونه مركزًا لمدفعية النظام التي باتت تقصف من خلاله معظم مدن وبلدات ريف حماة الشمالي والغربي؛ ما تسبب بمقتل الآلاف وجرح ضعفهم، فضلًا عن تدمير المنازل وتهجير أهلها.

من دير محردة الديني تنطلق كل القذائف والصواريخ لتقتل أبناء الأكثرية في كفرزيتا واللطامنة ومورك بريف حماة.

كل ذلك على مرأى كل رجال الدين المسيحي في محردة وسوريا بأكملها، بل على مرأى بابا الفاتيكان أيضًا، والتي لم تصدر بيانًا واحدًا على الأقل يدين فيه تحويل دور العبادة إلى مراكز عسكرية.

حاول بعض الأهالي تحييد الدير عن العمليات العسكرية، لكن قوات الوكيل ومن خلفها قوات النظام الأسدي، كممت كل تلك الأفواه، مسوقة لنظرية التطرف الإسلامي الذي تحمله الثورة على حد وصفهم وزعمهم.

مدينة سقلبية

تقع مدينة سقيلبية غرب مدينة حماة على بعد 40 كم، وفي الجنوب الشرقي من سهل الغاب، محاطة بقرى من طوائف مختلفة، ولم يحدث فيها أي نوع من الخلافات قبل الثورة على غرار مدينة محردة، لكن سياسة النظام نفسها بعد اندلاع الثورة حولت المدينة إلى مركز عسكري وأمني من أهم المراكز في محافظة حماة.

لعب نظام الأسد منذ البداية على وتر تخويف المسيحين من استلام السنة للحكم في سوريا وتخويفهم بشماعة وجود فصائل إسلامية تريد القضاء عليهم كتنظيم الدولة والنصرة وغيرهم، وأظهر نفسه للعالم أنه الحامي لهم.

تسيطر على المدينة ميليشيات مسيحية بالكامل، من دفاع وطني، ونسور الزوبعة، وقوات غضب السقيلبية ويقدر عدد هم بالآلاف، شاركوا معظمهم بمعارك النظام في بلدات ريفي حماة و إدلب.

يعد نابل العبدالله المتحكم النافذ بمفاصل الحياة في المدينة، الذي عمل النظام على جعله الرجل المسيحي الذي يخاف على مصالح المسيحيين في مدينته، علما أنه لم يزر الكنيسة يومًا في حياته قبل الثورة حسب ما يذكر أهالي المدينة، بل كان سيئ السمعة، لكن علاقاته القوية مع شبيحة البلدات الموالية للنظام والقريبة من مدينته جعلته يتبوأ منصب القيادة فيها.

تلقى نابل العبد الله دعمًا لا محدودًا من الأطراف كافة، تم تكريمه من قبل ما يسمى بالنمر سهيل الحسن، ومن قبل القيادة الروسية في مطار حميميم العسكري، حتى بات المتحكم الأول في الحياة التجارية والاقتصادية في المدينة ليتحول أبى أغنى الأغنياء فيها، بعد أن كان من متسكعي الشوارع قبل الثورة.

روسيا: مهمتنا حماية المسيحيين في محردة

في 24 من يوليو (تموز) للعام الجاري، قال المتحدث الرسمي باسم قاعدة حميميم الروسية في سوريا، أليكسندر إيفانوف، إن القوات الجوية الروسية تشن هجمات مكثفة على إدلب، ردًا على قصف مسيحيين أرثوذكس في مدينة محردة، مؤكدًا أن دخولهم إلى سوريا لحماية المسيحيين فقط، فيما عبر ناشطون ومنظمات مدنية عن رفضهم للتصريحات الأخيرة.

من جانبها استنكرت «منظمة سوريون مسيحيون من أجل السلام» تصريحات الضابط الروسي، مؤكدة أن روسيا لم تكتف بعمليات القصف والتدمير والتهجير الممنهج للسوريين طيلة السنوات الماضية دعمًا للنظام السوري المتهم بانتهاكات إنسانية وباستخدام أسلحة محظورة عالميًا، بل دأبت على زرع الفتنة بين أبناء الشعب السوري باستمرار، عبر ادعاءاتها حماية المسيحيين في سوريا تبريرًا لعمليات القصف، مشيرةً إلى أن التصريحات الأخيرة تحمّل السوريين المسيحيين الأرثوذكس وزر عمليات القصف في إدلب.

كنائس محردة تقرع أجراسها فرحًا بتهجير أهالي ريف حماة وتدميره

حالما أعلن النظام وروسيا سيطرتهما على ريف حماة الشمالي في 23 من الشهر الفائت للعام الجاري، سارع أهالي محردة وسقيلبية باعلان الأفراح وتنظيم المسيرات ابتهاجًا بتحقيق النصر حسب وصفهم، وقرعت أجراس الكنائس فيهما لمباركة النصر أيضا..نصر على من؟

نصر على مشاركتهم النظام على تهديم وتدمير ريف حماة الشمالي، وعلى تهجير أهله وتدمير مساجده التي لم يسجل التاريخ يوما أن رصاصة واحدة خرجت من أحد مساجد كفرزيتا أو اللطامنة أو الزكاة أو مورك باتجاه محردة أو سقيلبية، ولم يسجل التاريخ أن مسجدًا واحدًا كبر أو هلل لقصف المدينتين طوال السنين التي كان فيها ريف حماة يستقبل القذائف والصواريخ من دير محردة ومدينة السقيلبية.

 

جريمة أخرى من نوع آخر تضاف لجرائم شبيحة محردة وسقيلبية، وربما تكون هذه الجريمة أكثر وقعًا على نفوس أهالي بلدات ريف حماة الشمالي، الذين سيعودون يومًا ما لبلداتهم مهما طال الزمان بهم، ومن المؤكد أنهم لن ينسوا، والتاريخ سيذكرهم بمن رقصوا وفرحوا بقتلهم وتهجيرهم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد