القاهرة بلد الألف مئذنة رأينا فيها الحرائق تشتعل في كل يوم بصورة غريبة ذكرتني بحريق القاهرة الأول، ولم يكن ذلك الحريق الذي نقصده هو الحريق المشهور سنة 1952، بل حريق القاهرة الأول حدث في زمن السلطان الناصر محمد بن قلاوون حوالي سنة 721هـ.

بداية الحريق وتطوره:

في منتصف شهر جمادي الأولى سنة 721هـ، بدأ حريق كبير بالمنطقة المجاورة الآن لسبيل العقادين بشارع المعز لدين الله، ومع إخماده بدأ حريق أكبر في المنطقة المعروفة الآن بشارع خوشقدم، وتعاظم أمره جدًّا وهبت في تلك الليلة ريح عاصفة نشرت النيران، وظل هذا الحريق مستمرًا من يوم السبت حتى يوم الثلاثاء، ومع السيطرة على الحريق وقبل أن يمضي الليل بدأ حريق آخر في المنطقة المعروفة الآن بتحت الربع، وما كاد ذلك الحريق يُطفئ حتى بدأ آخر في المنطقة المجاورة الآن لسبيل عبد الرحمن كتخدا، ووقعت عدة حرائق أخرى بجوامع ودور ومساجد، وتمادى الأمر على ذلك حتى نهاية شهر جمادي الأولى، ومع محاولة إحراق مسجد الظاهر وقع الجناة في أيدي العامة.

جهود الإطفاء والسيطرة:

كان هذا الحريق مهولًا جدًّا، وقد هبّ الناس لإخماده وشاركهم في ذلك كافة أمراء الدولة وبعض العساكر فنُقل الماء على الجمال وعلى الجمال السلطانية كذلك من النيل حتى مكان الحريق، ومُنع أي سقاء من الخروج بالماء خارج القاهرة، وكان الأمراء يتناولون القراب حتى أن المؤرخين وصفوا المنطقة المحيطة بمربع تلك الحرائق، وكأنها صارت بحرًا من كثرة الماء، كذلك كان من ضمن جهود مقاومة الحريق هدم الدور والبيوت المجاورة لأماكن الحريق حتى لا تنتشر النيران، وكان هدم البيوت يتم من أسفلها والنار ترعى في أعلاها، وهُدم في تلك الحوادث حوالي 17 بيتًا، واستمرارًا لجهود مكافحة الحريق نُودي أن يكون بجانب كل حانوت زير أو دُن كبير ملأ بالماء. هكذا كانت جهود المقاومة المدنية بإمكانات ذلك العصر.

القبض على الجناة واعترافاتهم:

مع محاولة إحراق مسجد الظاهر قبض العامة على من وضع النار بالجامع، وكذلك قبض والي القاهرة على اثنين آخرين حاولوا إحراق  مسجد الكهارية، وبالتحقيق مع الثلاثة اتضح أنهم نصارى كانوا قد اتفقوا مع غيرهم لإحراق عدة أماكن نكاية في المسلمين. وبالفعل عُوقب الثلاثة بعد أن اعترفوا على من عاونهم، وهم بعض الرهبان؛ مما دفع السلطان الناصر لاستدعاء البطريرك الذي بكى وأظهر أسفه، وأنه لا علم له بالأمر، وأن من قام بهذه الأفعال بعض السفهاء ردًّا على هدم المسلمين لكنائس الأقباط قبلًا.

وكان فعلًا الدافع لإحراق تلك الأماكن ما سبق من هدم بعض الكنائس، فقد أراد السلطان في العام السابق تأسيس ميدان لتنزهه وللسباق وركوب الخيل، وحفر بجواره بركة، وكان بجوار تلك البركة كنيسة فهدمها السلطان، وبهدمها تسلط الحرافيش وغيرهم على الكنائس في مصر يهدمون ما قدروا عليه، ولم يعاقبهم السلطان إلا بعد أن اشتدّ الأمر، حتى أن النصارى خافوا الخروج من منازلهم فسجن السلطان بعض هؤلاء وصلبهم، وكان كما قال البطريرك سفهاء هدموا الكنائس بغير إذن السلطان فرد عليهم سفهاء مثلهم بإحراق بعض الأماكن.

معالجة الأمر:

كان الأمر بالفعل خطير لكن السلطان لم يكن متعقلًا من البداية؛   مما أدى لتفاقم الأوضاع، ومع اعتراف النصارى بفعلهم تظاهر العامة ضد السلطان؛ مما دفعه للقبض على بعضهم والتنكيل بهم ليتخلص من تلك الفتن دون أن يعالج أساسها، وبعد أن هدأت الأحوال وقع حريق في ناحية مسجد أحمد بن طولون، وقُبض على ثلاثة نصارى وأقروا بارتكابهم الجريمة؛ مما دفع العامة للثورة ثانية رافعين في وجه السلطان رايات عليها الصليب. وزادت التظاهرات؛ مما دفع السلطان لإطلاق يد العامة في النصارى وطرد موظفي الدولة النصارى ليهدأ العامة الذين رضوا بذلك، وكفوا عن الضجيج.

هكذا تبدأ المشكلات وتنمو إن لم يسعَ لحلها أحد بحل حكيم يقتلع الفتنة من جذورها، لا بالتهديد والتنكيل فحسب. وصحيح أن حرائق تلك الأيام تذكرنا بحوادث الحرائق التي شهدتها القاهرة الآن وكثرت حولها الأقاويل، فهل أراد أحد اليوم الانتقام من الدولة مثلًا أو الانتقام من الناس، فرتب الأمر كما شاهدنا في السطور السابقة؟

الأمر بالفعل صعب جدًّا ولعلها حوادث طارئة أتت متجمعة فقط،  ولا نتمنى من الله إلا صلاح الأحوال، فالله هو الأعلم بحالنا الغني عن سؤالنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد